الوكالة في النكاح

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في النكاح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

الوكالة في النكاح - الأقوال والأدلة

وقالَ العِمرانيُّ الشَّافِعيُّ رحمة الله عليه: وإنْ وكَّله في تَفرِقةِ ثُلُثِه على الفُقَراءِ والمَساكينِ لَم يَكُنْ له أنْ يَصرِفَ على نَفْسِه مِنْ ذلك شَيئًا، وإنْ كانَ فَقيرًا؛ لأنَّه مُخاطَبٌ في أنْ يُخاطِبَ غيرَه، فلا يَدخُلُ في خِطابِ غيرِه، كما قُلْنا فيه إذا وكَّله في البَيعِ وأطلَقَ، فليسَ له أنْ يَبيعَ مِنْ نَفْسِه (١).

الوَكالةُ في النِّكاحِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ على أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في عَقدِ النِّكاحِ، لِمَا رَوى الحاكِمُ في المُستَدرَكِ عن جَعفَرِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَلِيٍّ عن أبيه قالَ: بَعَثَ رَسولُ اللَّهِ عَمْرَو بنَ أُميَّةَ الضَّمِريَّ إلى النَّجاشيِّ يَخطُبُ عليه أُمَّ حَبيبةَ بِنتَ أبي سُفيانَ، وكانَتْ تَحتَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ جَحشٍ، فزوَّجها إيَّاه وأَصدَقَها النَّجاشيُّ مِنْ عِندِه عن رَسولِ اللَّهِ أربَعَمِئةِ دِينارٍ» (٢).

وَلمَا رَواه مالِكٌ عن رَبيعةَ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ بَعَثَ أبا رافِعٍ، ورَجُلًا مِنْ الأنصارِ،، فزَوَّجاه مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ، ورَسولُ اللَّهِ بالمَدينةِ قبلَ أنْ يَخرُجَ» (٣)، هذا، وإنْ كانَ ظاهِرُه الإرسالَ، إلَّا أنَّ الإمامَ أحمدَ وغيرَه رَوَوْه مُتَّصِلًا

(١) «البيان» (٦/ ٤٢٠).
(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» (٦٧٧١)، وفيه مُحمَّد بن عُمر الواقِدي وهو مَتروك وله شاهِد مرسَل حسَن وَراه ابن إسْحاقَ في «سيرَته» (٣٧٣)، والبَيْهَقي في «الكبرى» (١٣٥٧٤) عن مُحمَّد بن إسْحاقَ قال حدَّثَني أبو جَعفرٍ قال: «بعثَ رسولُ اللهِ … » ثم ساقَ الحديثَ.
(٣) «الموطأ» (٧٧١).

عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ عن أبي رافِعٍ مَولَى رَسولِ اللَّهِ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ تَزوَّج مَيمونةَ حَلالًا، وبَنَى بها حَلالًا، وكُنتُ الرَّسولَ بينَهما» (١).

قالَ أبو عُمرَ رحمة الله عليه: في رِوايةِ مالِكٍ لِهذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ الوَكالةِ في النِّكاحِ، وهو أمْرٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).

وقالَ ابنُ هُبَيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كلَّ ما جازَتْ به النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةُ فيه، كالبَيعِ … والتَّزويجِ والطَّلاقِ، وغيرِ ذلك (٣).

ولأنَّ الحاجةَ تَدْعو إليه؛ فإنَّه رُبَّما احتاجَ إلى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُه السَّفَرُ إليه؛ فإنَّ النَّبيَّ تَزوَّج مَيمونةَ وهي يَومَئِذٍ بأرضِ الحَبَشةِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقدٌ يُقصَدُ فيه المُعاوَضةُ صَحَّتْ فيه الوَكالةُ، كالبُيوعِ (٤).

(١) رواه أحمد في «مسنده» (٢٧٢٤١)، والدارمي (١٨٢٥)، والترمذي (٨٤١)، وابن حبان في «صحيحه» (٤١٣٠، ٤١٣٥).
(٢) «التمهيد» (٣/ ١٥٢).
(٣) «الإفصاح» (١/ ٤٥٢).
(٤) «المبسوط» (١٩/ ١١٧)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٧٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢، ٥٣)، و «المعونة» (٢/ ٢٠٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٦٩)، و «تحبير المختصر» (٤٢٧٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٦٣)، والأم (٥/ ١٦)، و «المهذب» (١/ ٣٤٨)، و «المغني» (٥/ ٥٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٠)، و «الإنصاف» (٨/ ٨٢)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٥/ ٢٠٧).

وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: النِّكاحُ كما يَنعَقِدُ بهذه الألفاظِ بطَريقِ الأصالةِ يَنعَقِدُ بها بطَريقِ النِّيابةِ بالوَكالةِ والرِّسالةِ؛ لأنَّ تَصرُّفَ الوَكيلِ كَتَصرُّفِ المُوكِّلِ، ولأنَّ كَلامَ الرَّسولِ كَلامُ المُرسِلِ، ولأنَّ الأصلَ في جَوازِ الوَكالةِ في بابِ النِّكاحِ ما رُوِيَ أنَّ النَّجاشيَّ زوَّج رَسولَ اللَّهِ أُمَّ حَبيبةَ رضي الله عنها، فلا يَخْلُو ذلك إمَّا أنَّه فَعلَه بأمْرِ النَّبيِّ ، وإمَّا ليس بأمْرِه؛ فَإنْ فَعلَه بأمْرِه فهو وَكيلُه، وإنْ فَعلَه بغيرِ أمْرِه فقَد أجازَ النَّبيُّ عَقدَه، والإجازةُ اللَّاحِقةُ كالوَكالةِ السَّابِقةِ (١).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يَجوزُ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ النِّكاحِ (٢).

وَصُورةُ تَوكيلِ رَجُلٍ في قَبولِ نِكاحِ امرَأةٍ مِنْ وَليِّها الشَّرعيِّ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا في قَبولِ عَقدِ فُلانةَ البِكرِ البالِغةِ، أو المَرأةِ أو البِكرِ المُعضَلةِ مِنْ وَليِّها فُلانٍ والِدِها، أو جَدِّها أبي أبيها، أو غيرِهِما على تَرتيبِ الأولياءِ في النِّكاحِ على صَداقٍ مَبلَغُه كذا، حالًّا أو مُنَجَّمًا، تَوكيلًا صَحيحًا شَرعيًّا قُبِلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا، ويُؤرَّخُ (٣).

وقالَ الحَنابِلةُ: وله أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَقبَلُ له النِّكاحَ، لكنْ يُشترَطُ لصحَّةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٣١).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، و «البيان» (٦/ ٣٩٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢).
(٣) «جواهر العقود» (١/ ١٦٤).

عَقدِه، أي: الوَكيلِ، تَسميةُ المُوكِّلِ في صُلبِ العَقدِ، فيَقولُ الوَليُّ: زَوَّجتُ مُوكِّلكَ فُلانًا، أو زَوَّجتُ فُلانًا، ويَنسُبُه، فُلانةَ، ويَقولُ الوَكيلُ: قَبِلتُ هذا النِّكاحَ لِفُلانِ بنِ فُلانٍ، أو: لِمُوكِّلِي فُلانٍ؛ فَإنْ قالَ الوَكيلُ: قَبِلتُ هذا النِّكاحَ، ونَوَى أنَّه قبلَه لِمُوكِّلِه، ولَم يَذْكُرْه في العَقدِ، لَم يَصحَّ النِّكاحُ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فإذا تَقرَّر جَوازُ الوَكالةِ في النِّكاحِ جازَ أنْ يُوكِّلَ الوَليَّ والزَّوجَ، ولَم يَجُزْ أنْ يُوكِّلَ الزَّوجةَ؛ لأنَّه لا حَقَّ لِلزَّوجةِ في مُباشَرةِ العَقدِ؛ فلَمْ يَصحَّ مِنها التَّوكيلُ فيه، وإذا كانَ كَذلك فحُكمُ الوَكالةِ فيه يَتعلَّقُ بفَصلَيْنِ:

أحَدُهما: في تَوكيلِ الوَليِّ. والآخَرُ: في تَوكيلِ الزَّوجِ.

فأمَّا تَوكيلُ الوَليِّ فلا يَجوزُ أنْ يُوكَّل فيه إلَّا مَنْ يَصحُّ أنْ يَكونَ وَليًّا فيه، وهو أنْ يَكونَ ذَكَرًا بالِغًا حُرًّا مُسلِمًا رَشيًدا؛ فإذا اجتَمَعتْ هذه الأوصافُ السِّتَّةُ صَحَّ تَوكيلُه، كما تَصحُّ وِلايَتُه، وإنْ أخَلَّ بأحَدِ هذه الأوصافِ فوكَّل امرَأةً، أو صَغيرًا، أو مَجنونًا، أو عَبدًا، أو كافِرًا، أو سَفيهًا، لَم يَجُزْ، وكانَتِ الوَكالةُ باطِلةً؛ فَإنْ عقَد بها كانَ العَقدُ فاسِدًا؛ فإذا تَكامَلَتْ في الوَكيلِ هذه الشُّروطُ السِّتَّةُ لَم يَحِلَّ مَحَلَّ الوَليِّ المُوكَّلِ له مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ:

إمَّا أنْ يَكونَ ممَّن يُجبَرُ على النِّكاحِ، كالأبِ والجَدِّ، مَع البِكرِ، أو ممَّن لا يُجبَرُ عليه، كَسائِرِ الأولياءِ، مَع الثَّيِّبِ، أو كَغيرِ الأبِ والجَدِّ مَع البِكرِ والثَّيِّبِ.

(١) «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٢).

فَإنْ كانَ الوَليُّ ممَّن يُجبَرُ على النِّكاحِ، كالأبِ والجَدِّ مَع البِكرِ؛ فإنَّ له أنْ يُوكِّلَ بإذْنِها وبغيرِ إذْنِها، كما يَجوزُ له تَزويجُها بإذْنِها وبغيرِ إذْنِها، لكنْ هَلْ يَلزَمُه أنْ يُعيِّنَ لِوَكيلِه على الزَّوجِ، أو يَرُدَّه إلى اختِيارِه؟ فيه قَولانِ: أحَدُهما: يَجوزُ أنْ يَرُدَّه إلى اختيارِهِ؛ لأنَّه قَدْ أقامَه بالتَّوكيلِ مَقامَ نَفْسِه، فلَمْ يَلزَمْه التَّعيينُ، كالتَّوكيلِ في الأموالِ، فعلى هذا يَلزَمُه أنْ يَختارَ لها كُفُؤًا، والأوْلَى به إذا أرادَ تَزويجَها بمَن قَدِ اختارَه لها أنْ يَستأذِنَها فيه، وإذْنُها مَعه الصَّمتُ، كَإذْنِها مَع الأبِ؛ فَإنْ زوَّجها به مِنْ غيرِ استِئذانِه صَحَّ النِّكاحُ، كالأبِ إذا زوَّج بغيرِ إذْنٍ، فلَو أنَّ الوَليَّ على هذا القَولِ عيَّن لِوَكيلِه على الزَّوجِ سقَط اختِيارُ الوَكيلِ، ولَم يَكُنْ له تَزويجُها بغيرِ مَنْ عيَّن له عليه، كالوَكيلِ في الشِّراءِ إذا عُيِّنَ على ما يَشتَريه.

والقَولُ الآخَرُ: أنَّ على الوَليِّ أنْ يُعيِّنَ لِوَكيلِه في عَقدِ الوَكالةِ على الزَّوجِ الذي زوَّجها به، ولا يَرُدَّ ذلك إلى خِيارِهِ؛ لأنَّ معنَى الوَليِّ في لُحوقِ عارِها مَعقودٌ في وَكيلِه، فلَمْ يَقُمِ اختِيارُ الوَكيلِ مَقامَ اختِيارِه، وفارَقَ التَّوكيلَ في الأموالِ التي لا يُراعَى في اختِيارِها لُحُوقُ العارِ. فعلى هذا متى زوَّجها الوَكيلُ بكُفءٍ وغيرِ كُفءٍ كانَ النِّكاحُ باطِلًا؛ لِفَسادِ الوَكالةِ، فلَو عُيِّنَ له أنْ يُزوِّجَها بأحَدِ رَجُلَيْنِ نُظر، فإنْ كانَ الوَليُّ قَدِ اختارَهُما ورَدَّ العَقدَ على أحَدِهِما إلى خِيارِ وَكِيلِه جازَ، وإنْ لَم يَكُنْ مِنْ الوَليِّ اختيارٌ، بَلْ رَدَّ ذلك إلى اختِيارِ وَكِيلِه وخِيارِه، ثم الِاعتِبارُ بألَّا يَكونَ لِلوَليِّ خِيارٌ.

وإذا كانَ الوَليُّ ممَّن لا يُجبَرُ على النِّكاحِ فهَل يَلزَمُ استِئذانُها في عَقدِ

النِّكاحِ أو لا؟ اختَلفَ أصحابُنا فيه على وَجهَيْنِ، ومِنهم مَنْ خرَجه على قولَيْنِ: أحَدُهما: وهو اختيارُ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُه إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّه نائِبٌ عَنها، وأشبَه الوَكيلَ الذي لا يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ فيما هو وُكِّلَ فيه إلَّا عن إذْنِ مُوكِّلِه، فعلى هذا إنْ لَم يَستأذِنْها الوَليُّ في تَوكيلِه فزوَّجها الوَكيلُ بإذْنِها أو بغيرِ إذْنِها كانَ النِّكاحُ باطِلًا؛ لِفَسادِ الوَكالةِ، ولو استأذَنَها الوَليُّ فيه بعدَ عَقدِ الوَكالةِ لَم تَصِحَّ الوَكالةُ حتى يَستأذِنَها الوَليُّ بعدَ إذْنِها في تَوكيلِه؛ فإذا وكَّله بعدَ إذْنِها وكانَ وَكيلًا لهما جَميعًا فإنْ رجَعتْ في تَوكيلِه بطَلتِ الوَكالةُ، ولَم يَكُنْ له أنْ يُزوِّجَ. والوَجه الآخَرُ، وهو اختيارُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ: الوَكالةُ جائِزةٌ، وإنْ لَم يَستأذِنْها الوَليُّ في عَقدِها؛ لأنَّه مُوَكَّلٌ في حَقِّ نَفْسِه الذي ثَبَتَ به بالشَّرعِ، لا بالِاستِنابةِ، فأشبَهَ الأبَ، وخالَفَ الوَكيلَ المُستَنابَ، فعلى هذا تَصحُّ الوَكالةُ، وإنْ لَم يَستأذِنِ المَرأةَ في عَقدِها، ويَكونُ هو وَكيلًا لِلوَليِّ وَحدَه، ولا يُؤثِّرُ فيه مَنْعُها، لكنْ ليسَ لِلوَكيلِ أنْ يُزوِّجَها إلَّا بإذْنِها، كما لَم يَكُنْ ذلك لِوَليِّها المُوكَّلِ؛ فَإنْ زوَّجها بغيرِ إذْنِها كانَ النِّكاحُ باطِلًا، سَواءٌ زوَّجها بكُفءٍ أو بغيرِ كُفْءٍ، ولو زوَّجها الوَكيلُ بإذْنِها مِنْ غيرِ كُفْءٍ كانَ النِّكاحُ باطِلًا، سَواءٌ أجازَه الوَليُّ أو لَم يُجِزْه.

وأمَّا تَوكيلُ الزَّوجِ؛ فإنْ كانَ في تَزويجِ امرَأةٍ بعَيْنِها جازَ أنْ يُوكِّلَ كلَّ مَنْ صَحَّ مِنه قَبولُ النِّكاحِ في نَفْسِه، وهو مَنِ اجتَمَعتْ فيه ثَلاثةُ شُروطٍ. أنْ يَكونَ ذَكَرًا بالِغًا عاقِلًا، وسَواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا رَشيدًا أو سَفيهًا؛ لأنَّ العَبدَ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.

وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الأول في أركان الوكالة

كِتَابُ الْوَكَالَةِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ الوكالة

وفيها ثلاثة أبواب:

الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل.

والثاني: في أحكام الوكالة.

والثالث: في مخالفة الموكل للوكيل.

الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل، وفي الموكل الركن الأول: في الموكل. واتفقوا على وكالة الغائب والمريض والمرأة المالكين لأمور أنفسهم. واختلفوا في وكالة الحاضر الذكر الصحيح. فقال مالك: تجوز وكالة الحاضر الصحيح الذكر، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجوز وكالة الصحيح الحاضر ولا المرأة إلا أن تكون برزة. فمن رأى أن الأصل لا ينوب فعل الغير عن فعل الغير إلا ما دعت إليه الضرورة وانعقد الإجماع عليه قال: لا تجوز نيابة من اختلف في نيابته. ومن رأى أن الأصل هو الجواز قال: الوكالة في كل شيء جائزة إلا فيما أجمع على أنه لا تصح فيه من العبادات وما جرى مجراها.

الركن الثاني: في الوكيل. وشرط الوكيل أن لا يكون ممنوعا بالشرع من تصرفه في الشيء الذي وكل فيه، فلا يصح توكيل الصبي ولا المجنون ولا المرأة عند مالك والشافعي على عقد النكاح. أما عند الشافعي فلا بمباشرة ولا بواسطة: أي بأن توكل هي من يلي عقد النكاح ويجوز عن مالك بالواسطة الذكر.

الركن الثالث: فما فيه التوكيل. وشرط محل التوكيل أن يكون قابلا للنيابة مثل البيع والحوالة والضمان وسائر العقود والفسوخ والشركة والوكالة والمصارفة والمجاعلة والمساقاة والطلاق والنكاح والخلع والصلح ولا تجوز في العبادات البدنية وتجوز في المالية كالصدقة والزكاة والحج. وتجوز عند مالك في الخصومة على الإقرار والإنكار، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تجوز على الإقرار، وشبه ذلك بالشهادة والأيمان، وتجوز الوكالة على استيفاء العقوبات عند مالك، وعند الشافعي مع الحضور قولان. والذين قالوا: إن الوكالة تجوز على

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ركن التوكيل

لِأَنَّهُ أَدَّى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ.

فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَالْإِيجَابُ مِنْ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ بِكَذَا " أَوْ " افْعَلْ كَذَا " أَوْ " أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا " وَنَحْوُهُ.

وَالْقَبُولُ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ: " قَبِلْتُ " وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ الْوَكِيلُ فَقَبَضَهُ لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.

ثُمَّ رُكْنُ التَّوْكِيلِ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ " وَقَدْ يَكُونُ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ بِأَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ غَدًا " ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا فِي الْغَدِ فَمَا بَعْدَهُ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ الْغَدِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَإِذْنِ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدُّيُونِ، وَالتَّقْيِيدَاتُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالرَّجْعَةُ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.

فَصْلٌ فِي شَرَائِط الْوَكَالَة

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 308 - 313

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله