الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في السلم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةوَتَتَحَصَّلُ ثَلاثةُ أقوالٍ: جَوازُه في الشَّريكِ والأجنَبيِّ بالتَّخريجِ على جَوازِه في الشَّريكِ، ومَنْعُه فيهِما لِلتَّخريجِ على مَنْعِه في الأجنَبيِّ.
والثَّالثُ: التَّفرُّقُ يَجوزُ في الشَّريكِ؛ لأنَّ يَدَه كَيدِ شَريكِه، ويُمنَعُ في الأجنَبيِّ.
ثم قالَ: طُولُ المَجلِسِ بعدَ عَقدِ الصَّرفِ وقبلَ المُناجَزةِ مُبطِلٌ، وإنْ لَم يَفتَرِقَا حتى تَقابَضًا، نقَله ابنُ شاسٍ (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: ولو اصطَرَفَ رَجُلانِ فأرادَ أحَدُهما أنْ يُفارِقَ المَجلِسَ قبلَ القَبضِ، فوكَّل وَكيلًا في مُلازَمةِ المَجلِسِ، لَم يَصحَّ، ويَنفَسِخ العَقدُ بمُفارَقةِ المُوكِّلِ؛ لأنَّ التَّنفيذَ مَنوطٌ بمُلازَمةِ العاقِدِ.
فَلَو ماتَ العاقِدُ فهَل يَقومُ وارِثُه مَقامَه في القَبضِ لِيَبقَى العَقدُ فيه وَجهانِ، حَكاهُما الإمامُ والغَزاليُّ في البَسيطِ بِناءً على بَقاءِ خِيارِ المَجلِسِ (٢).
الوَكالةُ في السَّلَمِ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ الوَكالةِ في السَّلَمِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ بعَقدِ السَّلَمِ؛ لأنَّه عَقدٌ يَملِكُه بنَفْسِه، فيَملِكُ التَّوكيلَ به، والمُرادُ التَّوكيلُ بالإسلامِ، وذلك مِنْ قِبَلِ رَبِّ السَّلَمِ بأنْ يَعقِدَ السَّلَمَ عن مُوكِّلِه، أمَّا التَّوكيلُ مِنْ قِبَلِ المُسلَّمِ إليه بأنْ وكَّله يَقبَلُ
(١) «تحرير المقالة في شرح الرسالة» (٥/ ٩٧، ٩٨).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠، ٤٩٣).
له السَّلَمَ، فإنَّه لا يَجوزُ؛ فإنَّ الوَكيلَ يَبيعُ طَعامًا في ذِمَّتِه على أنْ يَكونَ الثَّمَنُ لِغيرِه، وهذا لا يَصحُّ (١).
وقالَ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: مَنْ وكَّل رَجُلًا لِيُسلِّمَ له دَراهِمَ في كُرِّ حِنطةٍ، فأسلَمَها الوَكيلُ بشُروطِ السَّلَمِ جازَ، والوَكيلُ هو الذي يُطالِبُ بتَسليمِ المُسلَّمِ فيه، عندَ مَحَلِّ الأجَلِ، وهو الذي يُسلِّمُ رَأْسَ المالِ، ثم إنْ كانَ الوَكيلُ نقَد دَراهِمَ المُوكِّلِ أخَذَ المُسلَّمَ فيه ودفَعه إلى المُوكِّلِ، وإنْ كانَ نقَد دَراهِمَ نَفْسِه ولَم يَدفَعْ إليه الذي وكَّله شَيئًا يَرجِعُ بما نقَد على المُوكِّلِ، ولِهذا الوَكيلِ أنْ يَقبِضَ السَّلَمَ؛ فإذا قبَض كانَ له أنْ يَحبِسَه عن الآمِرِ حتى يَستَوفيَ الدَّراهِمَ، فإنْ هَلكَ المَقبوضُ في يَدِه إنْ هَلكَ قبلَ أنْ يَحبِسَه مِنْ المُوكِّلِ يَهلِكُ أمانةً، وإنْ هَلكَ بعدَ الحَبسِ قالَ أبو يُوسفَ: يَهلِكُ هَلاكَ الرَّهنِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ: يَسقُطُ الدَّينُ، قَلَّتْ قِيمةُ الرَّهنِ أو كَثُرَتْ.
فَإنْ كانَ دفَع رَأْسَ المالِ مِنْ مالِ المُوكِّلِ وأخَذَ بالسَّلَمِ كَفيلًا أو رَهنًا، جازَ؛ فإذا حَلَّ السَّلَمُ فأخَّرَ الوَكيلُ، أو أبرَأَ الذي عليه الطَّعامَ مِنه، أو وَهَبَه له، جازَ، ويَضمَنُ الوَكيلُ لِلمُوكِّلِ، وكذا إنْ أحالَ به على مَليءٍ أو غيرِ مَليءٍ، وأبرَأَ الأوَّلَ، جازَ عليه خاصَّةً، ويَضمَنُ الآمِرُ بطَعامِه، وإنِ اقتَضَى الطَّعامَ أدْوَنَ مِنْ شَرطِه جازَ، ولِلمُوكِّلِ أنْ يَضمَنَه مثلَ طَعامِه، وإنْ تارَكَ الوَكيلُ السَّلَمَ جازَ، ويَضمَنُ الطَّعامَ لِلمُوكِّلِ في قِياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ -رحمهما الله-.
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٨٢)، و «اللباب» (١/ ٥٥٨).
وإنْ أقالَ السَّلَمَ جازَ، ويَكونُ ضامِنًا لِلمُوكِّلِ، مثلَ السَّلَمِ في قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ -رحمهما الله-.
وإذا عقَد الوَكيلُ عَقدَ السَّلَمِ ثم أمَرَ المُوكِّلَ بأداءِ رَأْسِ المالِ وذهَب الوَكيلُ فقَد بطَل السَّلَمُ، وكَذلك لو كانَ الذي عليه السَّلَمُ وكَّل رَجُلًا بقَبضِ رَأْسِ المالِ، وذهَب عن المَجلِسِ قبلَ أنْ يَقبِضَ وَكيلُه رَأْسَ المالِ، بطَل السَّلَمِ.
وإذا خالَفَ الوَكيلُ بالسَّلَمِ فأسلَمَ في غيرِ ما أمَرَه المُوكِّلُ بالسَّلَمِ فيه، كانَ لِلمُوكِّلِ أنْ يَضمَنَ الوَكيلُ دَراهِمَه، وإنْ شاءَ ضَمِن المُسلَّمُ إليه؛ فَإنْ ضَمِن الوَكيلُ بَقيَ السَّلَمُ صَحيحًا على الوَكيلِ، وإنْ ضَمِن المُسلَّمُ إليه إنْ ضَمِنه وهُما في المَجلِسِ، يَعني الوَكيلَ والمُسلَّمَ إليه، ونقَد الوَكيلَ دَراهِمَ أُخَرَ، فالسَّلَمُ جائِزٌ، وإنْ ضَمِنه بعدَما تَفرَّقا عن المَجلِسِ؛ فإنَّ السَّلَمَ يَبطُلُ.
قالَ: وإذا دُفِعَ إلى رَجُلٍ عَشَرةُ دَراهِمَ لِيُسلِّمَها في طَعامٍ، فناوَلَ الوَكيلُ رَجُلًا، فباعَه، فإنْ أضافَ العَقدَ إلى دَراهِمِ الآمِرِ كانَ العَقدُ لِلآمِرِ، وإنْ أضافَه إلى دَراهِمِ نَفْسِه كانَ عاقِدًا لِنَفْسِه، وإنْ عقَد العَقدَ بعَشَرةٍ مُطلَقةً ثم نَواها لِلآمِرِ فالعَقدُ له، وإنْ نَوَى لِنَفْسِه فالعَقدُ له؛ فَإنْ لَم تَحضُره نِيَّةٌ؛ فَإنْ دفَع دَراهِمَ نَفْسِه فالعَقدُ له، وإنْ دفَع دَراهِمَ الآمِرِ فهو لِلآمِرِ في قَولِ أبي يُوسفَ. وقالَ مُحمَّدٌ: هو عاقِدٌ لِنَفْسِه ما لَم يَنْوِ عندَ العَقدِ أنَّه لِلآمِرِ، وإنْ تَكاذَبَا في النِّيَّةِ فقالَ الآمِرُ نَوَيْتُه لي، وقالَ المَأْمُورُ: نَوَيْتُه لِنَفْسِي، فالطَّعامُ لِلَّذي نقَد دَراهِمَه بالاتِّفاقِ (١).
(١) «المبسوط» للسرخسي (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٤)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ١٩٨، ١٩٩).
وَجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرَى»: ما جاءَ في الوَكالةِ في السَّلَمِ وغيرِه:
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قُلتُ لِرَجُلٍ: خُذْ لي دَراهِمَ سَلَمًا في طَعامٍ إلى أجَلٍ ففَعلَ الرَّجلُ، فأخَذَ لي دَراهِمَ في طَعامٍ إلى أجَلٍ، وإنَّما أخَذَ ذلك لي، أيَلزَمُني السَّلَمُ أم لا في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: ذلك لَازِمٌ لِلآمِرِ عندَ مالِكٍ.
قالَ: وقالَ لي مالِكٌ: وإنِ اشترَطَ المُشتَرِي على المأْمورِ أنَّه إنْ لَم يَرضَ فُلانًا، وقَد سَمَّاه له، الذي أمَرَه، فأنتَ لِبَيْعي ضامِنٌ، حتى تُوفينيه إلى الأجَلِ، قالَ: ذلك جائِزٌ، ولا بَأْسَ به. قالَ مالِكٌ: وإنَّما مَثَلُ ذلك مَثَلُ رَجُلٍ يَقولُ لِرَجُلٍ: ابتَعْ لي غُلامًا أو دَابَّةً بالسُّوقِ، أو ثَوبًا، فيَأْتي المَأمورُ إلى مَنْ يَشترِي مِنه، فيَقولُ له: إنْ فُلانًا أرسَلَني أشتَرِي له ثَوبًا، فبِيعوه، فقَد عَرَفتُموه، فيَقولونَ: نحنُ نَبيعُهُ؛ فإنْ أقَرَّ لَنا بالثَّمَنِ فأنتَ بَرِيءٌ، وإلَّا فالثَّمَنُ عَلَيكَ، تُوفيناه نَقدًا أو إلى أجَلٍ؛ فهذا لا بَأْسَ به.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أمَرَتُ رَجُلًا يَشترِي لي جاريةً، أو أمَرَتُه أنْ يَشتَريَ لي ثَوبًا، ولَم أُسَمِّ له جِنسَ الثَّوبِ، ولَم أُسَمِّ له جِنسَ الجارِيةِ، فاشترَى لي ثَوبًا أو اشترَى لي جارِيةً، أيَلزَمُ ذلك الآمِرَ. قالَ: إنِ اشترَى له جاريةً يَعلَمُ أنَّ مثلَها مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، أو ممَّا يَصلُحُ أنْ يَكونَ مِنْ جَواري الآمِرِ، جازَ ذلك على الآمِرِ، قالَ: وإنَّما يُنظَرُ في هذا إلى ناحيةِ الآمِرِ، فإنِ اشترَى له ثَوبًا ممَّا يَعلَمُ أنَّ ذلك ممَّا يَجوزُ على الآمِرِ لَزِمَ ذلك الآمِرَ، وإنِ اشترَى له جاريةً يَعلَمُ أنَّ مثلَها مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، أو ممَّا يَصلُحُ أنْ يَكونَ مِنْ جَواري الآمِرِ، جازَ ذلك على الآمِرِ، وإنِ اشترَى له ما ليسَ يُشبِهُ أنْ يَكونَ مِنْ ثيابِ الآمِرِ،
ولا مِنْ خَدَمِ الآمِرِ، لَم يَجُزْ ذلك على الآمِرِ، إلَّا أنْ يَشاءَ، ويَلزَمُ ذلك المَأمورَ، وهذا قَولُ مالِكٍ فيما بلَغني.
قالَ: ولَقَد قُلتُ لِمالِكٍ: الرَّجلُ يُبَضِّعُ مَع الرَّجلِ في الخادِمِ يَشتَريها له بأربَعينَ دِينارًا، فيَشتَريها بثَلاثينَ دِينارًا أو بأكثَرَ مِنْ ذلك، ويَصِفُ له صِفةَ الخادِمِ، قالَ: أمَّا إنِ اشتَراها بأدْنَى، وكانَتْ على الصِّفةِ، لَزِمَه ذلك، وإنِ اشتَراها بأكثَرَ ممَّا أمَرَه به، وكانَ ذلك زِيادةَ الدِّينارِ أو الدِّينارَيْنِ، أو ما يُشبِهُ أنْ يُزادَ على مِثلِ ذلك الثَّمَنُ لَزِمَ الآمِرَ أيضًا، وغَرِمَه، وكانَتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ، إذا كانَتْ على الصِّفةِ، وإن كانَت زِيادةً كَثيرةً لا يُشبِهُ أنْ تَكونَ تلك الزِّيادةُ على مِثلِ ذلك الثَّمَنِ كانَ الآمِرُ بالخِيارِ، إنْ أحَبَّ أنْ يُعطِيَه ما زادَ فَعلَ، وأخَذَ السِّلعةَ، وإنْ أبَى لَزِمَتِ المأْمورَ، وغُرِّمَ لِلآمِرِ ما أبضَعَ مَعه. قالَ فأرَى إنْ كانَتِ الزِّيادةُ كَثيرةً لا تُشبِهُ الثَّمَنَ، ففاتَتِ السِّلعةُ أو تَلفِتْ قبلَ أنْ يَرضاها الآمِرُ، أنَّ مُصيبَتَها مِنْ المَأمورِ، ويَرجِعُ عليه الآمِرُ بمالِه، وإنْ كانَتِ الزِّيادةُ تُشبِهُ الثَّمَنَ فمُصيبَتُها مِنْ الآمِرِ، والزِّيادةُ له لَازِمةٌ يَرجِعُ عليه بها المأْمورُ؛ لأنَّ السِّلعةَ سِلعَتُه، لا خِيارَ له فيها.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ دَفَعتُ إلى رَجُلٍ مالًا لِيُسلِّمَه لي في طَعامٍ، فأسلَمَ ذلك إلى نَفْسِه، أو إلى زَوجَتِه، أو إلى أبيه، أو إلى وَلَدِه، أو إلى وَلَدِ وَلَدِه، أو إلى أُمِّه، أو إلى جَدِّه، أو إلى جَدَّتِه، أو إلى مُكاتَبِه، أو إلى مُدَبِّرِه، أو إلى مُدَبِّرَتِه، أو إلى أُمِّ وَلَدِه، أو إلى عَبدِه المَأْذونِ له في التِّجارةِ، أو إلى عَبيدِ وَلَدِه الصِّغارِ الذين هُمْ في حِجرِه، أو إلى عَبيدِ زَوجَتِه، أو إلى عَبيدِ أحَدٍ مِنْ
هَؤُلاءِ الذين سَألتُكَ عَنهم؟ قالَ: لَم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، وأرَى ذلك جائِزًا كلُّه، ما خَلَا نَفْسَه، أو ابنَه الصَّغيرَ، أو أحَدًا ممَّن يَليه في حِجرِه مِنْ يَتيمٍ أو سَفِيهٍ أو ما أشبَهَ هَؤُلاءِ، ما سِوَى هَؤُلاءِ ممَّن سَألتَ عنه فأرَى السَّلَمَ جائِزًا إذا لَم تُعرَفْ في ذلك مُحاباةٌ مِنه، وعُرِفَ وَجهُ الشِّراءِ بالصِّحَّةِ مِنه.
قُلتُ: فَإنْ أسلَمَ ذلك إلى شَريكٍ له مُفاوِضٍ؟ قالَ: أرَى أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه إذا أسلَمَ إلى شَريكِه المُفاوِضِ فإنَّما أسلَمَ إلى نَفْسِه.
قُلتُ: فَإنْ أسلَمَ ذلك إلى شَريكٍ له شَرِكةُ عَنانٍ، ليسَتْ شَرِكةَ مُفاوَضةٍ؟ قالَ: لا بَأْسَ بذلك.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ وَكَّلتُ وَكيلًا يُسلِّمُ لي في طَعامٍ فأسلَمَ ذلك إلى نَصرانيٍّ أو يَهوديٍّ؟ قالَ: لا بَأْسَ بذلك (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه، كالسَّلَمِ والصَّرفِ والتَّوليةِ وغيرِها (٢).
وصُورةُ التَّوكيلِ في السَّلَمِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا أنْ يَدفعَ إلى فُلانٍ بعَينِه أو أنْ يَدفعَ مِنْ مالِه إلى مَنْ أرادَ مَبلَغَ كذا وكذا سَلَمًا شَرعيًّا فيما يَراه الوَكيلُ المَذكورُ مِنْ المَكِيلاتِ والمَوزوناتِ والمَعدوداتِ والمَذْروعاتِ الجائِزِ عليها عَقدُ السَّلَمِ شَرعًا في دُفعةٍ واحِدةٍ، أو دُفعاتٍ، حَسْبَما يَراه الوَكيلُ المَذكورُ حالًّا ومُقَسَّطًا ومُؤجَّلًا، وَدفَع رَأْسَ مالِ السَّلَمِ في مَجلِسِ العَقدِ
(١) «المدونة الكبرى» (٩/ ٤٩، ٥٠).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، وباقي المصادر السابقة.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة
الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.
الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة
الْبَابُ الثَّانِي
فِي الْأَحْكَامِ
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.
فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.