الوكالة في الصرف

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في الصرف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

الوكالة في الصرف - الأقوال والأدلة

الوَكالةُ في الصَّرْفِ:

أجمَع أهلُ العِلمِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الصَّرفِ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَع كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الوَكالةَ في الصَّرفِ جائِزةٌ.

فَلَو وكَّل رَجُلٌ رَجُلًا يَصرِفُ له دَراهِمَ، ووكَّل آخَرُ رَجُلًا آخَرَ يَصرِفُ له دَنانيرَ، فالتَقَيَا وتَصارَفَا صَرفًا ناجِزًا: أنَّ ذلك جائِزٌ، وإنْ لَم يَحضُرِ المُوكِّلانِ، أو أحَدُهما.

وإذا وكَّل الرَّجلُ الرَّجلَيْنِ بدَراهِمَ يَصرِفانِها، فليسَ لِأحَدِهِما أنْ يَصرِفَ ذلك دونَ صاحِبِه، فإنْ صَرَفاها جَميعًا فهو جائِزٌ، فإنْ قامَ أحَدُهما مِنْ المَجلِسِ الذي تَصارَفَا فيه، ومَضَى قبلَ أنْ يَتصارَفَا؛ فإنَّ الصَّرفَ يَنتقِضُ؛ لأنَّ النَّبيَّ قالَ: «الفِضَّةُ بالذَّهَبِ رِبًا، إلَّا هاءَ وهاءَ».

وقالَ أصحابُ الرَّأْيِ: إنْ قامَ أحَدٌ قبلَ أنْ يَقبِضًا فقَدِ انتَقَضَتْ حِصَّةُ الذي ذهَب، وهي النِّصفُ، وحِصَّةُ الباقي جائِزةٌ.

قالَ أبو بَكرٍ: لَم يَجعَلِ المُوكِّلُ إلى أحَدٍ شَيئًا دونَ الآخَرِ، ولا يَجوزُ أمْرُ أحَدِهِما دونَ الآخَرِ، ولِهذا أصْلٌ مِنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، قالَ اللَّهُ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، ولا يَجوزُ لِأحَدِ الحَكَمَيْنِ أمْرٌ إلَّا مَع صاحِبِه.

قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «بُعِثتُ أنا ومُعاويةُ حَكَمَيْنِ، فقيلَ لَنا: إنْ رَأيتُما أنْ تُجَمِّعَا جَمَعْتُما، وإنْ رَأيتُما أنْ تُفَرِّقَا فَرَّقتُما».

قالَ أبو بَكرٍ: وإنَّ الوَكيلَيْنِ وَكَلَّا رَبَّ المالِ بقَبضِ الدَّنانيرِ، فقبَض ذلك رَبُّ المالِ المُوكِّلِ، انتَقَضَ الصَّرفُ؛ لأنَّ الذي يَلي قَبضَ الشَّيءِ الوَكيلانِ، دونَ رَبِّ المالِ؛ لأنَّهما وَليَا عَقدَ الصَّرفِ. وهذا على مَذهبِ الشَّافِعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وبِه نَقولُ (١).

واستَدَلَّ أهلُ العِلمِ على ذلك بما رَواه البُخاريُّ، وعَنْوَنَ له ب: «بابُ الوَكالةِ في الصَّرفِ والمِيزانِ وقَد وكَّل عُمَرُ وابنُ عُمرَ في الصَّرفِ».

حدَّثنا عَبدُ اللَّهِ بنُ يُوسفَ: أخبَرَنا مالِكٌ عن عَبدِ المَجيدِ بنِ سُهَيلِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ وأبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَهُم بتَمْرٍ جَنيبٍ فقالَ: «أكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكذا؟ فقالَ: إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثةِ. فقالَ: لا تَفعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ، ثم ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنِيبًا، وقالَ في المِيزانِ مثلَ ذلك» (٢).

قالَ بَدْرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لِهذا الحَديثِ: أي: هذا بابٌ في بَيانِ حُكمِ الوَكالةِ في الصَّرفِ، يَعني في بَيعِ النَّقدِ بالنَّقدِ. قولُه: «والمِيزانِ» أي: الوَكالةِ في المِيزانِ، أي: في المَوزونِ.

وَقَدْ وكَّل عُمَرُ وابنُ عُمرَ في الصَّرفِ، هذانَ تَعليقانِ. أمَّا تَعليقُ عُمرَ فوَصَلَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ مِنْ طَريقِ موسَى بنِ أنَسٍ عن أبيه «أنَّ عُمرَ أعطاه

(١) «الإشراف» (٨/ ٣١٢، ٣١٣).
(٢) رواه البخاري (٢/ ٨٠٨) رقم (٢١٨٠).

آنيةً مُمَوَّهةً بالذَّهَبِ، فقالَ له: اذهَبْ فبِعْها. فباعَها مِنْ يَهوديٍّ بضِعفِ وَزْنِها، فقالَ له عُمَرُ: ارْدُدْه. فقالَ له اليَهوديُّ: أزيدُكَ. فقالَ له عُمَرُ: لا، إلَّا بوَزْنهِ».

وأمَّا تَعليقُ ابنِ عُمرَ فوَصَلَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ أيضًا مِنْ طَريقِ الحَسَنِ بنِ سَعدٍ، قالَ: «كانَتْ لي عندَ ابنِ عُمرَ دَراهِمُ، فأصَبتُ عندَه دَنانيرَ، فأرسَلَ مَعي رَسولًا إلى السُّوقِ، فقالَ: إذا قامَتْ على سِعرِها فاعرِضْها عليه؛ فَإنْ أخَذَها وإلَّا فاشتَرِ له حَقَّه، ثم: اقْضِه إيَّاهُ».

مُطابَقَتُهُ -أي: الحَديثِ- لِلتَّرجَمةِ مِنْ حيثُ إنَّه قالَ لِعامِلِ خَيبَرَ: «بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ، ثم ابتَعْ». أي: اشتَرِ بالدَّراهِمِ جَنيبًا، وهذا تَوكيلٌ في البَيعِ والشِّراءِ، وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ يَدًا بيَدٍ مِثلُ الصَّرفِ سَواءٌ، وهو شِبْهُهُ في المعنَى، ويَكونُ بَيعُ الدِّرهَمِ بالدِّرهَمِ، والدِّينارِ بالدِّينارِ كَذلك؛ إذْ لا قائِلَ بالفَصلِ (١).

وقالَ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: التَّرجَمةُ صَحيحةٌ، وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ يَدًا بيَدٍ مِثلُ الصَّرفِ سَواءٌ، وهو شَبيهُه في المعنَى، فلِذلك تَرجَمَ لِهذا الحَديثِ في بابِ الوَكالةِ في الصَّرفِ، وإنَّما صَحَّتِ الوَكالةُ في هذا الحَديثِ لِقَوله لِعامِلِ خَيبَرَ: «بِعِ الجَمْعَ بالدَّراهِمِ»، بعدَ أنْ كانَ باعَ على غيرِ السُّنَّةِ، فلَو لَم يَجُزْ بَيعُ الوَكيلِ والنَّاظِرِ في المالِ لَعرَّفه بذلك، ولَأعلَمَه أنَّ بَيعَه مَردودٌ، وإنْ وقَع على السُّنَّةِ، فلمَّا لَم يَنْهَ النَّبيُّ

(١) «عمدة القاري» (١٢/ ١٣٠، ١٣١).

إلَّا عن الرِّبا الذي واقَعَه في بَيعِه الصَّاعَ بالصَّاعَيْنِ، دَلَّ ذلك على أنَّه إذا باعَ على السُّنَّةِ فبَيعُه جائِزٌ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: شَرطُ مَحَلِّ التَّوكيلِ أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ مثلَ البَيعِ … والمُصارَفةِ (٢).

وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا تَصارَفَ الوَكيلانِ لَم يَنبَغِ لهما أنْ يَفتَرِقا حتى يَتقابَضا، كما لو باشَرا العَقدَ لِنَفْسَيْهِما؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالعاقِدِ، ولا يَختلِفُ في ذلك مُباشَرَتُه لِغيرِه، ومُباشَرَتُه لِنَفْسِه، ألَا تَرَى أنَّه يَستَغنِي عن إضافةِ العَقدِ إلى غيرِه، ولا يَضُرُّهُما غَيبةُ المُوكِّلينَ؛ لأنَّهما مِنْ حُقوقِ العَقدِ كَسائِرِ الأجانِبِ، فإنْ فارَقَ الوَكيلُ صاحِبَه قبلَ القَبضِ بطَل العَقدُ؛ لِوُجودِ الِافتِراقِ مِنْ غيرِ قَبضٍ.

ولا تُعتبَرُ مُفارَقةُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه ليسَ بعاقِدٍ، والمُستحَقِّ بالعَقدِ قَبْضُ العاقِدِ، وهو الوَكيلُ، فيَصحُّ قَبضُه، وإنْ كانَ لا يَتعلَّقُ به الحُقوقُ، كالصَّبِيِّ والعَبدِ المَحجورِ عليه، بخِلافِ الرَّسولِ؛ لأنَّ الرِّسالةَ في العَقدِ، لا في القَبضِ، ويَنتقِلُ كَلامُه إلى المُرسِلِ، فصارَ قَبضُ الرَّسولِ قَبضَ غيرِ العاقِدِ، فلَمْ يَصحَّ، قالَ الحَدَّاديُّ: قالَ في «شَرحِهِ»: لا يَصحُّ التَصرُّفُ بالرِّسالةِ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالرَّسولِ، وإنَّما تَتعلَّقُ بالمُرسِلِ، وهُما مُفتَرِقانِ في حالةِ العَقدِ؛ فلِهذا لَم يَجُزْ، قالَ في المُستَصفَى: قَولُه: ولا يُعتبَرُ مُفارَقةُ

(١) «شرح ابن بطال» (٦/ ٤٣٦، ٤٣٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٦).

المُوكِّلِ، إنَّما لا يُعتبَرُ إذا جاءَ بعدَ البَيعِ قبلَ القَبضِ، أمَّا إذا جاءَ في مَجلِسِ عَقدِ الوَكيلِ؛ فإنَّه يَنتقِلُ العَقدُ إلى المُوكِّلِ، ويُعتبَرُ مُفارَقةُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه إذا كانَ حاضِرًا في المَجلِسِ يَصيرُ كَأنَّه صارِفٌ بنَفْسِه، فلا يُعتبَرُ مُفارَقةُ الوَكيلِ بعدَ ذلك (١).

وَقالوا: وإنْ وكَّل رَجُلٌ رَجُلَيْنِ بالصَّرفِ لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ بهِ؛ لأنَّه فوَّض إليهما ما يَحتاجُ فيه إلى الرَّأْيِ، ورَأْيُ الواحِدِ لا يَكونُ كَرَأْيِ المَثْنَى؛ فَإنْ عقَدا جَميعًا ثم ذهَب أحَدَهُما قبلَ القَبضِ بطَلتْ حِصَّتُه وحِصَّةُ الباقي جائِزةٌ، كما لو باشَرَا العَقدَ لِنَفْسَيْهِما، وإنْ وكَّلا جَميعًا رَبَّ المالِ بالقَبضِ، أو الأداءِ، وذَهَبا بطَل الصَّرفُ؛ لِوُجودِ الِافتِراقِ مِنْ العاقِدَيْنِ قبلَ التَّقابُضِ، ورَبُّ المالِ في حُقوقِ العَقدِ كَأجنَبيٍّ آخَرَ.

وإنْ وكَّله في أنْ يَصرِفَ له دَراهِمَ بدَنانيرَ فصَرَفَها وتَقابَضَا، وأقَرَّ الذي قبَض الدَّراهِمَ بالِاستِيفاءِ، ثم وجَد فيها دِرهَمًا زائِفًا فقبلَه الوَكيلُ وأقَرَّ أنَّه مِنْ دَراهِمِه، وجَحَدَه المُوكِّلُ، فهو لَازِمٌ لِلمُوكِّلِ؛ لأنَّه لا قولَ لِلقابِضِ فيما يَدَّعِي مِنْ الزِّيافةِ بعدَما أقَرَّ باستِيفاءِ حَقِّه، وإنَّما يَرُدُّه على الوَكيلِ بإقرارِه، وإقرارُه لا يَكونُ حُجَّةً على المُوكِّلِ، فلِهذا كانَ لَازِمًا لِلوَكيلِ.

وإذا وكَّله بأنْ يَصرِفَ له هذه الدَّراهِمَ بدَنانيرَ، فصَرَفَها، فليسَ لِلوَكيلِ أنْ يَتصرَّفَ في الدَّنانيرِ؛ لأنَّ الوَكالةَ قَدِ انتَهَتْ، فالدَّنانيرُ المَقبوضةُ أمانةٌ في يَدِه لِلمُوكِّلِ، فلا يَتصرَّفُ فيها بغيرِ أمْرٍ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «اللباب» (١/ ٥٥٨).

وإنْ وكَّله أنْ يَشتَريَ له إبريقَ فِضَّةٍ بعَينِه مِنْ رَجُلٍ، فاشتَراه بدَراهِمَ أو دَنانيرَ، جازَ على الآمِرِ، وجازَ إنْ نَواه لِنَفْسِهِ؛ لأنَّ مُطلَقَ التَّوكيلِ بالشِّراءِ يَنصَرِفُ إلى الشِّراءِ بالنَّقدِ، فهو بنِيَّتِه قصَد عَزلَ نَفْسِه في مُوافَقةِ أمْرِ الآمِرِ، وليسَ له أنْ يُخرِجَ نَفْسَه مِنْ الوَكالةِ إلَّا بمَحضَرٍ مِنْ الآمِرِ، وإنِ اشتَراه بشَيءٍ ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ بعَيْنِه أو بغيرِ عَيْنِه لَم يَجُزْ على الآمِرِ؛ لأنَّ مُطلَقَ التَّوكيلِ بالشِّراءِ يَتقيَّدُ بالشِّراءِ بالنَّقدِ؛ فإذا اشتَراه بشَيءٍ آخَرَ كانَ مُخالِفًا، وكانَ مُشتَرِيًا لِنَفْسِه؛ فَإنْ وكَّله بفِضَّةٍ له بَيعُها ولَم يُسَمِّ له الثَّمَنَ، فباعَها بفِضَّةٍ أكثَرَ مِنها، لَم يَجُزْ كما لو باعَها المُوكِّلُ بنَفْسِه، ولا يَضمَنُ الوَكيلُ؛ لأنَّه لَم يُخالِفْ، والوَكيلُ إنَّما يَضمَنُ بالخِلافِ، لا بفَسادِ العَقدِ، والمُوكِّلُ أحَقُّ بهذه الفِضَّةِ مِنْ الوَكيلِ، يَقبِضُ مِنها وَزنَ فِضَّتِه؛ لأنَّ فِضَّتَه صارَتْ دَيْنًا على القابِضِ، وقَد ظَفِرَ بجِنسِ حَقِّه مِنْ مالِ المَدِينِ، فكانَ له أنْ يَأخُذَ مِنْ ذلك مِقدارَ حَقِّه، والباقي في يَدِ الوَكيلِ حتى يَرُدَّه إلى صاحِبِه (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: فقالَ ابنُ شاسٍ رحمة الله عليه: الوَكالةُ على الصَّرفِ جائِزةٌ إنْ تَوَلَّى الوَكيلُ العَقدَ والقَبضَ، وأمَّا إنْ تَولَّى أحَدُهما خاصَّةً، فأمَّا القَبضُ فَإنْ غابَ المُوكِّلُ حينَ القَبضِ فَسَدَ الصَّرفُ، وإنْ كانَ بحَضرةِ المُوكِّلِ صَحَّ. وقَد رُوِيَ المَنعُ مُطلَقًا. وحمَله القاضي أبو الوَليدِ على إطلاقِه، وجعَل المَذهبَ على قولَيْنِ في اشتِراطِ قَبضِ المُوكِّلِ بنَفْسِه في صِحَّةِ الصَّرفِ.

وأمَّا العَقدُ فحُكمُ الوَكيلِ فيه حُكمُ المُوكِّلِ في المَسألةِ الأُولى (٢).

(١) «المبسوط» (١٤/ ٦٠، ٦١)، و «المحيط البرهاني» (٧/ ٤٠٦، ٤٠٧).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٦٣٢).

وقالَ في «تَحريرِ المَقالةِ في شَرحِ الرِّسالةِ»: الوَكالةُ على الصَّرفِ جائِزةٌ، إذا وَكَّلتَ ثِقةً عالِمًا بما يَحِلُّ ويَحرُمُ في ذلك، فلَو عَقَلَ ذلك وأتَيتَه قبلَ القَبضِ؛ فإنَّه يَقبِضُ ويَدفَعُ لكَ حتى يَكونَ هو العاقِدَ القابِضَ؛ فَإنْ أذِنَ لكَ في القَبضِ بحَضرَتِه لَم يَفسُدِ الصَّرفُ، قالَه اللَّخميُّ وابنُ رُشدٍ. قالَ ابنُ بَشيرٍ: ويُكرَهُ.

وَنقَل المازوريُّ عن ابنِ القاسِمِ: لا خَيرَ فيه. وعَن أشهَبَ: لا يُفسَخُ.

وأمَّا إنْ غابَ قبلَ قَبضِكَ وقَبَضتَ ناجِزًا بعدَه، فقالَ المازوريُّ: لا خِلافَ مَنصوصًا في فَسخِه. وحمَل بعضُ أشياخِ المَذهبِ على الكَراهةِ؛ لِحُصولِ المُناجَزةِ.

قالَ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: هو اللَّخميُّ، واستَدَلَّ بأنَّ الوَكالةَ على الدَّفعِ والقَبضِ مَع حُضورِه لا تُفسِدُه، فكذا بعدَ الِافتِراقِ؛ لأنَّ قوله: «هاءَ وهاءَ» إنْ حُمِلَ على المُناجَزةِ فقَد حصَلتْ، وإنْ حُمِلَ على كَونِ العاقِدِ الدَّافِعَ، لَزِمَ فَسادُه مَع حُصولِه.

وقالَ في «المُوازيةِ»: لو صَرَفَ رَجُلانِ دَراهِمَ بدَنانيرَ بينَهما، فوكَّل أحَدُهما الآخَرَ على قَبضِه حينَئذٍ فلا بَأْسَ، والحُلِيُّ كَذلك.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: إنْ وكَّل أحَدُهما صاحِبَه على قَبضِ ما عَقَداه، وذهَب قبلَ قَبضِه، فسمِع عيسَى بنُ القاسِمِ جَوازَه.

وفيها: لا يَجوزُ في الأجنَبيِّ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
بيان معنى التوكيل

حَيَاتِهِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ: لَا يَقْضِي بِهِ.

(وَمِنْهَا) : أَدَاءُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الْمَالَ إلَى الْمُحَالِ، فَإِذَا أَدَّى الْمَالَ خَرَجَ عَنْ الْحَوَالَةِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ حُكْمِهَا.

(وَمِنْهَا) : أَنْ يَهَبَ الْمُحَالُ الْمَالَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَقْبَلَهُ.

(وَمِنْهَا) : أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَيَقْبَلَهُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ فِي مَعْنَى الْإِبْرَاءِ.

(وَمِنْهَا) : أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ؛ فَيَرِثُهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ.

(وَمِنْهَا) : أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ الْمَالِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الرُّجُوعِ فِي الْحَوَّالَةِ

وَأَمَّا بَيَانُ الرُّجُوعِ، فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي الرُّجُوعِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّجُوعِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَرْجِعُ بِهِ أَمَّا شَرَائِطُهُ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) : أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ، فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لَا يَرْجِعُ، بِأَنْ قَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ: إنَّ لَك عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا مِنْ الدَّيْنِ، فَاحْتَلْ بِهَا عَلَيَّ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ الطَّالِبُ؛ جَازَتْ الْحَوَالَةُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إذَا كَانَتْ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ صَارَ الْمُحَالُ مُمَلَّكًا الدَّيْنَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ؛ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يُوجَدُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ فَلَا تَثْبُتُ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.

وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة

الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.

الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.

الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة

الْبَابُ الثَّانِي

فِي الْأَحْكَامِ

وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.

فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 249 - 255

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله