الإسلام > الشركات والإجارات > الاختلاف بين المؤجر والمستأجر > الاختلاف في التعدي على العين المستأجرة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءة٥ - الِاختِلافُ في التَّعدِّي على العَينِ المُستَأجَرةِ:
إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في التَّعدِّي في العَينِ المُستَأجَرةِ، فذَهَبَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قولُ المُستَأجِرِ؛ لأنَّه أمينٌ، فأشبَهَ المُودِعَ، ولأنَّ الأصْلَ البَراءةُ مِنْ الضَّمانِ وعَدَمُ العُدوانِ.
وقالَ الشافِعيَّةُ: وإنْ هَلَكَتِ العَينُ فادَّعَى الأجيرُ أنَّها هَلَكَتْ بعدَ العَملِ، وأنَّه يَستَحقُّ الأُجرةَ، وأنكَرَ المُستَأجِرُ، فالقولُ قولُ المُستَأجِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ العَملِ وعَدَمُ البَدَلِ (١).
٦ - اختِلافُ الخيَّاطِ ورَبِّ الثَّوبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لَوِ اختَلفَ الخيَّاطُ ورَبُّ الثَّوبِ بأنْ قالَ ربُّ الثَّوبِ: أمَرتُكَ أنْ تَقطَعَه قَباءً، وقالَ الخيَّاطُ: أمَرتَني أنْ أقطَعَه قَميصًا، هَلِ القولُ قولُ الخيَّاطِ أو قولُ ربِّ الثَّوبِ؟
فَقالَ الحَنفيَّةُ: القولُ قولُ ربِّ الثَّوبِ مع يَمينِه؛ لأنَّ الإذْنَ مُستَفادٌ مِنْ قِبَلِ صاحِبِ الثَّوبِ، فكانَ القولُ في صِفةِ الإذْنِ قَولَه، ولِهَذا لَو وقعَ الخِلافُ في أصْلِ الإذْنِ بالقَطعِ، فقالَ صاحِبُ الثَّوبِ: لَم آذَنْ بالقَطعِ، كانَ القولُ قَولَه، وكَذا إذا قالَ: لَم آذَنْ بقَطعِه قَميصًا.
والخيَّاطُ ضامِنٌ قِيمةَ الثَّوبِ، وإنْ شاءَ ربُّ الثَّوبِ أخَذَ الثَّوبَ وأعطاه أجْرَ مِثلِه لا يُجاوِزُ به المُسمَّى (٢).
(١) «المهذب» (١/ ٤٠٩)، و «البيان» (٧/ ٤٠٠)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٢٥)، و «المغني» (٥/ ٣٢٦)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٣٧)، و «المبدع» (٥/ ١١٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢١٩)، و «الهداية» (٣/ ٢٤٩)، و «العناية» (١٢/ ٤٥٧)، و «الهندية» (٤/ ٩٦).
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قولُ الخيَّاطِ أو الصَّانِعِ.
وأمَّا المالِكيَّةُ؛ فقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: (بابُ القَضاءِ فيما يُعطَى العُمالُ):
قالَ مالِكٌ فيمَن دفعَ إلى الغسَّالِ ثَوبًا يَصبُغُه فصَبَغَه، فقالَ صاحِبُ الثَّوبِ: لَم آمُرْكَ بهذا الصَّبغِ، وقالَ الغسَّالُ: بَلْ أنتَ أمَرتَني بذلك، فإنَّ الغسَّالَ مُصدَّقٌ في ذلك، وإنَّ الخيَّاطَ مِثلُ ذلك، وإنَّ الصَّائِغَ مِثلُ ذلك، ويَحلِفونَ على ذلك، إلَّا أنْ يَأتوا بأمْرٍ لا يُستَعمَلونَ في مِثلِه، فلا يَجوزُ قولُهم في ذلك، ولْيَحلِفْ صاحِبُ الثَّوبِ، فإنْ ردَّها وأبَى أنْ يحلِفَ حلَف الصَّباغُ.
قالَ أبو عُمرَ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في هذه المَسألةِ ومِثلِها:
فَمِنهم مَنْ قالَ كَقَولِ مالِكٍ: (القولُ قولُ العُمالِ).
وَمِنهم مَنْ قالَ: القولُ قولُ ربِّ الثَّوبِ.
والأصْلُ في هذا مَعرِفةُ المدَّعِي على المدَّعَى عليه، والقولُ أبدًا عندَ جَميعِهم قولُ المدَّعَى عليه، إنْ لَم تكُنْ للمدَّعِي بيِّنةٌ.
فمَن جعلَ ربَّ الثَّوبِ مدَّعيًا، فلأنَّه قد أقرَّ بأنَّه أذِنَ للصَّباغِ في صَبغِ الثَّوبِ، ثم ادَّعَى أنَّه لَم يَعمَلْ له ما أمَرَه به، وكذلك الخيَّاطُ قد أقَرَّ له ربُّ الثَّوبِ بأنَّه أذِنَ له في قَطعِه، ثم ادَّعَى بَعدُ أنَّه لَم يَقطَعْه القَطعَ الذي أمَرَه به لِيَمضِيَ عَملُه باطِلًا.
وَمَنْ جعلَ القَولَ قَولَ ربِّ الثَّوبِ، فحُجَّتُه أنَّ الصَّباغَ أحدَثَ في ثَوبِ
غَيرِه ما لَم يُوافِقْه عليه ربُّه، ولا بيِّنةَ لَه، وصارَ مدَّعيًا، وصارَ ربُّ الثَّوبِ مُنكِرًا لِدَعْواه، أنَّه أذِنَ له في ذلك العَملِ، فالقولُ قولُه؛ لِإجماعِهم أنَّهما لَوِ اتَّفَقا على أنَّه استَأجَرَه على عَملٍ، ثم ادَّعَى أنَّه عَمِلَه، فقالَ ربُّ المالِ: لَم يَعمَلْه، فالقولُ قولُ ربِّ العَملِ.
وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في كِتابِ «اختِلافُ ابنِ أبي لَيلى وأبي حَنيفَةَ»: لَوِ اختَلفا في ثَوبٍ، فقالَ له ربُّه: أمَرتُكَ أنْ تَقطَعَه قَميصًا، وقالَ الآخَرُ: بَلْ قَباءً.
قالَ ابنُ أبي لَيلى رحمة الله عليه: القولُ قولُ الخيَّاطِ؛ لاجتِماعِهما على القَطعِ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ رحمة الله عليه: القولُ قولُ ربِّ الثَّوبِ، قالَ: لأنَّهما قد اجتَمَعا؛ لأنَّه قد أمَرَه بالقَطعِ، فلَم يَعمَلْ له عَملَه، كَما لَوِ استَأجَرَه على حَمْلِ شَيءٍ بإجارةٍ، فقالَ: لَقَدْ حَمَلتُه، لَم يكُنْ ذلك إلَّا بإقرارِ صاحِبِه.
قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وهذا أشبَهُ القوليْنِ، وكِلاهُما مَدخولٌ.
قالَ المُزنيُّ رحمة الله عليه: هو كَما قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّه لا خِلافَ أعلَمُه بَينَهم أنَّه مَنْ أحدَثَ حَدَثًا فيما لا يَملِكُ فإنَّه مَأخوذٌ بحَدَثِه، وأنَّ الدَّعوَى لا تَنفَعُه، والخيَّاطُ مُقِرٌّ بأنَّ الثَّوبَ لِربِّه، وأنَّه أحدَثَ حَدَثًا وادَّعَى، وإجازَتُه عليه، فإنْ أقامَ بيِّنةً على دَعواه وإلَّا حلَف صاحِبُه وضَمِنَ ما أحدَثَه في ثَوبِه.
قالَ أبو عُمرَ رحمة الله عليه: المدَّعِي متى أشكَلَ أمْرُه مِنْ المدَّعَى عليه فواجِبٌ الِاعتِبارُ فيه، هَلْ هو آخِذٌ أو دافِعٌ؟ وهَل يَطلُبُ استِحقاقَ شَيءٍ على غَيرِه أو يَنفِيهِ؟ فالطَّالِبُ أبدًا مدَّعٍ، والدَّافِعُ المُنكِرُ مدَّعَى عليه، فقِفْ
على هذا الأصْلِ تُصِبْ إنْ شاءَ اللَّهُ ﷾ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ قالَ الخيَّاطُ لربِّ الثَّوبِ أذِنتَ لي في تَفصيلِه قَباءً، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: بَلْ أذِنتُ في تَفصيلِه قَميصًا، فالقولُ قولُ الخيَّاطِ، أو قالَ الخيَّاطُ: أذِنتَ في تَفصيلِه قَميصَ امرَأةٍ، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: بَلْ أذِنتُ في تَفصيلِه قَميصَ رجُلٍ، فالقولُ قولُ الخيَّاطِ بيَمينِهِ؛ لأنَّ الأجيرَ والمُستَأجِرَ اتَّفقَا على الإذْنِ واختَلفا في صِفَتِه، فكانَ القولُ قَولَ المَأذونِ، كالمُضارِبِ إذا قالَ: أذِنتَ لي في البَيعِ نِساءً، ولأنَّهما اتَّفَقا على مِلْكِ الخيَّاطِ القَطعَ، والظَّاهِرُ أنَّه فعلَ ما ملكَه، واختَلفا في لُزومِ الغُرمِ لَه، والأصْلُ عَدَمُه.
وَلِلخيَّاطِ أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه ثبَتَ وُجودُ فِعلِه المَأذونِ فيه، ولا يَستَحقُّ المُسمَّى؛ لأنَّه لا يثبُتُ بمُجرَّدِ دَعواه، ومِثلُ الخيَّاطِ صَبَّاغٌ ونَحوُه، كَصائِغٍ وغيرِه مِنْ الأُجَراءِ، اختَلفَ هو -أي: الصَّباغُ- وصاحِبُ الثَّوبِ في لَونِ الصَّبغِ، بأنْ قالَ: أذِنتَ لي في صَبغِه أسوَدَ، وقالَ ربُّ الثَّوبِ: بَلْ أذِنتُ في صَبغِه أحمَرَ ونَحوَه، فيُقبَلُ قولُ الصَّباغِ، ولَه أُجرةُ مِثلِه (٢).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فعِندَهم تَفصيلٌ كَبيرٌ في المَسألةِ بيَّنَه العِمرانيُّ الشافِعيُّ، حَيثُ قالَ: إذا دفعَ إلى خيَّاطٍ ثَوبًا، فقَطَعَه قَباءً، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: أمَرتُكَ أنْ تَقطَعَه قَميصًا، وقالَ الخيَّاطُ: بَلْ أمَرتَني أنْ أقطَعَه قَباءً. فقَد ذكرَها الشافِعيُّ رحمة الله عليه في (اختِلافِ العِراقِيِّينَ)، ونقلَها المُزنيُّ، فقالَ: فيها قولانِ:
(١) «الاستذكار» (٧/ ٢١٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٦٣)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٣١)، و «المبدع» (٥/ ١١٣)، و «الإنصاف» (٦/ ٧٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٧١).
أحَدُهما: القولُ قولُ الخيَّاطِ، وهو قولُ ابنِ أبي لَيلى.
والآخَرُ: أنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ، وهو قولُ أبي حَنيفَةَ.
قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وهذا أشبَهُ، وكِلاهُما مَدخولٌ؛ لأنَّ الخيَّاطَ يدَّعي الأُجرةَ، ويَنفي الغُرمَ، ولأنَّ ربَّ الثَّوبِ يدَّعي الغُرمَ، ويَنفي الأُجرةَ. ولا أقبَلُ قَولَهما، وأرُدُّهما إلى أصْلِ السُّنةِ، فيتَحالَفانِ.
وقالَ في «الإملاء»: إذا دفعَ إلى صَبَّاغٍ ثَوبًا، فصَبَغَه أسوَدَ، فقالَ ربُّ الثَّوبِ: أمَرتُك أنْ تَصبُغَه أحمَرَ، فقالَ الصَّباغُ: بَلْ أمَرتَني أنْ أصبُغَه أسوَدَ؛ أنَّهما يَتحالَفانِ، وعَلَى الصَّباغِ أرشُ النَّقصِ. واختَلفَ أصحابُنا في المَسألةِ على ثَلاثةِ طُرُقٍ:
فالأول: قالَ أكثَرُهم: هي على قوليْنِ:
أحَدُهما: أنَّ القولَ قولُ الخيَّاطِ.
والآخَرُ: أنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ.
والطَّريقُ الثَّاني: مِنهم مَنْ قالَ: فيها ثَلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: القولُ قولُ الخيَّاطِ.
والثَّاني: أنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ.
والثَّالث: أنَّهما يتحالَفانِ.
والطَّريقُ الثَّالث: قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ رحمة الله عليه: الأشبَهُ بالمَذهبِ: أنَّها على قولٍ واحدٍ، وأنَّهما يتحالَفانِ؛ لأنَّ الشافِعيَّ ذكرَ القوليْنِ في (اختِلافُ العِراقِيِّينَ)، وطَعَنَ عليهما، ولَمَّا ذكرَ التَّحالُفَ لَم يَطعَنْ فيه.
فَإذا قُلنا: القولُ قولُ الخيَّاطِ فوَجْهُه: أنَّه قد ملكَ القَطعَ لِاتِّفاقِهِما عليه، فكانَ الظَّاهِرُ أنَّه إنَّما فعلَ ما ملكَه، فكَيف يحلِفُ؟
قالَ ابنُ الصَّباغِ رحمة الله عليه: يحلِفُ باللَّهِ: ما أذِنتَ لي في قَطعِه قَميصًا، ولَقَد أذِنتَ لي في قَطعِه قَباءً.
وقالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ رحمة الله عليه: يحلِفُ: أنَّ ربَّ الثَّوبِ أذِنَ له في قَطعِه قَباءً.
فَإذا حلَف لَم يَلزَمْه الغُرمُ؛ لأنَّه حقَّقَ بيَمينِه أنَّه مَأذونٌ له فيما فعلَه، وهَل يَستَحقُّ أُجرةً؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَستَحقُّ؛ لأنَّه يَسقُطُ بيَمينِه ما يُدَّعَى عليه مِنْ الغُرمِ، فلا يَجوزُ أنْ يُثبِتَ بيَمينِه حقًّا له.
والآخَرُ: أنَّه يَستَحقُّ؛ لأنَّا حَكَمْنا بيَمينِه أنَّه مَأذونٌ له بالقَطعِ، فاستَحقَّ الأُجرةَ.
فَإذا قُلْنا بهَذا، فأيُّ أُجرةٍ يَستَحقُّ؟
قالَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ رحمة الله عليه: فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: الأُجرةُ التي ادَّعاها أنَّها مُسمَّاةٌ في العَقدِ؛ لأنَّا قَبِلْنا قَولَهُ: إنَّ ربَّ الثَّوبِ أذِنَ لي، فوجبَ له ما اقتَضاه الإذنُ.
والآخَرُ: لا يَستَحقُّ المُسمَّى، وإنَّما يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ؛ لأنَّا لَو قَبِلْنا قَولَه لَم يُؤمَنْ أنْ يدَّعيَ ألفًا، وأُجرةُ مِثلِه دِرهَمٌ.
وَذكرَ الشَّيخُ أبو حامِدُ، والمَحامِليُّ، وابنُ الصَّباغِ: أنَّه يَستَحقُّ المُسمَّى، وَجهًا واحِدًا.
قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ رحمة الله عليه: ما رَأيتُ أحَدًا مِنْ أصحابِنا يَقولُ: يَستَحقُّ المُسمَّى، وإنْ كانَ القياسُ يَقتَضي ذلك.
قُلتُ: والذي يَقتَضيه المَذهَبُ: أنَّ الشَّيخَ أبا حامِدٍ، ومَن قالَ: يَستَحقُّ أُجرةَ المِثلِ، ولا يَستَحقُّ المُسمَّى، أرادوا: إذا كانَ ما يدَّعيه مِنْ المُسمَّى أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ، فأمَّا إذا كانَ الذي يدَّعيه مِنْ المُسمَّى أقَلَّ مِنْ أُجرةِ المِثلِ استَحقَّ ذلك، وَجهًا واحِدًا، إذا قُلْنا: إنَّه يَستَحقُّ الأُجرةَ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يُوجِبَ له أكثَرَ ممَّا يدَّعيه.
وَإذا قُلْنا: إنَّ القولَ قولُ ربِّ الثَّوبِ -قالَ في (التَّعليق): وهو الأصَحُّ- فوَجْهُهُ: قولُه: «البيِّنةُ على مَنِ ادَّعَى، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ (١). والخيَّاطُ يدَّعِي على ربِّ الثَّوبِ الإذْنَ، ولأنَّهما لَوِ اختَلفا في أصْلِ الإذْنِ لَكانَ القولُ قَولَ ربِّ الثَّوبِ، فكذلك إذا اختَلفا في صِفَتِه.
قالَ ابنُ الصَّباغِ رحمة الله عليه: وعِندي: أنَّه يَكفيه أنْ يَحلِفَ أنَّه ما أذِنَ له في قَطعِه قَباءً، ولا يَحتاجُ إلى إثباتِ إذْنِه في قَطعِ القَميصِ، فإذا حلَف وجبَ الغُرمُ على الخيَّاطِ؛ لأنَّه أثبَتَ بيَمينِه أنَّ الخيَّاطَ غيرُ مَأذونٍ له في قَطعِه، والقَطعُ بغَيرِ إذْنٍ يُوجِبُ الغُرمَ، وفي قَدْرِ الغُرمِ قولانِ:
أحَدُهما: يَجِبُ ما بينَ قِيمةِ الثَّوبِ صَحيحًا ومَقطوعًا قَباءً؛ لأنَّه تَعدَّى بقَطعِه قَباءً، فلَزِمَه أرشُ القَطعِ.
(١) تَقَدَّمَ.
والآخَرُ: يَلزَمُه ما بينَ قِيمَتِه مَقطوعًا قَميصًا ومَقطوعًا قَباءً؛ لأنَّ قَطعَ القَميصِ مَأذونٌ فيه. وهَل يَجِبُ لِلأجيرِ أُجرةٌ؟ فيه وَجهانِ:
الأولُ: قالَ أبو عَلِيِّ بنُ أبي هُرَيرةَ: يَجِبُ له أُجرةُ قَطعِ ما تحَصَّلَ مِنْ قَطعِ القَباءِ لِلقَميصِ؛ لأنَّه مَأذونٌ فيه.
والآخَرُ المَنصوصُ: أنَّه لا شَيءَ لَهُ؛ لأنَّه لَم يَقطَعْه لِلقَميصِ، فهو مُتعَدٍّ في ابتِداءِ القَطعِ.
وَإذا قُلْنا: أنَّهما يَتحالَفانِ -وهو اختيارُ الشَّيخِ أبي إسحاقَ- فوَجْهُهُ: أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما مدَّعٍ، ومدَّعًى عليه؛ لأنَّ الخيَّاطَ يدَّعِي الأُجرةَ، وربَّ الثَّوبِ يُنكِرُها، ولأنَّ ربَّ الثَّوبِ يدَّعي الأرشَ، والخيَّاطَ يُنكِرُه، فتَحالَفَا، كالمُتبايِعَيْنِ إذا اختَلفا في قَدْرِ الثَّمنِ.
فعلى هَذا: إذا حلَف أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ كانَ الحُكمُ فيه كَما لَو قُلْنا: إنَّ القَولَ قولُ الحالِفِ، وحلَف، وإنْ حلَفا لَم يَستَحقَّ الخيَّاطُ الأُجرةَ؛ لأنَّ التَّحالُفَ يُوجِبُ رَفعَ العَقدِ، ولأنَّ الخِياطةَ مِنْ غيرِ عَقدٍ لا يُستحَقُّ لَها أُجرةٌ.
وَهَل يَجِبُ على الخيَّاطِ أرشُ القَطعِ؟ فيه قولانِ:
أحَدُهما: لا يَجِبُ عليه شَيءٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما قد نَفَى بيَمينِه ما ادُّعِيَ عليه به.
والآخَرُ: يَجِبُ عليه؛ لأنَّ التَّحالُفَ يُوجِبُ رَفعَ العَقدِ، ولأنَّ القَطعَ مِنْ غيرِ عَقدٍ يُوجِبُ الضَّمانَ.
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب اختلاف المتكاريين
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* (باب اختلاف المتكاريين)
* إذا اختلف المتكاريان في مقدار المنفعة أو قدر الاجرة ولم تكن بينة تحالفا لانه عقد معاوضة فأشبه البيع وإذا تحالفا كان الحكم في فسخ الاجارة كالحكم في البيع، لان الاجارة كالبيع، فكان حكمها في الفسخ كالحكم في البيع، فان اختلفا في التعدي في العين المستأجرة فادعاه المؤجر وأنكره المستأجر، فالقول قول المستأجر، لان الاصل عدم العدوان، والبراءة من الضمان، فان اختلفا في الرد فادعاه المستأجر وأنكره المؤجر، فالقول قول المؤجر أنه لم يرد عليه، لان المستاجر قبض العين لمنفعته، فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير، وان اختلف الاجير المشترك والمستاجر في رد العين فادعى الاجير انه ردها وانكر المستاجر فان قلنا: ان الاجير يضمن العين بالقبض لم يقبل قوله في الرد، لانه ضامن فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير والغاصب.
وان قلنا: انه لا يضمن العين بالقبض فهل يقبل قوله في الرد؟ فيه وجهان كالوكيل يجعل: وقد مضى توجيههما في الوكالة، وان هلكت العين فادعى الاجير انها هلكت بعد العمل، وانه يستحق الاجرة وانكر المستاجر، فالقول قول المستاجر، لان الاصل عدم العمل وعدم البدل.
(فصل)
وان دفع ثوبا إلى خياط فقطعه قباء ثم اختلفنا فقال رب الثوب:
امرتك ان تقطعه قميصا فتعديت بقطعه قباء فعليك ضمان النقص.
وقال الخياط بل امرتي ان اقطعه قباء فعليك الاجرة، فقد حكى الشافعي رحمه الله في اختلاف العراقيين قول ابن أبى ليلى أن القول قول الخياط.
وقول أبى حنيفة رحمه الله عليه ان القول قول رب الثوب.
ثم قال: وهذا اشبه، وكلاهما مدخول.
وقال في كتاب الاجير والمستاجر: إذا دفع إليه ثوبا ليصبغه احمر نصبغه اخضر فقال: امرتك ان تصبغه احمر، فقال الصباغ: بل امرتني ان اصبغه اخضر، انهما يتحالفان.
ارجع إلى الاختلاف بين المؤجر والمستأجر للاطلاع على جميع المسائل.