الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > توكيل المسلم الكافر في البيع والشراء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءة٣ - تَوكيلُ المُسلِمِ الكافِرَ في البَيعِ والشِّراءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسلِمِ، هَلْ يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ في بَيعِ خَمرٍ أو خِنزيرٍ أو غيرِهِما، أو في شِرائِهما، أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ كافِرًا، ذِميًّا كانَ أو غيرَه في بَيعِ خَمرٍ ولا في شِرائِها؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ الوَكالةِ أنْ يَكونَ المُوكِّلُ ممَّن يَملِكُ التَصرُّفَ؛ لأنَّ الوَكيلَ يَستَفيدُ وِلايةَ التَصرُّفِ مِنه، ويَقدِرُ عليه مِنْ قِبَلِه، ومَن لا يَقدِرُ على شَيءٍ فكَيفَ يَقدِرُ عليه غيرُه، ويَصحُّ تَوكيلُ الكافِرِ في غيرِ الخَمرِ والخِنزيرِ عندَهم، خِلافًا لِلمالِكيةِ الذين مَنَعوا تَوكيلَه في البَيعِ والشِّراءِ مُطلَقًا.
قالَ المالِكيَّةُ: يَمتَنِعُ على المُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ كافِرًا، ذِميًّا كانَ أو غيرَه، في بَيعٍ لِمُسلِمٍ، أو شِراءٍ له؛ لأنَّه لا يَتحَرَّى في مُعامَلاتِه الحَلالَ ولا يَعرِفُ شَرطَ المَعقودِ عليه مِنْ ثَمَنٍ ومُثمَّنٍ.
كَذلك يَمتَنِعُ على المُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ في تَقاضي دُيونِه، ولو على كافِرٍ، لِعَملِهم بالرِّبا، واستِحلالِهم له، ولو رَضِيَ مَنْ يَتقاضَى مِنه الحَقَّ؛ لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولأنَّه رُبَّما أغلَظَ على المُسلِمِ الذي يَتقاضَى مِنه الدَّينَ واستَعلَى عليه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، ومِن ذلك جَعْلُه مُباشِرًا وكاتِبًا لِلأُمَراءِ ونحوِهم؛ فإنَّه مِنْ الضَّلالِ المُبينِ.
قالوا: إذا وقَع البَيعُ أو الشِّراءُ أو التَّقاضي المَمنوعُ على وَجْهِ الصِّحَّةِ يَنبَغي أنْ يَكونَ ماضيًا.
وأمَّا تَوكيلُ الكُفَّارِ لِكافِرٍ فإنْ كانَ على استِخلاصِ دَيْنٍ له مِنْ مُسلِمٍ مُنِعَ؛ لأنَّه رُبَّما أغلَظَ عليه، وشَقَّ عليه، وإنْ كانَ على التَّوكيلِ فيه تَسلُّطُ كافِرينَ، بخِلافِ عَدمِه؛ فإنَّه لا تَسلُّطَ فيه إلَّا لِصاحِبِ الحَقِّ.
وأمَّا غيرُ الأُمورِ الثَّلاثةِ التي هي البَيعُ والشِّراءُ، والتَّقاضي، فيَجوزُ تَوكيلُه فيها، كَقَبولِ نِكاحٍ ودَفْعِ هِبةٍ وإبراءٍ ووَقْفٍ.
قالَ في «المُدوَّنةِ»: قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستأجِرَ نَصرانيًّا إلَّا لِخِدمةٍ، فأمَّا لِبَيعٍ أو شِراءٍ أو تَقاضٍ، أو لِيُبَضِّعَ مَعه، فلا يَجوزُ؛ لِعَملِهم بالرِّبا واستِحلالِهم له.
قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: وكذا عَبدُه النَّصرانيُّ، لا يَجوزُ أنْ يَأمُرَه ببَيعِ شَيءٍ ولا شِرائِه ولا اقتِضائِه، ولا يَمنَعُ المُسلِمُ عَبدَه النَّصرانيَّ أنْ يَأتيَ الكَنيسةَ، ولا مِنْ شُربِ الخَمرِ، أو أكْلِ الخِنزيرِ.
قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: ولا يُشارِكُ المُسلِمُ ذِميًّا إلَّا ألَّا يَغيبَ على بَيعٍ أو شِراءٍ إلَّا بحَضرةِ المُسلِمِ. قالَ: ولا بَأْسَ أنْ يُساقِيَه إذا كانَ الذِّميُّ لا يَعصِرُ حِصَّتَه خَمرًا.
قالَ: ولا أُحِبُّ لِمُسلِمٍ أنْ يَدفعَ لِذِميٍّ قِراضًا؛ لِعَملِه بالرِّبا، ولا أنْ يَأخُذَ مِنه قِراضًا؛ لِئَلَّا يُذِلَّ نَفْسَه، وإنْ وقَع لَم يُفسَخْ (١).
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٧)، و «الذخيرة» (٨/ ٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٠٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٥٨)، و «شرح ميارة» (١/ ٢٠٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٨١)، و «منح الجليل» (٦/ ١٢٧).
وقالَ العمرانيُّ الشَّافِعيُّ رحمة الله عليه: وإنْ وكَّل المُسلِمُ ذِميًّا في شِراءِ خَمرٍ لَم يَصحَّ، وإذا اشترَى له الذِّميُّ لَم يَصحَّ الشِّراءُ لِلمُسلِمِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَصحُّ ذلك لِلمُسلِمِ.
دَليلُنا أنَّ كلَّ ما لا يَجوزُ أنْ يَعقِدَ عليه المُسلِمُ لِنَفْسِه لا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ فيه الذمِّيَّ، كالعَقدِ على المَجوسِيَّةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ تَوكيلُ المُسلِمِ كافِرًا فيما يَصحُّ تَصرُّفُه فيه، سَواءٌ كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا أو حَربيًّا أو مُرتَدًّا؛ لأنَّ العَدالةَ لا تُشترَطُ في صِحَّةِ الوَكالةِ، فكَذلك الدِّينُ، كالبَيعِ (٢).
وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الذِّميَّ في بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ لأنَّ الشَّرطَ أنْ يَكونَ التَّوكيلُ حاصِلًا بما يَملِكُه الوَكيلُ، فأمَّا كَونُ المُوكِّلِ مالِكًا له فليسَ بشَرطٍ، فيَجوزُ عندَه تَوكيلُ المُسلِمِ الذِّميَّ في بَيعِ الخَمرِ أو شِرائِها.
قالَ البابَرتيُّ رحمة الله عليه في «العِنايةِ»: قالَ: وإذا أمَرَ المُسلِمُِ نَصرانيًّا ببَيعِ خَمرٍ أو شِرائِها، ففَعلَ، جازَ عندَ أبي حَنيفةَ، خِلافًا لهما، وحُكمُ التَّوكيلِ
(١) «البيان» (٦/ ٤٠٥)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٦/ ٤٨).
(٢) «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٤).
في الخِنزيرِ وتَوكيلِ المُحرِمِ حَلالًا ببَيعِ صَيدِه على هذا الخِلافِ قالا: المُوكِّلُ لا يَلي هذا التَصرُّفَ، فلا يُوَلي غيرَه، كَتَوكيلِ المُسلِمِ مَجوسيًّا بتَزويجِ مَجوسِيَّةٍ.
ولأنَّ ما يَثبُتُ لِلوَكيلِ يَنتقِلُ إلى المُوكِّلِ، فصارَ كَأنَّه باشَرَه بنَفْسِه، ولو باشَرَه بنَفْسِه لَم يَجُزْ، فكذا التَّوكيلُ به.
وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: المُعتبَرُ في هذا البابِ أهلِيَّتانِ: أهلِيَّةُ الوَكيلِ، وأهلِيَّةُ المُوكِّلِ، فالأَوْلَى أهلِيَّةُ العاقِدِ، وهي أهلِيَّةُ التَصرُّفِ في المأْمورِ به، ولِلنَّصرانيِّ ذلك، والأُخرى أهلِيَّةُ ثُبوتِ الحُكمِ له، ولِلمُوكِّلِ ذلك، حُكمًا لِلعَقدِ؛ لِئَلَّا يَلزَمَ انفِكاكُ المَلزومِ عن اللَّازِمِ، ألَا تَرَى إلى صِحَّةِ ثُبوتِ مِلْكِ الخَمرِ لِلمُسلِمِ إرْثًا، إذا أسلَمَ مُورِّثُه النَّصرانيُّ، وماتَ عن خَمرٍ وخِنزيرٍ.
لا يُقالُ: الوِراثةُ أمْرٌ جَبرِيٌّ، والتَّوكيلُ اختِياريٌّ، فأنَّى يَتشابَهانِ؟ لأنَّ ثُبوتَ الحُكمِ -أعني المِلْكَ لِلمُوكِّلِ- بعدَ تَحَقُّقِ العِلَّةِ -أعني مُباشَرةَ الوَكيلِ- جَبريٌّ، كَذلك تَثبُتُ بدُونِ اختيارِه، كما في المَوتِ، ألَا تَرَى أنَّ المَأْذونَ له النَّصرانيَّ إذا اشترَى خَمرًا يَثبُتُ المِلكُ فيها لِمَولاه المُسلِمِ بالِاتِّفاقِ، وإذا ثَبَتَتِ الأهلِيَّتانِ لَم يَمتَنِعِ العَقدُ بسَبَبِ الإسلامِ؛ لأنَّه جالِبٌ، لا سالِبٌ، ثم المُوكَّلُ به إنْ كانَ خَمرًا خَلَّلَها، وإنْ كانَ خِنزيرًا سَيَّبَه، لكنْ قالوا: هذه الوَكالةُ مَكروهةٌ أشَدَّ كَراهةٍ، وقَولُهما: المُوكِّلُ لا يَليه، فلا يُوَليه غيرَه، مَنقوضٌ بالوَكيلِ بشِراءِ عَبدٍ بعَيْنِه إذا وكَّل آخَرَ بشِرائِه لِنَفْسِه؛ فإنَّه يَثبُتُ المِلْكُ لِلوَكيلِ الأوَل، وهو بنَفْسِه لا يَلي الشِّراءَ لِنَفْسِه، وبِالقاضي إذا
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤٠ - مسألة؛ قال: (ويجوز التوكيل في الشراء والبيع، ومطالبة الحقوق، والعتق والطلاق، حاضرا ك
بِتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به. ومَن لا يَمْلِكُ. التَّصَرُّفَ في شيءٍ لِنَفْسِه، لا يَصِحُّ أن يَتَوَكَّلَ فيه، كالمَرْأةِ في عَقْدِ النِّكاحِ وقَبُولِه، والكافِرِ في تَزْوِيج مُسْلِمَة، والطِّفْلِ والمَجْنُون في الحُقُوقِ كلِّها.
فصل: ولِلمُكَاتَبِ أن يُوَكّلَ فيما يَتَصَرَّفُ فيه بِنَفْسِه. وله أن يَتوَكَّلَ بجُعْلٍ، لأنَّه من اكْتِسَابِ المالِ. ولا يُمْنَعُ المُكَاتَبُ من الاكْتِسَابِ، وليس له أن يَتَوَكَّلَ لغيرِه بغيرِ جُعْلٍ، إلا بإِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَه كأعْيانِ مالِه، وليس له بَذْلُ عَيْنِ مالِه بغيرِ عِوَضٍ. ولِلْعَبْدِ أن يَتَوَكَّلَ بإِذْنِ سَيِّدِه، وليس له التَّوْكِيلُ بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه، وإن كان مَأْذُونًا له في التِّجَارةِ؛ لأنَّ الإِذْنَ في التِّجَارةِ لا يَتَناوَلُ التَّوْكِيلَ. وتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِىِّ المُرَاهِقِ، إذا أَذِنَ له الوَلِىُّ؛ لأنَّه مِمَنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُه.
٨٤٠ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ التَّوْكِيلُ في الشِّرَاءِ والْبَيْعِ، ومُطَالَبةِ الحُقُوقِ، والْعِتْقِ والطَّلَاقِ، حَاضِرًا كَانَ المُوَكِّلُ أو غَائِبًا)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.