الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > توكيل المحجور عليه لفلس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءة٣ - تَوكيلُ المَحجورِ عليه لِفَلَسٍ:
قالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا المَحجورُ عليه لِلفَلَسِ: فلا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ غيرَه في بَيعِ أعيانِ مالِه، ويَجوزُ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَشتَري له بثَمَنٍ في ذِمَّتِه؛ لأنَّه يَملِكُ ذلك بنَفْسِه، فملَك التَّوكيلَ فيه (١).
وقالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا المَحجورُ عليه لِفَلَسٍ فيَجوزُ تَوكيلُه فيما يَستَقِلُّ به مِنْ التَّصرُّفاتِ، ولا يَجوزُ فيما لا يَستَقِلُّ به إلَّا بعدَ إذْنِ الغَريمِ (٢).
٤ - تَوكيلُ المَرأةِ غيرَها في النِّكاحِ:
يُشترَطُ في المُوكِّلِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ -كما تَقدَّم- أنْ يَملِكَ فِعلَ ما يُوكَّلُ فيه بنَفْسِهِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ تَفويضٌ فيما يَملِكُه في التَصرُّفِ إلى غيرِه، فما لا يَملِكُه بنَفْسِه لا يَصحُّ له أنْ يُوكِّلَ فيه غيرَه، وعليه فقَدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَزويجِ المَرأةِ نَفْسَها، فمَن قالَ: «يَجوزُ لها أنْ تُزوِّجَ نَفْسَها» -كالإمامِ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عن أبي يُوسفَ- قالوا: يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها في تَزويجِها؛ لأنَّه يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُباشِرَ عَقدَ الزَّواجِ، سَواءٌ زوَّجتْ نَفْسَها، أو زوَّجتْ غيرَها، فلَها أنْ تُوكِّلَ مَنْ يُزوِّجُها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المُوكِّلِ أنْ يَكونَ ممَّن يَملِكُ فِعلَ ما وكَّل به بنَفْسِه وهي تَملِكُه (٣).
(١) «البيان» (٦/ ٤٠٣).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٦).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٢/ ٣٥٠)، و «العناية شرح الهداية» (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٨٤، ٢٨٦).
قالَ المَوصِلِيُّ الحَنَفيُّ رحمة الله عليه: وعِبارةُ النِّساءِ مُعتبَرةٌ في النِّكاحِ، حتى لو زوَّجتِ الحُرَّةُ العاقِلةُ البالِغةُ نَفْسَها جازَ، وكَذلك لو زوَّجتْ غيرَها بالوِلايةِ أو الوَكالةِ؛ وكذا إذا وكَّلتْ غيرَها في تَزويجِها، أو زوَّجها غيرُها فأجازَتْ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفَرَ والحَسَنِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ أبي يُوسفَ.
وقالَ مُحمَّدٌ: لا يَجوزُ إلَّا بإجازةِ الوَليِّ، فإنْ ماتَا قبلَها لا يَتوارَثانِ، ولا يَقَعُ طَلاقُه، ولا ظِهارُه، ووَطؤُه حَرامٌ، فإنِ امتَنَعَ الوَليُّ مِنْ الإجازةِ ذكَر الطَّحاويُّ عن مُحمَّدٍ: يُجَدِّدُ القاضي العَقدَ بينَهما. وذكَر هِشامٌ عن مُحمَّدٍ: فَإنْ لَم يُجِزْه الوَليُّ أُجيزُه أنا، وكانَ يَومَئِذٍ قاضيًا، فصارَ عنه رِوايَتانِ. ورُوِيَ عنه أنَّه رجَع إلى قَولِ أبي حَنيفةَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أيَّامٍ. وحَكَى الفَقيهُ أبو جَعفَرٍ الهِندُوانيُّ أنَّ امرَأةً جاءَتْ إلى مُحمَّدٍ قبلَ مَوتِه بثَلاثةِ أيَّامٍ، وقالَتْ: إنَّ لي وَليًّا وهو لا يُزوِّجُني إلَّا بعدَ أنْ يَأخُذَ مِنِّي مالًا كَثيرًا، فقالَ لها مُحمَّدٌ: اذهَبي فزوِّجي نَفْسَكِ، وهذا يُؤيِّدُ ما رُوِيَ مِنْ رُجوعِه. وعَن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ مِثلُ قَولِ مُحمَّدٍ الأوَل. وفي رِوايةٍ: إنْ زوَّجتْ نَفْسَها مِنْ كُفْءٍ لا يَتوقَّفُ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ كُفْءٍ يَتوقَّفُ على إجازةِ الوَليِّ (١).
وَمَنْ قالَ: «لا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُزوِّجَ نَفْسَها» -وهُم الجُمهورُ، المالِكيَّةُ على خِلافٍ عندَهم، والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ، وأبو يُوسفَ في
(١) «الاختيار» (٣/ ١١٢).
رِوايةٍ ومُحمَّدٌ على اختِلافٍ في النَّقلِ عَنهم، كما سَيَأتي مُفَصَّلًا في النِّكاحِ- قالوا: لا يَجوزُ لها أنْ تُوكِّلَ غيرَها؛ لأنَّها لا تَملِكُ تَزويجَ نَفْسِها (١).
قالَ المالِكيَّةُ: إذا وكَّلتِ الدَّنيئةُ كالمُعتَقةِ والمَسْلَمانيَّةِ والمِسكينةِ أجنَبيًّا في بَلَدٍ ليسَ فيه سُلطانٌ، أو فيه لكنْ يَعسُرُ وُصولُها إليه، ولا وَليَّ لها، جازَ.
قالَ ابنُ يُونُسَ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: وإذا وكَّلتِ المَرأةُ الدَّنيَّةُ مثلَ المُعتَقةِ والمَسْلَمانيَّةِ والسَّوداءِ والمِسكينةِ أجنَبيًّا، فزوَّجها وهي ببَلَدٍ لا سُلطانَ فيه، أو فيه سُلطانٌ يَعسُرُ عليها تَناوُله، ولا وَليَّ لها، جازَ ذلك.
وفي رِوايةِ أشهَبَ عن مالِكٍ رحمة الله عليه: أنَّ الدَّنِيَّةَ وغيرَها سَواءٌ، ولا يُزوِّجُها إلَّا وَليٌّ أو سُلطانٌ.
قالَ الشَّيخُ رحمة الله عليه: فوَجهُ الأوَل: أنَّه لمَّا لَم يَكُنْ لها وَليٌّ، وكانَ مُتَناوَلُ السُّلطانِ بَعيدًا، صارَ ذلك ضَرورةً أباحَتْ تَزويجَ الأجنَبيِّ إيَّاها؛ لأنَّه وَليٌّ عامٌّ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١].
وَوَجهُ الثَّانيةِ: أنَّ الوَليَّ العامَّ لا يُزوِّجُ مَع حُضورِ الخاصِّ، أصْلُه في غيرِ الدَّنِيَّةِ.
(١) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٢/ ٣٥٠)، و «العناية شرح الهداية» (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٨٤، ٢٨٦)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٩٧)، و «القوانين الفقهية» ص (١٣٣)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٦٠)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٥، ٢١٦)، و «البيان» (٦/ ٤٠٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٨)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٣)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ١٦١)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٢٦٥)، و «المغني» (٥/ ٥١)، و «الكافي» (٢/ ٢٤١).
وَمِنْ «المُدوَّنةُ»: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: وكَذلك إنْ وَلَّتْ مَنْ أسلَمَتْ هي على يَدَيْه؛ فإنَّه يَجوزُ إنكاحُه إيَّاها، وأمَّا مَنْ أَسلَمَ على يَدَيْه أبَوها وتَقادَمَ ذلك حتى يَكونَ لها مِنْ القَدْرِ والغَناءِ والإباءِ في الإسلامِ ما يَجعَلُ النَّاسَ يَتنافَسُونَ فيها، فلا يُزوِّجُها، وهو كالأجنَبيِّ فيها.
قيلَ لِمالِكٍ رحمة الله عليه: فرِجالٌ مِنْ المَوالي يَأخُذونَ صِبيانًا مِنْ العَرَبِ تُصيبُهم السَّنَةُ فيَكفُلونَهم ويُرَبُّونَهم، حتى يَكبَروا، وتَكونَ فيهمُ الجَاريةُ، ويُريدَ أنْ يُزوِّجَها؟
فَقالَ: ذلك جائِزٌ، ومَن أنظَرُ لها مِنه.
قالَ الشَّيخُ رحمة الله عليه: يُريدُ إذا بلَغتْ وأذِنَتْ، وهذا إذا لَم يَكُنْ لها أبٌ، وأمَّا إنْ كانَ لها أبٌ فلا يَنكِحُها بغيرِ رِضَا أبيها إلَّا أنْ يَجعَلَ الأبُ ذلك بيَدِه، ونَحوُه في كِتابِ مُحمَّدٍ.
وَمِنْ المُدوَّنةِ: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: وأمَّا كلُّ امرَأةٍ لها بالٌ وغَنَاءٌ وقَدْرٌ؛ فإنَّ تلك لا يُزوِّجُها إلَّا وَليُّها، أوِ السُّلطانُ.
قيلَ لِمالِكٍ رحمة الله عليه: فلَو أنَّ امرَأةً لها قَدْرٌ تَزوَّجتْ بغيرِ أمْرٍ وَليٍّ، فوَّضتْ أمرَها إلى رَجُلٍ، فرَضيَ الوَليُّ بعدَ ذلك، أيَثْبتُ النِّكاحُ؟
فَوقَف فيه.
وقالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: إذا أجازَه الوَليُّ بالقُربِ جازَ، وسَواءٌ دخَل الزَّوجُ أو لا، وإنْ أرادَ فَسْخَه بحِدثانِ الدُّخولِ، كانَ ذلك له، وفسَخه، فأمَّا
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.