الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في الهبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 33 دقيقة قراءةبحَضرَتِكَ، فأنكَرَ المُوكِّلُ ذلك، فقَولُ المُوكِّلِ بيَمينهِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ ذلك (١).
وَعَدمُ تَضمينِ الوَكيلِ عندَ الحَنفيَّةِ مُقيَّدٌ بما إذا حلَف الوَكيلُ على الإشهادِ، فيَكونُ بَريئًا حينَئذٍ؛ لأنَّه أخبَرَ بأداءِ الأمانةِ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه (٢).
وعن الإمامِ أحمدَ رحمة الله عليه: لا يَضمَنُ الوَكيلُ، سَواءٌ أمكَنَه الإشهادُ أو لا.
وقيلَ: يَضمَنُ إنْ أمكَنَه الإشهادُ ولَم يَشهَدْ، وإلَّا فلا.
قالَ المِرداوِيُّ رحمة الله عليه: وقالَ في «الفُروعِ»: ويُتوَجَّه احتِمالٌ يَضمَنُه إنْ كذَّبه المُوكِّلُ، وإلَّا فلا (٣).
الوَكالةُ في الهِبةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صِحَّةِ التَّوكيلِ في الهِبةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجوزُ التَّوكيلُ في الهِبةِ … ولا نَعلَمُ فيه اختِلافًا (٤). لأنَّ الوَكيلَ هُنا سَفيرٌ مَحضٌ، والسَّفيرَ حاكٍ قولَ غيرِه، ومَن حَكَى قولَ غيرِه لا يَلزَمُه حُكمُ ذلك القَولِ، كَمَنْ حَكَى قَذْفَ غيرِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قاذِفًا، ومَن حَكَى كُفرَ غيرِه لا يَكونُ كافرًا (٥).
(١) «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٥، ٥٦٦).
(٢) «المبسوط» (١٩/ ٧١)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٦٢٧).
(٣) «الإنصاف» (٥/ ٣٩٦).
(٤) «المغني» (٥/ ٥٢).
(٥) «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧١)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٣)، و «الهداية» (٣/ ١٣٨)، و «العناية» (١١/ ٩٩، ١٠٠)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٥٥، ٢٥٧)، و «الاختيار» (٢/ ١٩١)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٥٣، ٥٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٦).
قالَ المالِكيَّةُ: تَصحُّ الوَكالةُ في هِبةٍ (١).
قالَ الشَّافِعيَّةُ: يَصحُّ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه كالسَّلَمِ … والهِبةِ، أي: يَصحُّ التَّوكيلُ فيما له طَرَفانِ فيهِما مَعها، أو في أحَدِهِما، وفيما له طَرَفٌ واحِدٌ في ذلك الطَّرَفِ (٢).
واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ في بابِ إذا وكَّل رَجُلٌ أنْ يُعطِيَ شَيئًا ولَم يُبيِّنْ كَمْ يُعطِي، فأعطَى على ما يَتعارَفُه النَّاسُ:
حدَّثنا المَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وغيرِه، يَزيدُ بعضُهم على بَعضٍ، ولَم يُبَلِّغْه كلُّهم، رَجُلٌ واحِدٌ مِنهم، عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنه قالَ: كُنْتُ مَع النَّبيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فكُنتُ على جَمَلٍ ثَفالٍ، إنَّما هو في آخِرِ القَومِ، فمَرَّ بيَ النَّبيُّ ﷺ فقالَ: «مَنْ هذا؟» قُلتُ: جابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ. قالَ: «ما لَكَ؟» قُلتُ: إنِّي على جَمَلٍ ثَفالٍ. قالَ: «أمَعكَ قَضيبٌ؟» قُلتُ: نَعم. قالَ: «أعطِنِيه»، فأعطَيتُه، فضَرَبَه فزَجَرَه، فكانَ مِنْ ذلك المَكانِ مِنْ أوَل القَومِ. قالَ: «بِعْنِيه»، فقُلتُ: بَلْ هو لكَ يا رَسولَ اللَّهِ. قالَ: «بِعْنِيه، قَدْ أخَذتُه بأربَعةِ دَنانيرَ، ولكَ ظَهرُه إلى
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٥٣، ٥٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٢)، و «حاشية عميرة» (٢/ ٨٤٧).
المَدينةِ»، فلمَّا دَنَوْنا مِنْ المَدينةِ أخَذْتُ أرتَحِلُ. قالَ: «أينَ تُريدُ؟» قُلتُ: تَزوَّجتُ امرَأةً قَدْ خَلا مِنها. قالَ: «فهَلَّا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟» قُلتُ: إنَّ أبي تُوفِّيَ وترَك بَناتٍ، فأرَدتُ أنْ أنكِحَ امرَأةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلا مِنها. قالَ: «فذلك». فلمَّا قَدِمْنا المَدينةَ قالَ: «يا بلالُ اقضِه وزِدْه»، فأعطاهُ أربَعةَ دَنانيرَ وزَادَه قِيراطًا، قالَ جابِرٌ: لا تُفارِقُني زِيادةُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، فلَم يَكُنِ القِيراطُ يُفارِقُ جِرابَ جابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ.
فَفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على جَوازِ التَّوكيلِ في الهِبةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وكَّل بِلالًا أنْ يَزِيدَه، وهذه هِبةٌ (١).
صُورةُ التَّوكيلِ في الهِبةِ: وكَّل فُلانٌ فُلانًا أنْ يَهَبَ فُلانًا ما هو جارٍ في مِلْكِ المُوكِّلِ المَذكورِ وحيازَتِه وتَحتَ يَدِه، وذلك جَميعُ كذا وكذا، وأنْ يُسلِّمَ إليه الهِبةَ المَذكورةَ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (٢).
قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلواهِبِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا بالتَّسليمِ؛ لأنَّه عَمَلٌ تُجزئُ فيه النِّيابةُ، وإذا وقَع فيه الغَلَطُ يُمكِنُ تَدارُكُه، فيَقومُ فِعلُ الوَكيلِ فيه مَقامَ فِعلِ المُوكِّلِ، وكَذلك يَجوزُ لِلمَوهوبِ له أنْ يُوكِّلَ بالقَبضِ، والصَّدَقةُ نَظيرُ الهِبةِ في ذلك؛ فإنَّ التَّسليمَ والقَبضَ في ذلك بمَنزِلةِ الإيجابِ والقَبولِ في البَيعِ والشِّراءِ، والتَّوكيلُ به يَصحُّ.
(١) «نيل الأوطار» (٦/ ٢١).
(٢) «جواهر العقود» (١/ ١٦٨).
وإذا وكَّل الواهِبُ بالتَّسليمِ والمَوهوبُ بالقَبضِ، وقامَا جَميعًا فامتَنَعَ وَكِيلُ الواهِبِ مِنْ التَّسليمِ فخاصَمَه وَكيلُ المَوهوبِ له، وأقامَ البيِّنةَ، أنَّ صاحِبَ العَينِ وكَّله بدَفْعِها إليه، قُبِلَتِ البيِّنةُ، وأُجبِرَ الوَكيلُ على دَفْعِهِ؛ لأنَّ الثَّابِتَ بالبيِّنةِ كالثَّابِتِ بإقرارِ الخَصْمِ، فمُرادُه مِنْ هذا الإخبارِ أنَّه لا يُمكِنُه أنْ يَمنَعَ العَينَ، لا أنْ يُجبِرَه على مُباشَرةِ فِعلٍ؛ فإنَّ وَكيلَ المَوهوبِ له أنْ يَقبِضَه بأمْرِ الواهِبِ إذا لَم يَمنَعْه أحَدٌ مِنْ ذلك، فهو بهذه البيِّنةِ يُثْبِتُ عليه أنَّه ليسَ له حَقُّ المَنعِ؛ فإذا ثَبَتَ ذلك قَبَضَه وَكيلُ المَوهوبِ له بنَفْسِه.
وإذا ادَّعى مُدَّعٍ في ذلك دَعوَى لَم يَكُنْ واحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الوَكيلَيْنِ خَصمًا في خُصومَتِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما أمِينٌ في هذه العَينِ، والأمينُ لا يَكونُ خَصمًا لِمُدَّعي الأمانةِ ما لَم يَحضُرْ صاحِبُها، وليسَ لِوَكيلِ الواهِبِ أنْ يَرجِعَ في الهِبةِ، سَواءٌ كانَ وَكيلًا بالتَّسليمِ أو بعَقدِ الهِبةِ؛ لأنَّه سَفيرٌ ومَعبِّرٌ؛ فإنَّه لا يُستَغنَى عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ، وتَكونُ هذه الهِبةُ تبَرُّعًا مِنْ جِهةِ المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فكما باشَرَ عَقدَ الهِبةِ وسُلِّمَتِ انتَهَتِ الوَكالةُ، والتَحَقَ بأجنَبيٍّ آخَرَ، فلا يَملِكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ ثُبوتَ حَقِّ الرُّجوعِ في الهِبةِ لِفَواتِ ما هو المَقصودُ، وهو العِوَضُ، وهذا هو المَقصودُ لِلمُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ.
ولو أرادَ الواهِبُ أنْ يَرجِعَ في الهِبةِ وهي في يَدِ وَكيلِ المَوهوبِ له، لَم يَكُنْ له أنْ يَرجِعَ، ولَم يَكُنِ الوَكيلُ خَصمًا له فيهِ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كَيَدِ المُوكِّلِ، ولأنَّ العِوَضَ مَقصودٌ مِنْ جانِبِ المُوكِّلِ دونَ الوَكيلِ، فالقَبضُ
ثابِتٌ مَحضٌ، فانتَهَتِ الوَكالةُ بقَبضِه، ألَا تَرَى أنَّه لا يُستَغنَى عن الإضافة إلى المُوكِّلِ، فيَقولُ: سلِّمْ إليَّ ما وَهَبَتَ لِفُلانٍ، ولا يَقولُ: ما وَهَبَتَه لي، وكَذلك الوَكيلُ بقَبولِ الهِبةِ لا يَستَغنِي عن إضافةِ العَقدِ إلى المُوكِّلِ بأنْ يَقولَ: هَبْ لِفُلانٍ كذا، حتى لو قالَ: هَبْ لي، كانَ العَقدُ لِلوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ، بخِلافِ الوَكيلِ بالشِّراءِ إذا قالَ: بِعْ مِنِّي؛ لأنَّ الِانتِقالَ إلى المُوكِّلِ هُناكَ يُوجِبُ ضَمانَ اليَمينِ على المُوكِّلِ لِلوَكيلِ، وليسَ في عَقدِ الهِبةِ ضَمانُ الثَّمَنِ؛ فلِهذا جُعِلَ مُلتَمِسًا العَقدَ لِنَفْسِه إذا لَم يُضِفْه إلى الآمِرِ.
ولو وَهَبَ رَجُلانِ لِرَجُلٍ شَيئًا ثم وكَّلا رَجُلًا بأنْ يَدفعَه إليه جازَ، وكَذلك لو وكَّلا رَجُلَيْنِ، أو وكَّل كلُّ واحِدٍ مِنهُما رَجُلًا على حِدَةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ الوَكيلَيْنِ نائِبٌ عن مُوكِّلِه، ويَجوزُ نِيابةُ الواحِدِ عن الواحِدِ، وعَن الِاثنَينِ، فإنْ دفَعه أحَدُهما إليه أو قَبَضَه مِنْ غيرِ دَفْعٍ جازَ، لأنَّهما حين وكَّلا هَذَيْنِ بدَفْعِها سلَّطَا المَوهوبَ له على قَبضِها.
ولو وكَّل المَوهوبُ له رَجُلَيْنِ بقَبْضِ الهِبةِ، فقَبَضَها أحَدُهما، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه رَضيَ بأمانَتِهما، فلا يَكونُ راضيًا بأمانةِ أحَدِهِما؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَملِكُ القَبضَ بنَفْسِه مِنْ غيرِ دَفعِها، وكَذلك عندَ دَفْعِ أحَدِهِما، وعلى هذا لو وكَّل الوَكيلُ غيرَه بدَفْعِها جازَ، ولو وكَّل وَكيلُ المَوهوبِ له غيرَه يَقبِضُها لَم يَجُزْ إلَّا أنْ يَكونَ المُوكِّلُ قالَ له: ما صَنَعتَ مِنْ شَيءٍ فهو جائِزٌ، فحينَئذٍ له أنْ يُوكِّلَ غيرَه بذلك؛ لأنَّه أجازَ صِفةً على العُمومِ، والتَّوكيلُ مِنْ صِفَتِه.
وإذا وكَّل رَجُلٌ رَجُلًا أنْ يَهَبَ الثَّوبَ لِفُلانٍ على عِوَضٍ يَقبِضُه مِنه
ففَعلَ ذلك، غيرَ أنَّ العِوَضَ أقَلُّ مِنْ قِيمةِ الهِبةِ، فهو جائِزٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه بِناءً على أصْلِه في اعتِبارِ إطلاقِ اللَّفظِ؛ فإنَّ اسمَ العِوَضِ يَتناوَلُ القَليلَ والكَثيرَ، ولا يَجوزُ في قَولهما إلَّا أنْ يَكونَ العِوَضُ مثلَ المَوهوبِ أو دونَه بما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه بِناءً على أصلِهما في تَقييدِ مُطلَقِ اللَّفظِ باعتِبارِ العادةِ.
وإذا وكَّل المَوهوبُ له وَكيلًا بأنْ يُعَوِّضَ ولَم يُسَمِّه فدفَع عِوَضَه مِنْ عُروضِ المَوهوبِ له لَم يَجُزْ؛ لأنَّ ما أمَرَه بدَفْعِه مَجهولٌ جَهالةً مُستَدرَكةً لا يَقدِرُ الوَكيلُ على تَحصيلِ مَقصودِ المُوكِّلِ، فكانَ التَّوكيلُ باطِلًا بمَنزِلةِ قَوله: بِعْ شَيئًا مِنْ مالي، واستَبدِلْ شَيئًا، إلَّا أنْ يَكونَ قالَ له: عَوِّضْ له مِنْ مالي ما شِئتَ، فحينَئذٍ يَكونُ له أنْ يُعَوِّضَ ما شاءَ؛ لأنَّه فوَّض الأمْرَ إلى رَأْيِه على العُمومِ.
وإنْ قالَ له: عَوِّضْ عَنِّي مِنْ مالِكَ على أنِّي ضامِنٌ له، فعوَّضه عِوَضًا، جازَ، ورجَع بمِثلِه على الآمِرِ، إنْ كانَ له مِثلٌ، وبِقيمَتِه إنْ لَم يَكُنْ له مِثلٌ؛ لأنَّه باشتِراطِ الضَّمانِ على نَفْسِه يَصيرُ مُستَقرِضًا مِنه بعِوَضٍ له مِنْ مِلْكِ نَفْسِه، والمُستَقرَضُ مَضمونٌ بالمِثلِ إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ، أو بالقِيمةِ إنْ لَم يَكُنْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ.
ولو أمَرَه أنْ يُعَوِّضَه مِنْ مِلْكِ نَفْسِه، ولَم يَشترِطِ الضَّمانَ على نَفْسِه فعوَّضه، لَم يَرجِعْ على الآمِرِ بشَيءٍ.
وَللواهِبِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا في الرُّجوعِ بالهِبةِ؛ لأنَّه يَملِكُ المُطالَبةَ به
بنَفْسِه، ويَحكُمُ به الحاكِمُ عندَ طَلَبِه، فكَذلك عندَ طَلَبِ وَكيلِه له.
ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلَيْنِ بذلك لَم يَكُنْ لِأحَدِهِما أنْ يَنفَرِدَ به دونَ صاحِبِه؛ لأنَّهما وَكيلانِ بالقَبضِ؛ فإنَّ الرُّجوعَ في الهِبةِ لا يَتمُّ إلَّا بإثباتِ اليَدِ على المَوهوبِ، وقَد بينَا أنَّ الوَكيلَيْنِ بالقَبضِ، لا يَنفَرِدُ أحَدُهما به دونَ صاحِبِه.
ولو وكَّل المُوكِّلُ رَجُلًا أنْ يَقبِضَ له دَيْنًا مِنْ فُلانٍ فيَدفعَه إلى فُلانٍ هِبةً مِنه له فهو جائِزٌ؛ لأنَّه وكَّله بشَيئَيْنِ: بقَبضِ الدَّيْنِ، ثم بعَقدِ الهِبةِ في المَقبوضِ، ويَجوزُ التَّوكيلُ بكُلِّ واحِدٍ مِنهُما على الِانفِرادِ، فكَذلك يَجوزُ التَّوكيلُ بهِما، وتَوكيلُه بهِبةِ دَيْنٍ يَقبِضُه مِنْ مَدِينِه، كَتَوكيلِه بهِبةِ عَينٍ يَدفَعُها إليه، فيَصحُّ كلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ لأنَّه يُضيفُه إلى مِلْكِ نَفْسِه.
وكَذلك لو أمَرَ المَدِينَ أنْ يَدفعَ إليه فدفَعه فهو جائِزٌ؛ لأنَّ أمْرَه إيَّاه بالدَّفعِ يَكونُ تَسليطًا لِلآخَرِ على القَبضِ، فإنْ قالَ الغَريمُ: قَدْ دَفَعتُ إليه، فصدَّقه المَوهوبُ له، فهو جائِزٌ، وإنْ كذَّبه لَم يُصدَّقِ الغَريمُ؛ لأنَّ دَعواه الدَّفعَ إلى المَوهوبِ بمَنزِلةِ دَعواه الدَّفعَ إلى الواهِبِ؛ فَإنْ صدَّقه ثَبَتَ الدَّفعُ، وإنْ كذَّبه لَم يَثبُتْ؛ لأنَّ الدَّيْنَ مَضمونٌ في الذِّمةِ لا يَستَفيدُ البَراءةَ عنه بمُجَرَّدِ قَوله.
ولو وكَّل المُوكِّلُ وَكيلًا بقَبضِه مِنه، ودفَعه إلى المَوهوبِ له، فقالَ الغَريمُ: قَدْ دفَعه إلى الوَكيلِ، وقالَ الوَكيلُ: قَدْ دَفَعتُه إلى المَوهوبِ له فالغَريمُ والوَكيلُ بَريئانِ، فتَصديقُ الوَكيلِ لِاختِيارِه بأداءِ الأمانةِ، ولكنْ لا
يُصدَّقُ الوَكيلُ على المَوهوبِ له؛ لأنَّ قولَ الأمينِ إنَّما يُقبَلُ في بَراءَتِه عن الضَّمانِ؛ لأنَّه ادَّعى ثُبوتَ وُصولِ شَيءٍ إلى غيرِه، فلا يَثبُتُ بقَوله وُصولُ الهِبةِ إلى المَوهوبِ له حتى لا يَرجِعَ الواهِبُ عليه (١).
وَقالوا أيضًا: إنَّ التَّوكيلَ في الهِبةِ يَتضَمَّنُ التَّوكيلَ بتَسليمِ المَوهوبِ؛ لأنَّ الهِبةَ لا تَتِمُّ بدُونِ القَبضِ، ولِذلك لِلوَكيلِ بالهِبةِ بعدَ إيجابِه الهِبةَ أنْ يُسلِّمَ المَوهوبَ بعدَ الإيجابِ والقَبولِ، وليسَ لِلموكِّلِ أنْ يَقولَ: إنِّي وَكَّلتُه بالهِبةِ فَقط، ولَم أُوكِّلْه بتَسليمِ المَوهوبِ.
تَقسيمُ القَبضِ: قَدْ ذكَر في الشَّرحِ أنَّه يَجِبُ أنْ يَكونَ القَبضُ كامِلًا، والقَبضُ على قِسمَيْنِ:
القِسمُ الأوَّلُ: القَبضُ الكامِلُ، ويَكونُ بقَبضِ كلِّ مَوهوبٍ بالصُّورةِ المُناسِبةِ لِقَبْضِهِ؛ فإذا كانَ المَوهوبُ دارًا فقَبْضُ مِفتاحَها هو قَبْضٌ لِلدَّارِ.
القِسمُ الآخَرُ: القَبضُ النَّاقِصُ، كَقَبْضِ حِصَّةٍ شائِعةٍ في مالٍ وُهِبَ بعضُه، وكانَ ذلك المالُ قابِلًا لِلقِسمةِ، ولا يَكفِي القَبْضُ النَّاقِصُ في تَمامِ الهِبةِ، فعليه إذا وَهَبَ بعضَ مالٍ قابِلٍ لِلقِسمةِ يَجِبُ إفرازُ الحِصَّةِ المَوهوبةِ وتَقسيمُها وتَسليمُها وقَبضُها مِنْ المَوهوبِ له، أمَّا إذا سُلِّمَتِ الحِصَّةُ المَوهوبةُ مَع الحِصَّةِ غيرِ المَوهوبةِ بدُونِ إفرازٍ، وقَبَضَها المَوهوبُ، لا تَتِمُّ الهِبةُ.
(١) «المبسوط» (١٩/ ٩١، ٩٤).
أمَّا إذا وُهِبَ المالُ غيرُ القابِلِ لِلقِسمةِ، تَتِمُّ الهِبةُ بالقَبضِ الواقِعِ بالتَّبَعِ، أي: بالقَبضِ الذي يَحصُلُ ضِمنًا بقَبضِ كلِّ المالِ.
تَقسيمُ القَبضِ الكامِلِ: القَبضُ الكامِلُ على نَوعَيْنِ، كما يلي: النَّوعُ الأوَّلُ: القَبضُ الحَقيقيُّ، وهو كَأخْذِ المَوهوبِ له المالَ المَوهوبَ بيَدِه، أو كحَمْلِ المَوهوبِ له المالَ المَوهوبَ وذَهابِه به.
النَّوعُ الآخَرُ: القَبضُ الحُكميُّ، كالقَبضِ بطَريقِ التَّخليةِ، ومِثَالُه إذا وَهَبَ شَخصٌ لِآخَرَ مالًا مَوجودًا مُحضَرًا في مَجلِسِ الهِبةِ، وصالِحًا لِلقَبضِ في ذلك المَكانِ، وقالَ المَوهوبُ له لِلواهِبِ: قَبَضتُه، أي: أنْ يَقولَ ذلك مَع كَونِه لَم يَقبِضِ المالَ المَوهوبَ. ويُشترَطُ في القَبضِ بطَريقِ التَّخليةِ وُجودُ المالِ المَوهوبِ في مَجلِسِ الهِبةِ على الوَجْهِ المَشروحِ، فعليه إذا وَهَبَ شَخصٌ لِآخَرَ مالًا وسلَّطَه على قَبْضِه حينَما يَجِدُه، فالهِبةُ فاسِدةٌ على رَأْيِ الإمامِ أبي يُوسفَ رحمة الله عليه، أمَّا عندَ الإمامِ زُفَرَ فالهِبةُ صَحيحةٌ. وتَصحُّ الهِبةُ بالقَبضِ بالنَّوعِ الثَّاني على رَأْيِ الإمامِ مُحمَّدٍ، وهو الرَّأْيُ المُختارُ، أمَّا عندَ الإمامِ أبي يُوسفَ فلا تَتِمُّ الهِبةُ.
إلَّا أنَّ هذا الِاختِلافَ واقِعٌ في الهِبةِ الصَّحيحةِ، أمَّا في الهِبةِ الفاسِدةِ فقَدِ اتَّفَقُوا على أنَّ التَّخليةَ ليسَتْ بقَبْضٍ (١).
(١) «درر الحكام» (٢/ ٣٥٢).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
بيان معنى التوكيل
حَيَاتِهِ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ: لَا يَقْضِي بِهِ.
(وَمِنْهَا) : أَدَاءُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ الْمَالَ إلَى الْمُحَالِ، فَإِذَا أَدَّى الْمَالَ خَرَجَ عَنْ الْحَوَالَةِ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ حُكْمِهَا.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَهَبَ الْمُحَالُ الْمَالَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَقْبَلَهُ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، وَيَقْبَلَهُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ فِي مَعْنَى الْإِبْرَاءِ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ؛ فَيَرِثُهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ الْمَالِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الرُّجُوعِ فِي الْحَوَّالَةِ
وَأَمَّا بَيَانُ الرُّجُوعِ، فَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي الرُّجُوعِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّجُوعِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَرْجِعُ بِهِ أَمَّا شَرَائِطُهُ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) : أَنْ تَكُونَ الْحَوَالَةُ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ، فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لَا يَرْجِعُ، بِأَنْ قَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ: إنَّ لَك عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا مِنْ الدَّيْنِ، فَاحْتَلْ بِهَا عَلَيَّ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ الطَّالِبُ؛ جَازَتْ الْحَوَالَةُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَدَّى لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إذَا كَانَتْ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ صَارَ الْمُحَالُ مُمَلَّكًا الدَّيْنَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ؛ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُحِيلِ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يُوجَدُ مَعْنَى التَّمْلِيكِ؛ فَلَا تَثْبُتُ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة
الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.
الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة
الْبَابُ الثَّانِي
فِي الْأَحْكَامِ
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.
فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.