ثانيا: الوكالة الخاصة

الإسلام > الشركات والإجارات > أنواع الوكالة > ثانيا: الوكالة الخاصة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 38 دقيقة قراءة

ثانيا: الوكالة الخاصة - الأقوال والأدلة

اللَّهَ؛ فهذا عِلْمٌ نُشِرَ لَكَ. فبَكَى، ثم قالَ: ليسَ هذا العِلمُ إلَيَّ، إنَّما هذا عِلمُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ. قالَ الرُّحَيبانيُّ: أقولُ: مَنْ كانَ على هذا المِنوالِ فلا مانِعَ مِنْ تَفويضِ المُوكِّلِ إليه سائِرَ الأعمالِ، ومَن لَم يَكُنْ كَذلك فليسَ له التَصرُّفُ بما هُنالِكَ، بَلْ يَقِفُ عندَ بَيانِ النَّوعِ والتَّقديرِ، كما لا يَخفَى ذلك على النَّاقِدِ البَصيرِ (١).

ثانيًا: الوَكالةُ الخاصَّةُ:

الوَكالةُ الخاصَّةُ هي: ما كانَ إيجابُ المُوكِّلِ فيها خاصًّا بتَصرُّفٍ مُعيَّنٍ، كَأنْ يُوكِّلَ إنسانٌ إنسانًا آخَرَ على أنْ يَبيعَ له أو يَشتَريَ له سِلعةً بعَينِها، ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على صِحَّةِ الوَكالةِ الخاصَّةِ، وعلى أنَّ الوَكيلَ لا يَتعَدَّى ما وُكِّلَ فيهِ؛ فإذا وُكِّلَ على الشِّراءِ خاصَّةً لا يَتعَدَّاه إلى البَيعِ؛ لأنَّ الوَكالةَ الخاصَّةَ لا يَتعَدَّى الوَكيلُ فيها لِغيرِ ما أُذِنَ له فيه، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ (٢). إلَّا أنْ بعضَهمُ اشترَطَ بعضَ الشُّروطِ، وهي بَيانُ جِنْسِه وصِفَتِه، أو جِنْسِه ومَبلَغِ ثَمَنِه، فهُم في الجُملةِ اشترَطوا في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا، إمَّا بالوَصفِ أو بالنَّوعِ أو بالعُرفِ، وألَّا تَكونَ الجَهالةُ كَبيرةً، والجَهالةُ اليَسيرةُ يُغتَفَرُ فيها، وهذا على تَفصيلٍ بينَ المَذاهبِ على النحوِ الآتي.

(١) «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٣٣، ٤٣٥)، و «المغني» (٥/ ٥٥)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٢، ٥٦٣)، و «منار السبيل» (٢/ ١٦٣).
(٢) «شرح فتح القدير» (٧/ ٤٢٦)، و «منح الجليل» (٦/ ٢٨٢)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٥/ ٢١٢، ٢١٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٥).

قالَ الحَنفيَّةُ: إنَّ التَّوكيلَ بالشِّراءِ نَوعانِ، وَكالةٌ عامَّةٌ، ووَكالةٌ خاصَّةٌ:

فالوَكالةُ العامَّةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي ما شِئتَ، أو ما رَأيتَ، أو أيَّ ثَوبٍ شِئتَ، أو أيَّ دارٍ شِئتَ، أو ما تَيسَّرَ لكَ مِنْ الثِّيابِ، ومِن الدَّوابِّ، ويَصحُّ مَع الجَهالةِ الفاحِشةِ مِنْ غيرِ بَيانِ النَّوعِ والصِّفةِ والثَّمَنِ؛ لأنَّه فوَّض الرَّأْيَ إليه، فيَصحُّ مَع الجَهالةِ الفاحِشةِ، كالبِضاعةِ والمُضارَبةِ.

والوَكالةُ الخاصَّةُ: أنْ يَقولَ: اشتَرِ لي ثَوبًا أو حَيَوانًا أو دَابَّةً أو جَوهَرًا أو عَبدًا أو جاريةً أو فرَسًا أو بَغلًا أو حِمارًا أو شاةً.

والأصلُ فيه أنَّ الجَهالةَ إنْ كانَتْ كَثيرةً تَمنَعُ صِحَّةَ التَّوكيلِ، وإنْ كانَتْ قَليلةً لا تَمنَعُ، وهذا استِحسانٌ، والقِياسُ أنْ يَمنَعَ قَليلُها وكَثيرُها، ولا يَجوزُ إلَّا بعدَ بَيانِ النَّوعِ والصِّفةِ ومِقدارِ الثَّمَنِ؛ لأنَّ البَيعَ والشِّراءَ لا يَصحَّانِ مَع الجَهالةِ اليَسيرةِ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ بهِما أيضًا.

وَجهُ الِاستِحسانِ: ما رُوِيَ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ دفَع دِينارًا إلى حَكيمِ بنِ حِزامٍ لِيَشتَريَ له به أُضحيَّةً» ولَم يُبيِّنْ صِفَتَها، ولو كانَتِ الجَهالةُ القَليلةُ مانِعةً مِنْ صِحَّةِ التَّوكيلِ بالشِّراءِ لَمَا فَعلَه رَسولُ اللَّهِ ؛ لأنَّ جَهالةَ الصِّفةِ لا تَرتَفِعُ بذِكرِ الأُضحيَّةِ وبِقَدْرِ الثَّمَنِ، ولأنَّ الجَهالةَ القَليلةَ في بابِ الوَكالةِ لا تُفْضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ مَبنَى التَّوكيلِ على الفُسحةِ والمُسامَحةِ، فالظَّاهِرُ أنَّه لا تَجوزُ المُنازَعةُ فيه عندَ قِلَّةِ الجَهالةِ، بخِلافِ البَيعِ؛ لأنَّ مَبناه على المُضايَقةِ والمُماكَسةِ، لِكَونِه مُعاوَضةَ المالِ بالمالِ، فالجَهالةُ فيه، وإنْ قَلَّتْ، تُفضي إلى المُنازَعةِ، وتُوجِبُ فَسادَ العَقدِ، فهو الفَرقُ.

وإذا ثَبَتَ أنَّ الجَهالةَ القَليلةَ غيرُ مانِعةٍ، ففي كلِّ مَوضِعٍ قَلَّتِ الجَهالةُ صَحَّ التَّوكيلُ بالشِّراءِ، وإلَّا فلا. فيُنظَرُ إنْ كانَ اسمُ ما وقَع التَّوكيلُ بشِرائِه ممَّا يَقَعُ على أنواعٍ مُختَلِفةٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ به، إلَّا بعدَ بَيانِ النَّوعِ، وذلك نحوَ أنْ يَقولَ: اشتَرِ لي ثَوبًا؛ لأنَّ اسمَ الثَّوبِ يَقَعُ على أنواعٍ مُختَلِفةٍ مِنْ ثَوبِ الْإِبْرَيْسَمِ والقُطنِ والكَتَّانِ، وغيرِها، فكانَتِ الجَهالةُ كَثيرةً، فمَنعَتْ صِحَّةَ التَّوكيلِ، فلا يَصحُّ، وإنْ سمَّى الثَّمَنَ؛ لأنَّ الجَهالةَ بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ مُتَفاحِشةٌ، فلا تَقِلُّ إلَّا بذِكرِ النَّوعِ، بأنْ يَقولَ: اشتَرِ لي ثَوبًا هَرَوِيًّا؛ فَإنْ سَكَتَ عنه كَثُرَتِ الجَهالةُ، فلَمْ يَصحَّ التَّوكيلُ.

وكذا إذا قالَ: اشتَرِ لي حَيَوانًا، أو قالَ: اشتَرِ لي دَابَّةً أو أرضًا أو مَملوكًا أو جَوهَرًا أو حُبوبًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنها اسمُ جِنسٍ، يَدخُلُ تَحتَه أنواعٌ مُختَلِفةٌ، فلا بدَّ مِنْ ذِكرِ النَّوعِ، بأنْ يَقولَ: ثَوبًا هَرَويًّا؛ فإذا سَكَتَ عنه كَثُرَتِ الجَهالةُ، فلَمْ يَصحَّ التَّوكيلُ.

وكذا إذا قالَ: اشتَرِ لي دارًا، لا يَصحُّ؛ لأنَّ بينَ الدَّارِ والدَّارِ تَفاوُتًا فاحِشًا؛ فَإنْ عيَّن الدَّارَ يَجوزُ، وإنْ لَم يُعيِّنْ، ولكنَّه بينَ الثَّمَنَ، جازَ أيضًا، ويَقَعُ على دُورِ المِصرِ الذي وقَع فيه الوَكيلُ؛ لأنَّ الجَهالةَ تَقِلُّ بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عن أبي يُوسفَ أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ حتى يُعيِّنَ مِصرًا مِنْ الأمصارِ، ولو قالَ: اشتَرِ لي دارًا في مَوضِعِ كذا، أو حَبَّةَ لُؤلُؤٍ أو اشتَرِ لي ياقوتًا أحمَرَ، ولَم يُسَمِّ الثَّمَنَ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ مُتَفاحِشٌ،

والصِّفةَ لا تَصيرُ مَعلومةً بحالِ المُوكِّلِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ الثَّمَنِ.

وإنْ كانَ اسمُ ما وقَع التَّوكيلُ بشِرائِه لا يَقَعُ إلَّا على نَوعٍ واحِدٍ يُكتَفَى فيه بذِكرِ أحَدِ أمرَيْنِ، إمَّا الصِّفةِ، بأنْ قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا تُركيًّا، وإمَّا مِقدارِ الثَّمَنِ، بأنْ قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا بألْفِ دِرهَمٍ؛ لأنَّ الجَهالةَ تَقِلُّ بذِكْرِ أحَدِهِما، وبِحالِ المُوكِّلِ؛ لأنَّ الصِّفةَ تَصيرُ مَعلومةً بذِكرِ الثَّمَنِ، وإنْ لَم يَذكُرْها، وإذا ذكَر الصِّفةَ يَصيرُ الثَّمَنُ مَعلومًا بحالِ الآمِرِ فيما يَشتَريه أمثالُه عادةً، حتى إنَّه لو خرَج المُشتَرِي عن عادةِ أمثالِه لا يَلزَمُ المُوكِّلَ، كذا رُوِيَ عن أبي يُوسفَ فيمَن قالَ: اشتَرِ لي خادِمًا مِنْ جِنسِ كذا، أنَّ ذلك يَقَعُ على ما يَتعامَلُه النَّاسُ مِنْ ذلك الجِنسِ؛ فإنْ كانَ الثَّمَنُ كَثيرًا لا يَتعامَلُ النَّاسُ به، لَم يَجُزْ على الآمِرِ.

وكذا البَدَويُّ إذا قالَ: اشتَرِ لي خادِمًا حَبَشيًّا، فهو على ما يَعتادُه أهلُ الباديةِ، وهذا كلُّه اعتِبارُ حالِ المُوكِّلِ.

فَإنْ لَم يُذكَرْ أحَدُهما أصْلًا فالوَكالةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ الجَهالةَ فَحُشَتْ بتَركِ ذِكرِهِما جَميعًا، فمَنعَتْ صِحَّةَ الوَكالةِ.

ولو قالَ: اشتَرِ لي حِمارًا أو بَغلًا أو فرَسًا أو بَعيرًا، ولَم يَذْكُرْ له صِفةً، ولا ثَمَنًا، قالوا: إنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ النَّوعَ صارَ مَعلومًا بذِكْرِ الحِمارِ والبَغلِ والفَرَسِ والبَعيرِ، والصِّفةُ تَصيرُ مَعلومةً بحالِ المُوكِّلِ، وكذا الثَّمَنُ، فيُنظَرُ إنِ اشترَى حِمارًا بمِثلِ قِيمَتِه أو بأقَلَّ أو بأكثَرَ، قَدْرَ ما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه، جازَ على المُوكِّلِ، إذا كانَ الحِمارُ ممَّا يَشترِي مثلَه المُوكِّلُ، وإنْ كانَ ممَّا لا

يَشترِي مثلَه المُوكِّلُ لا يَجوزُ على المُوكِّلِ، ويَلزَمُ الوَكيلَ، وإنِ اشتَراه بمِثلِ قِيمَتِه، نحوَ أنْ يَكونَ المُوكِّلُ مُكاريًا، فاشترَى الوَكيلُ حِمارًا مِصريًّا يَصلُحُ لِلرُّكوبِ؛ لأنَّ مثلَه يَشترِي الحِمارَ لِلعَملِ، والحَملِ، لا لِلرُّكوبِ.

ولو قالَ: اشتَرِ لي شاةً أو بَقَرةً، ولَم يَذكُرْ صِفةً ولا ثَمَنًا، لا يَجوزُ؛ لأنَّ الشَّاةَ والبَقَرةَ لا تَصيرُ مَعلومةَ الصِّفةِ بحالِ المُوكِّلِ، ولا بدَّ أنْ يَكونَ أحَدُهما مَعلومًا، لِمَا بينَا.

ولو قالَ: اشتَرِ لي حِنطةً، لا يَصحُّ التَّوكيلُ، ما لَم يَذكُرْ أحَدَ شَيئَيْنِ، إمَّا قَدْرَ الثَّمَنِ، وإمَّا قَدْرَ المُثمَّنِ، وهو المَكِيلُ؛ لأنَّ الجَهالةَ لا تَقِلُّ إلَّا بذِكْرِ أحَدِهِما، وعلى هذا جَميعُ المُقدَّراتِ، مِنْ المَكِيلاتِ والمَوزوناتِ.

ولو وكَّله لِيَشتَريَ له طَيلَسانًا، لا يَصحُّ إلَّا بعدَ بَيانِ الثَّمَنِ والنَّوعِ؛ لأنَّ الجَهالةَ لا تَقِلُّ إلَّا بعدَ بَيانِ أحَدِهما (١).

وقالَ الزَّيلَعِيُّ رحمة الله عليه: الأصْلُ أنَّ الجَهالةَ إذا كانَتْ تَمنَعُ الِامتِثالَ، ولا يُمكِنُ دَرْكُها، تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإلَّا فلا، والجَهالةُ ثَلاثةُ أنواعٍ:

جَهالةٌ فاحِشةٌ: وهي الجَهالةُ في الجِنسِ، فتَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، سَواءٌ بينَ الثَّمَنَ أو لَم يُبيِّنْ، كما لو وكَّله بشِراءِ ثَوبٍ أو دَابَّةٍ، أو نحوِ ذلك.

جَهالةٌ يَسيرةٌ: وهي ما كانَتْ في النَّوعِ المَحضِ، كما لو وكَّله بشِراءِ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٣، ٢٤)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٣٢، ٢٣٣)، و «فتاوى السعدي» (٢/ ٥٩٦، ٥٩٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٧٨، ٤٨٠)، و «اللباب» (١/ ٥٥٦، ٥٥٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٧/ ٢٩٨، ٢٩٩).

فَرَسٍ أو حِمارٍ، أو ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ أو مَرويٍّ أو نحوِ ذلك؛ فإنَّه تَجوزُ الوَكالةُ به، وإنْ لَم يُبيِّنِ الثَّمَنَ، وقالَ بِشْرٌ: لا تَجوزُ، والحُجَّةُ عليه ما رُوِيَ أنَّه عليه الصلاة والسلام «وكَّل حَكيمَ بنَ حِزامٍ بشِراءِ شاةٍ لِلأُضحيَّةِ»، ولأنَّ جَهالةَ النَّوعِ لا تُخِلُّ بالمَقصودِ، ويُمكِنُ دَفعُها بصَرفِ التَّوكيلِ إلى ما يَليقُ بحالِ المُوكِّلِ، حتى لو أنَّ عامِّيًّا وكَّل رَجُلًا بشِراءِ فَرَسٍ، فاشترَى فَرَسًا يَصلُحُ لِلمُلوكِ لَا يَلزَمُه.

جَهالةٌ بينَ النَّوعِ والجِنسِ: كما لو وكَّله بشِراءِ عَبدٍ أو جاريةٍ، إنْ بينَ الثَّمَنَ أوِ النَّوعَ، بأنْ قالَ: عَبدًا تُركِيًّا أو حَبَشيًّا، أو نحوَ ذلك، جازَتِ الوَكالةُ، وإنْ لَم يُبيِّنْ واحِدًا مِنهُما لَم تَجُزْ؛ لأنَّه ببَيانِ الثَّمَنِ يُعلَمُ مِنْ أيِّ نَوعٍ يُريدُ، وبِبَيانِ النَّوعِ يُعلَمُ ثَمَنُه، فتَبقَى الجَهالةُ بعدَ ذلك يَسيرةً، وهي لا تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، بخِلافِ ما إذا كانَتِ الجَهالةُ في الجِنسِ، حيثُ تَمنَعُ صِحَّةَ الوَكالةِ، وإنْ بينَ الثَّمَنَ؛ لأنَّه بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمَنِ يُوجَدُ مِنْ كلِّ نَوعٍ، فلا يُفيدُ المَعرِفةَ (١).

ذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا بالنَّصِّ أو القَرينةِ أو العادةِ، فلَو قالَ: وَكَّلتُكَ، لَم يُفِدْ حتى يُقيِّدَه بالتَّفويضِ، أو بأمْرٍ مَخصوصٍ.

وإذا كانَ لَفظُ المُوكِّلِ عامًّا؛ فإنَّه يَتخصَّصُ بالعُرفِ، كما إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ دَوابِّي، وكانَ العُرفُ يَقتَضي تَخصيصَ ذلك ببعضِ أنواعِ

(١) «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٥٨، ٢٥٩).

الدَّوابِّ؛ فإنَّه يَتخصَّصُ، وكذا إذا قالَ: وَكَّلتُكَ على بَيعِ هذه السِّلعةِ؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ عامٌّ في بَيعِها في كلِّ مَكانٍ وزَمانٍ؛ فإذا كانَ العُرفُ إنَّما تُباعُ هذه السِّلعةُ في سُوقٍ مَخصوصٍ، أو في زَمانٍ مَخصوصٍ، يُخصَّصُ هذا العُمومُ، وكذا إذا كانَ الشَّيءُ المُوكَّلُ عليه مُطلَقًا، فإنَّه يَتقيَّدُ بالعُرفِ، كما لو قالَ: اشتَرِ لي؛ فإنَّه يَتقيَّدُ بما يَليقُ به، ولا يَتجاوَزُه الوَكيلُ إلى غيرِ ما وُكِّلَ عليه، سَواءٌ كانَ مُعيَّنًا بالنَّصِّ أو مُخصَّصًا أو مُقيَّدًا، وتُخصَّصُ وتُقيَّدُ بالعُرفِ (١).

وَهذه بعضُ صُوَرِ الوَكالةِ الخاصَّةِ عندَ الشَّافِعيَّةِ:

قالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الوَكالةُ الخاصَّةُ ففيها صُوَرٌ:

إحداها: لو وكَّله في بَيعِ جَميعِ أموالِه، أو قَضاءِ دُيونِه واستِيفائِها، صَحَّ قَطعًا، ولا يُشترَطُ كَونُ أموالِه مَعلومةً، على الصَّحيحِ، وكَلامُ البَغَويِّ يَقتَضي اشتِراطَه.

وفي «فَتاوَى القَفَّالِ»: لو قالَ: وَكَّلتُكَ في استِيفاءِ دُيوني على النَّاسِ جازَ، وإن كانَ لا يُعرَفُ مَنْ عليه الدَّيْنُ، وأنَّه واحِدٌ، أو جَماعةٌ كَثيرةٌ، وأيُّ جِنسٍ ذلك الدَّينُ.

أمَّا إذا قالَ: بِعْ بعضَ مالي أو طائِفةً مِنه، أو سَهمًا، فلا يَصحُّ؛ لِجَهالَتِه مِنْ الجُملةِ.

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٧، ٥٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٤٧، ١٤٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٠، ٧١)، و «منح الجليل» (٦/ ٦٣٨).

وَكَأنَّ الشَّرطَ أنْ يَكونَ المُوكَّلُ فيه مَعلومًا، أو كانَ يَسهُلُ عِلمُه.

ولو قالَ: بِعْ ما شِئتَ مِنْ مالي أوِ اقبِضْ ما شِئتَ مِنْ دُيوني، جازَ، ذَكَراه في المُهذَّبِ والتَّهذيبِ.

وفي الحِليةِ ما يُخالِفُهُ؛ فإنَّه قالَ: لو قالَ: بِعْ مَنْ رَأيتَ مِنْ عَبيدي، لَم يَصحَّ، حتى يُميِّزَ.

قُلتُ: هذا المَذكورُ عن المُهذَّبِ هو الصَّحيحُ المَعروفُ.

قالَ في «التَّهذيبُ»: ولا يَجوزُ أنْ يَبيعَ الكلَّ، إلَّا أنْ يَقبِضَ الكلَّ.

وأمَّا قَولُ صاحِبِ الحِليةِ ففي البَيانِ أيضًا عن ابنِ الصَّبَّاغِ نَحوُه؛ فإنَّه قالَ: لو قالَ: بِعْ ما تَراه مِنْ مالي، لَم يَجُزْ، ولو قالَ: ما تَراه مِنْ عَبيدي، جازَ، وكِلَاهُما شاذٌّ ضَعيفٌ.

وهذا النَّقلُ عن الحِليةِ إنْ كانَ المُرادُ به الحِليةَ لِلرُّويانيِّ، فغَلَطٌ؛ فإنَّ الذي في حِليةِ الرُّويانيِّ: لو قالَ: بِعْ مِنْ عَبيدي هَؤُلاءِ الثَّلاثةِ مَنْ رَأيتَ، جازَ ولا يَبيعُ الجَميعَ؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ، ولو وكَّله أنْ يُزوِّجَه مَنْ شاءَ جازَ، ذكَره القاضي أبو حامِدٍ، وهذا لَفظُ الرُّويانيِّ في الحِليةِ بحُروفِه.

وَقَدْ صرَّح إمامُ الحَرمَيْنِ والغَزاليُّ في «البَسيطِ» بأنَّه إذا قالَ: بِعْ مَنْ شِئتَ مِنْ عَبيدِي، لا يَبيعُ جَميعَهم؛ لأنَّ (مِنْ) لِلتَّبعيضِ.

فَلَو باعَهم إلَّا واحِدًا جازَ، قالَ أصحابُنا: لو قالَ: بِعْ هذا العَبدَ أو هذا، لَم يَصحَّ. ولو وكَّله لِيَهَبَ مِنْ مالِه ما يَرَى قالَ في «الحاوي»: لا يَصحُّ، وقِياسُ ما سبَق أنَّه يَصحُّ، واللَّهُ أعلَمُ.

الصُّورةُ الثَّانيةُ: التَّوكيلُ في الشِّراءِ:

ولا يَكفي فيه أنْ يَقولَ: اشتَرِ لي شَيئًا أو حَيَوانًا أو رَقيقًا، بَلْ يُشترَطُ أنْ يُبيِّنَ أنَّه عَبدٌ أو أَمَةٌ، والنَّوعَ كالتُّركيِّ والهِنديِّ وغيرِهِما، ولا يُشترَطُ استِقصاءُ أوصافِ السَّلَمِ، ولا ما يَقرُبُ مِنها بلا خِلافٍ.

فَإنِ اختَلفَتْ أصنافُ نَوعٍ اختِلافًا ظاهِرًا، قالَ الشَّيخُ أبو مُحمَّدٍ: لا بدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصِّنفِ، وأمَّا الثَّمَنُ فلا يُشترَطُ بَيانُ قَدْرِه على الأصَحِّ.

وَعلى الثَّاني يُشترَطُ بَيانُ قَدْرِه، أو غايَتِه، بأنْ يَقولَ: مِنْ مِئةٍ إلى ألْفٍ.

وَحَكَى صاحِبُ «التَّقريبِ» وَجهًا، أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ بشِراءِ عَبدٍ مُطلَقًا، وهذا الوَجهُ ضَعيفٌ جِدًّا. وإذا كان قولُه: اشتَرِ شَيئًا، كانَ أبعَدَ.

قُلتُ: ذكَر في «البَسيطِ» تَرَدُّدًا في قَوله: اشتَرِ شَيئًا، تَفريعًا على هذا الوَجْهِ، واللَّهُ أعلَمُ.

ولو قالَ: اشتَرِ لي عَبدًا كما تَشاءُ، فقيلَ: يَصحُّ، كما لو قالَ في القِراضِ: اشتَرِ مَنْ شِئتَ مِنْ العَبيدِ، والصَّحيحُ الذي عليه الأكثَرونَ: لا يَصحُّ، والفَرقُ أنَّ المَقصودَ هُناكَ الرِّبحُ، والعامِلُ أَعرَفُ به.

ولو وكَّله في شِراءِ دارٍ يُشترَطُ ذِكْرُ المَحَلَّةِ والسِّكَّةِ، وفي الحانوتِ يُذكَرُ السُّوقُ، وعلى هذا القياسُ.

قُلتُ: وفي ذِكرِ الثَّمَنِ الوَجهانِ، واللَّهُ أعلَمُ.

الصُّورةُ الثَّالثةُ: التَّوكيلُ في الإبراءِ: يُشترَطُ فيه عِلمُ المُوكِّلِ إذا قُلْنا بالأظهَرِ: إنَّه لا يَصحُّ الإبراءُ عن المَجهولِ، كما سبَق في كِتابِ الضَّمانِ. ولا

يُشترَطُ عِلمُ الوَكيلِ على الأصَحِّ، وبِه قطَع القاضي والغَزاليُّ.

وفي المُهذَّبِ، والتَّهذيبِ اشتِراطُ عِلمِه بجِنسِه وقَدْرِه، كما لو قالَ: (بِعْ) بما باعَ به فُلانٌ فَرَسَه؛ فإنَّه يُشترَطُ لصحَّةِ البَيعِ عِلمُ الوَكيلِ دونَ المُوكِّلِ.

ولا يُشترَطُ في الإبراءِ عِلمُ مَنْ عليه الحَقُّ على الصَّحيحِ، والخِلافُ فيه مَبنيٌّ على ما سبَق أنْ الإبراءَ إسقاطٌ أو تَمليكٌ.

فَإنْ قُلْنا: تَمليكٌ: اشتُرِطَ عِلمُه، كالمُتَّهِبِ، وإلَّا فلا.

ثم إنْ كانَتْ صِيغَتُه: أَبْرِئْ فُلانًا عن دَيْنِي، أبرَأه عن جَميعِه، وإنْ قالَ: عن شَيءٍ مِنه، أبرَأَه عن قَليلٍ مِنه، وإنْ قالَ: عَمَّا شِئتَ، أبرَأَه عَمَّا شاءَ، وأبقَى شَيئًا.

قُلتُ: قَولُه: أبْرِئْهُ عن قَليلٍ مِنه، يَعني أقَلَّ ما يُطلَقُ عليه اسمُ الشَّيءِ، كذا صرَّح به في التَّتِمَّةِ، وهو واضِحٌ.

ولو قالَ: أَبْرِئْهُ عن جَميعِه، فأبرَأَ عن بعضِه، جازَ، بخِلافِ ما لو باعَ بعضَ ما أمَرَه ببَيعِه، واللَّهُ أعلَمُ.

الصُّورةُ الرَّابِعةُ: قالَ: وَكَّلتُكَ في مُخاصَمةِ خَصْمَيَّ، وأطلَقَ، صَحَّ على الأصَحِّ، وصارَ وَكيلًا في جَميعِ الخُصوماتِ.

وقيلَ: يُشترَطُ تَعيينُ مَنْ يُخاصِمُه، لِاختِلافِ الغَرَضِ به (١).

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٩، ٢٠١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٦، ٣٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٩، ٣٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٨)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٩، ٨٥٠)، و «إعانة الطالبين» (٣/ ١٦٩، ١٧٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.

وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة

الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.

الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.

الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة

الْبَابُ الثَّانِي

فِي الْأَحْكَامِ

وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.

فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 132 - 141

ارجع إلى أنواع الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر