الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > صفة عقد الوكالة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةصِفةُ عَقدِ الوَكالةِ:
لا تَخلو الوَكالةُ مِنْ ثَلاثِ صُوَرٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ تَكونَ تَبرُّعًا.
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ تَكونَ بأُجرةٍ.
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ تَكونَ بجُعلٍ.
وَيَختلِفُ حُكمُ كلِّ واحِدةٍ مِنها عن الأُخرَيَيْنِ، وبَيانُها على التَّفصيلِ الآتي:
الصُّورةُ الأُولَى: أنْ تَكونَ تَبرُّعًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِفةِ عَقدِ الوَكالةِ إذا كانَتْ تَبرُّعًا، هَلْ هي مِنْ العُقودِ الجائِزةِ التي يَجوزُ لَكُلٍّ مِنْ الوَكيلِ والمُوكِّلِ فَسخُها متى أرادَا؟ أو هي مِنْ العُقودِ اللَّازِمةِ التي لا يَحِقُّ لِأحَدٍ فَسخُها إلَّا برِضا الآخَرِ؟
فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجائِزةِ مِنْ الجانِبَيْنِ، فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَسخُها متى شاءَ؛ لأنَّها مِنْ جِهةِ المُوكِّلِ إذْنٌ، ومِن جِهةِ الوَكيلِ بَذْلُ نَفْعٍ، وكِلاهُما جائِزٌ، فجازَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما إبطالُهُ؛ كالإذْنِ في أكلِ طَعامِه.
ولأنَّ المُوكِّلَ قَدْ يَرَى المَصلَحةَ في تَركِ ما وكَّل فيه، أو في تَوكيلِ آخَرَ، ومِن جانِبِ الوَكيلِ فإنَّه قَدْ لا يَتفرَّغُ؛ فيَكونُ اللُّزومُ مُضِرًّا بهِما.
إذا ثَبَتَ هذا: فالفَسخُ أنْ يَقولَ أحَدُهما: فَسَختُ الوَكالةَ، أو أبطَلتُها، أو نَقَضتُها: أو يَقولَ المُوكِّلُ: عَزَلتُكَ، أو صَرَفتُكَ عَنها، أو أزَلتُكَ عَنها، أو يَقولَ الوَكيلُ: عَزَلتُ نَفْسِي، أو صَرَفتُها عَنِّي، أو أزَلتُها، فيَنعزِلُ بكُلِّ هذا؛ لِدِلالةِ كُلٍّ مِنْ هذه الألفاظِ عليه، ولأنَّها إمَّا عَقدٌ جائِزٌ فيَنفَسِخُ بالفَسخِ، وإمَّا إذْنٌ فيَبطُلُ برُجوعِ مَنْ مِنه الإذْنُ (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: عَقدٌ جائِزٌ باتِّفاقِ العُلماءِ، فله أنْ يَفسَخَ عَقدَ الوَكالةِ (٢).
وذهَب بعضُ مُتَأخِّري المالِكيَّةِ إلى أنَّ الوَكالةَ لَازِمةٌ مِنْ جانِبِ الوَكيلِ، بِناءً على لُزومِ الهِبةِ، وإنْ لَم تُقبَضْ، وجائِزةٌ في حَقِّ المُوكِّلِ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٨)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٠)، و «اللباب» (١/ ٥٦١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٨٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٠٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٢٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٦)، و «منح الجليل» (٦/ ٤١٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٢٢)، و «البيان» (٦/ ٤٥٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢١٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٥٩)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٢)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٦٣)، و «المغني» (٥/ ٧١)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٦٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٥، ٥٤٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٢٠).
(٣) «الذخيرة» (٨/ ٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٨٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٠٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٢٢)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٦)، و «منح الجليل» (٦/ ٤١٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في صفة عقد الشركة
أَنَّ اسْتِحْقَاقَ فَضْلِ الْأُجْرَةِ بِفَضْلِ الضَّمَانِ لَا بِفَضْلِ الْعَمَلِ.
وَلَوْ شَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي الْأُجْرَةِ فَجَعَلَاهَا أَثْلَاثًا، وَلَمْ يَنْسِبَا الْعَمَلَ إلَى نِصْفَيْنِ، فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهُمَا لَمَّا شَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي الْكَسْبِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِشَرْطِ التَّفَاضُلِ فِي الْعَمَلِ، كَانَ ذَلِكَ اشْتِرَاطًا لِلتَّفَاضُلِ فِي الْعَمَلِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا عِنْدَ إمْكَانِ التَّصْحِيحِ.
وَلَوْ شَرَطَا الْكَسْبَ أَثْلَاثًا، وَشَرَطَا الْعَمَلَ نِصْفَيْنِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فَضْلَ الْأُجْرَةِ لَا يُقَابِلُهَا مَالٌ، وَلَا عَمَلٌ وَلَا ضَمَانٌ، وَالرِّبْحُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
(وَأَمَّا) الْوَضِيعَةُ فَلَا تَكُونُ بَيْنَهُمَا إلَّا عَلَى قَدْرِ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ شَرَطَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلَانِهِ فَثُلُثَاهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَثُلُثُهُ عَلَى الْآخَرِ، وَالْوَضِيعَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، كَانَتْ الْوَضِيعَةُ بَاطِلَةً وَالْقِبَالَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ إذَا انْقَسَمَ عَلَى قَدْرِ الضَّمَانِ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الضَّمَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ زِيَادَةِ الضَّمَانِ فِي الْوَضِيعَةِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ زِيَادَةِ الرِّبْحِ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ الشَّرِكَةُ بِالْأَمْوَالِ حَتَّى لَا تَكُونَ الْوَضِيعَةُ فِيهَا إلَّا بِقَدْرِ الْمَالِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ زِيَادَةِ الرِّبْحِ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا، فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ تَكُونَ الْوَضِيعَةُ فِيهِ إلَّا عَلَى قَدْرِ الضَّمَانِ أَوْلَى.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)
يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.