الاختلاف في رد العين المستأجرة

الإسلام > الشركات والإجارات > الاختلاف بين المؤجر والمستأجر > الاختلاف في رد العين المستأجرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الاختلاف في رد العين المستأجرة - الأقوال والأدلة

لِلسَّاكِنِ بيِّنةٌ، وذلك لأنَّ سُكنَى الدَّارِ قد وُجِدَتْ مِنْ السَّاكِنِ، ووُجِدَ استِيفاءُ مَنفعَتِها، وهي مِلْكُ صاحِبِها، والقولُ قولُه في مِلْكِه، والأصْلُ عَدَمُ استِئجارِ السَّاكِنِ في الحِفظِ، فكانَ القولُ قَولَ مَنْ يَنفِيه (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا اختَلفَ المُتكارِيانِ في مِقدارِ المَنفَعةِ أو قَدْرِ الأُجرةِ، ولَم تكُنْ بيِّنةٌ، تَحالَفَا؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ، فأشبَهَ البَيعَ، وإذا تَحالَفَا فُسِخَ العَقدُ وعلى المُستَأجِرِ أُجرةُ المِثلِ؛ لِمَا استَوْفاه (٢).

٤ - الِاختِلافُ في رَدِّ العَينِ المُستَأجَرةِ:

إذا اختَلفَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ في رَدِّ العَينِ المُستَأجَرةِ، بأنِ ادَّعَى المُستَأجِرُ رَدَّها، وأنكَرَه المُؤجِّرُ، بأنْ قالَ: لَم تَرُدَّها، فاختَلفَ العُلماءُ فيمَن يَكونُ القولُ قَولَه، هَلْ يُقبَلُ قولُ المُؤجِّرِ أو قولُ المُستَأجِرِ أو يُفَرَّقُ في العَينِ المُستَأجَرةِ بينَ ما إذا كانَتْ ممَّا يُغابُ عليه، وممَّا لا يُغابُ عليه؟

فذهبَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ، والحَنابِلةُ -في المَذهبِ- إلى أنَّ القَولَ قولُ المُؤجِّرِ أنَّه لَم يَرُدَّ عليه؛ لأنَّ المُستَأجِرَ قَبَضَ العَينَ لمَنفعَتِه، فلَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ، إلَّا ببيِّنةٍ على الرَّدِّ (٣).

وَهو أيضًا قولُ الشافِعيَّةِ في رَدِّ العَينِ المُستَأجَرةِ، إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في

(١) «المغني» (٥/ ٣٢٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٣٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٥٠، ٦٥١)
(٢) «المهذب» (١/ ٤٠٩)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٦٤)، و «البيان» (٧/ ٤٠٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢١١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «درر الحكام» (١/ ٥٩٨)، و «المغني» (٤/ ٢٥٩)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٣٢).

الأجيرِ المُشترَكِ، فقالوا: إنِ اختَلفا في الرَّدِّ فادَّعاه المُستَأجِرُ، وأنكَرَه المُؤجِّرُ، فالقولُ قولُ المُؤجِّرِ، أنَّه لَم يَرُدَّ عليه؛ لأنَّ المُستَأجِرَ قَبَضَ العَينَ لمَنفعَتِه، فلَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ.

وَإنِ اختَلفَ الأجيرُ المُشترَكُ والمُستَأجِرُ في رَدِّ العَينِ التي استُؤجِرَ على العَملِ فيها، فادَّعَى الأجيرُ أنَّه رَدَّها، وأنكَرَ المُستَأجِرُ، فإنْ قُلنا: إنَّ الأجيرَ يَضمَنُ العَينَ بالقَبضِ، لَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ؛ لأنَّه ضامِنٌ، فلَم يُقبَلْ قولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ والغاصِبِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّه لا يَضمَنُ العَينَ بالقَبضِ، فهَل يُقبَلُ قَولَه في الرَّدِّ؟ فيه وَجهانِ، كالوَكيلِ بجُعلٍ (١).

وَذَهَبَ الإمامُ أبو حَنيفَةَ والحَنابِلةُ في وَجْهٍ إلى أنَّ القَولَ قولُ المُستَأجِرِ؛ لأنَّه أمينٌ، وأنَّ القَولَ قولُ الأمينِ مع يَمينِه.

مثلًا: لَو طَلَب أحَدٌ مِنْ الخيَّاطِ الثَّوبَ الذي أعطاه إيَّاه لِيَخِيطَه، وادَّعَى الخيَّاطُ أنَّه أعطاه إيَّاه، فعِندَ الإمامِ يُصَدَّقُ قولُه بلا بيِّنةٍ، أمَّا عندَ الإمامَينِ فلا يُصَدَّقُ قَولَه بلا بُرهانٍ.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ الأجيرُ خاصًّا، فمَا في يَدِه يَكونُ أمانةً في قَولِهم جَميعًا، حتى لَو هَلَكَ في يَدِه بغَيرِ صُنعِه لا يَضمَنُ، أمَّا على أصْلِ أبي حَنيفَةَ فلأنَّه لَم يُوجَدْ منه صُنعٌ يَصلُحُ سَبَبًا لِوُجوبِ الضَّمانِ؛ لأنَّ القَبضَ حَصَلَ بإذْنِ المالِكِ.

(١) «المهذب» (١/ ٤٠٩، ٤١٠)، و «البيان» (٧/ ٤٠٠).

وأمَّا على أصلِهِما فلأنَّ وُجوبَ الضَّمانِ في الأجيرِ المُشترَكِ ثبَتَ استِحسانًا؛ صِيانةً لِأموالِ النَّاسِ، ولا حاجةَ إلى ذلك في الأجيرِ الخاصِّ؛ لأنَّ الأغلَب أنَّه يُسلِّمُ نَفْسَه ولا يَتسلَّمُ المالَ، فلا يُمكِنُه الخِيانةُ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ فقَد فَرَّقوا بينَ ما يُغابُ عليه، فلا يُقبَلُ قولُ المُستَأجِرِ في الرَّدِّ، وبَينَ ما لا يُغابُ عليه، فيُقبَلُ قولُه في الرَّدِّ، قالوا:

إذا ادَّعَى الصَّانِعُ رَدَّ المَصنوعِ لربِّه، وأنكَرَ رَبُّه أخْذَه، كانَ القولُ قَولَ رَبِّه بيَمينِهِ؛ لأنَّ الصَّانِعَ اعتَرفَ بقَبضِه، وادَّعَى رَدَّه، وسَواءٌ كانَ الصَّانِعُ قَبَضَه ببيِّنةٍ أو بغَيرِها، وهذا إذا كانَ المَصنوعُ ممَّا يُغابُ عليه، لأنَّ الصَّانِعَ قَبَضَ ما فيه صَنعَتُه، ويُغابُ عليه على وَجْهِ الضَّمانِ.

وأمَّا ما لا يُغابُ عليه فالقولُ لِلأجيرِ في رَدِّها، إلَّا أنْ يَكونَ قَبَضَها ببيِّنةٍ مَقصودةٍ لِلتَّوثيقِ، وإلَّا فلا تُقبَلُ دَعواه رَدًّا ولا تَلَفًا. والتَّفريقُ بينَ ما يُغابُ عليه، وبَينَ ما لا يُغابُ عليه، هو استِحسانٌ، ومَعنَى ذلك أنَّ التُّهمةَ تَلحَقُ فيما يُغابُ عليه، ولا تَلحَقُ فيما لا يُغابُ عليه.

وقالَ عَبدُ المَلكِ رحمة الله عليه: يُصَدَّقُ الصَّانِعُ في الرَّدِّ؛ لأنَّه أمينٌ، إلَّا أنْ يَقبِضَ ببيِّنةٍ، فيَكونَ الرَّدُّ بغَيرِها على خِلافِ العادةِ، فيُصدَّقَ المالِكُ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢١١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «درر الحكام» (١/ ٥٩٨)، و «المغني» (٤/ ٢٥٩)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٣٢).
(٢) «التوضيح» (٧/ ٢٣٥)، و «الذخيرة» (٥/ ٤٥٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٩٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في حكم اختلاف العاقدين في عقد الإجارة

فِي الثَّوْبِ دُفْعَةً، وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَسْتَوِي فِيهِ الِاجْتِمَاعُ، وَالِافْتِرَاقُ.

وَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ، وَهِيَ الَّتِي فَاتَهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَحُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ هُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُؤَاجِرِ فِي أَجْرِ الْمِثْلِ لَا فِي الْمُسَمَّى بِمُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ مِلْكًا فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الْمُؤَاجِرَ لَمْ يَرْضَ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ إلَّا بِبَدَلٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 622 - 624

ارجع إلى الاختلاف بين المؤجر والمستأجر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر