الإسلام > الشركات والإجارات > الاختلاف بين المؤجر والمستأجر > الاختلاف في قبض الكراء وفي جنسه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوأمَّا عن الشافِعيَّةُ فقد سُئِلَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ عَما إذا اختَلفَ المُتبايِعانِ في انقِضاءِ الأجَلِ، والمُتآجِرانِ في انقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، فهل يَتحالَفانِ أو يُصَدَّقُ أحَدُهما؟
فأجابَ بقَولِه: إنْ نَشَأَ الاختِلافُ في الانقِضاءِ مِنْ الاختِلافِ في قَدْرِ الأجَلِ مع الاتِّفاقِ على وَقتِ العَقدِ تحَالَفا، وإنِ اختَلفا في ابتِدائِه صُدَّقَ مدَّعِي بَقائِه؛ لأنَّه الأصْلُ (١).
٨ - الِاختِلافُ في قَبضِ الكِراءِ وفي جِنسِهِ:
والقولُ في القَبضِ وفي الجِنسِ لِمَنْ شاهَدَه مع حَلِفِه حالَ الزَمنِ يَعني.
قالَ المالِكيَّةُ: إذا اختَلفَ المُتكاريانِ، إمَّا في قَبضِ الكِراءِ أو في جِنسِه، فإنَّ القَولَ قولُ مَنْ شَهِدَ له حالُ الزَّمانِ مع يَمينِه، ويَعني بحالِ الزَّمانِ كُلًّا ممَّا يَليقُ به، ففي الِاختِلافِ في قَبضِ الكِراءِ يُعتبَرُ القُربُ والبُعدُ في الزَّمانِ، وفي الِاختِلافِ في الجِنسِ يُعتبَرُ عُرفُ المَكانِ في ذلك الزَّمانِ أيضًا.
قالَ مَيَّارةُ رحمة الله عليه: أمَّا مَسألةُ الِاختِلافِ في القَبضِ فقالَ عنها في «الوَثائِقُ المَجموعةُ»:
فَإنْ قامَ ربُّ الدَّارِ على المُكتَرِي يدَّعِي أنَّه لَم يَقبِضِ الكِراءَ بعدَ انقِضاءِ أشهُرِ السَّنةِ، فإنْ قامَ بقُربِ ذلك كانَ على السَّاكِنِ أنْ يُثبِتَ دَفْعَ ذلك، وإلَّا حلَف ربُّ الدَّارِ وقبضَ مِنه، أو رَدَّ عليه اليَمينَ فحلَف وبَرِئَ، فإنْ قامَ على بُعدٍ حلَف السَّاكِنُ وبَرِئَ مِنْ الكِراءِ، وكذلك الصُّنَّاعُ بهذه المَنزِلةِ إذا قاموا يَطلُبونَ الأُجرةَ فيما استُصنِعَ مِنهم.
(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٢/ ٢٧١).
وأمَّا الِاختِلافُ في الجِنسِ فقالَ في «المُقرِّب»: قُلتُ: فمَنِ اكتَرى دارًا بدَراهِمَ أو دَنانِيرَ ولَم يُسَمِّ، أي: الدَّنانيرَ، ولا الدَّراهِمَ، قالَ: يُنظَرُ إلى النَّقدِ في الكِراءِ في ذلك المَوضِعِ، فيُحمَلانِ عليه. اه (١).
وقالَ في «البَهجة»: والقولُ في الِاختِلافِ في القَبضِ، وفي الِاختِلافِ في الجِنسِ لِمَنْ شاهَدَه مع حَلِفِه حالَ الزَمنِ.
فَإذا اختَلفا في جِنسِ الكِراءِ، فزَعَم المُكرِي أنَّه بالدَّنانيرِ، وزَعَم الآخَرُ أنَّه بعَرضٍ، فإنَّه يُنظَرُ لِعُرفِ البلَدِ في مِثلِ ذلك الكِراءِ مِنْ كَونِه بالدَّنانِيرِ أو بالعَرضِ، فمَن شَهِدَ له عُرفُ البلَدِ مِنهما صُدِّقَ مع يَمينِه … وأمَّا إذا اختَلفا في القَبضِ فإنَّه يُنظرُ لِلقُربِ والبُعدِ، فإنْ كانَ الكِراءُ مُشاهَرةً أو مُسانَهةً، ودفعَ ببيِّنةٍ كِراءَ شهرٍ مُعيَّنٍ أو سَنةٍ مُعيَّنةٍ، فذلك بَراءةٌ لِمَا قبلَ ذلك مِنْ الشُّهورِ والسِّنينِ، كَما مَرَّ في كِراءِ الدُّورِ في التَّنبيهِ الثَّالث، وإنْ لَم يَدفعْ كِراءَ شهرٍ مُعيَّنٍ ولا سَنةٍ بعَينِها، فالقولُ لِلمُكتَرِي فيما مَضَى، إلَّا في الشَّهرِ الأخيرِ والسَّنةِ الأخيرةِ، فالقولُ لربِّ الدَّارِ، إنْ قامَ بحُدثانِ ذلك، فإنْ تطاوَلَ ذلك حتى حالَ نَحوُ الشَّهرِ في الشُّهورِ، والسَّنةِ في السِّنينِ، فالمُكتَرِي مُصدَّقٌ مع يَمينِه، قالَه ابنُ سَلَمونٍ، ونَحوُه في «المُتيطِيَّةُ»: وبِه العَملُ.
وَكذلك قِيامُ الصُّناعِ بعدَ رَدِّ المَتاعِ، ثم يَطلُبونَ بعدَ ذلك أُجرَتَهم، يُفصَّلُ فيه بينَ القُربِ والبُعدِ، والعَملِ بفاسَ أنْ يُقبَلَ قولُ المُكرِي في الأشهُرِ الثَّلاثةِ الأخيرةِ، أنَّه لَم يقبِضْ كِراءَها مع يَمينِه، كَما في المَجالِسِ
(١) «شرح ميارة» (٢/ ١٦٢).
المكناسيَّةِ، ولا يُقبلُ قولُه فيما زادَ عليها، فقولُ النَّاظمِ: حالَ الزَمنِ، يَعني: يُعتبَرُ في كلِّ ما يَليقُ به، ففي القَبضِ يُعتبَرُ القُربُ والبُعدُ في الزَّمانِ، وفي الجِنسِ يُعتبَرُ عُرفُ البلَدِ في ذلك الزَّمانِ، واللَّهُ أعلمُ.
تَنبيهٌ: فإنْ لَم يُبيِّنا في عَقدِ الكِراءِ وَقتَ أدائِه، واختَلفَا فيه، فقالَ المُكتَرِي: تَعجَّله في أوَّلِ الشَّهرِ، وقالَ المُكرِي: في آخِرِه، حُمِلَا على عُرفِ البلَدِ، كَما قالَ (خ): وعجَّل إنْ عيَّن، أو بشَرطٍ، أو عادةٍ، إلخ. فإنْ لَم يَكنْ عُرفٌ لَزِمَه أنْ يُؤدِّيَ في كلِّ يَومٍ بحِسابِه (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: إنِ اختَلفا في جِنسِ الأجْرِ بأنْ قالَ المُستَأجِرُ: استَأجَرتُ هذه الدابَّةَ إلى مَوضِعِ كَذا بعَشَرةِ دَراهِمَ، وقالَ الآخَرُ: بدِينارٍ، فإنْ كانَ اختِلافُهما قبلَ استِيفاءِ المَنافِعِ تَحالَفا، وإذا تَحالَفا تُفسخُ الإجارةُ، وأيُّهما نَكَلَ لَزِمَه دَعوَى صاحِبِه، وأيُّهما أقامَ البيِّنةَ يُقضَى ببيِّنتِه؛ لأنَّ الدَّعوَى لا تُقابِلُ الحُجَّةَ.
فَإنْ أقامَا البيِّنةَ، فالبيِّنةُ بيِّنةُ المُؤاجِرِ؛ لأنَّها تُثبِتُ الأُجرةَ حَقًّا لَه، وبيِّنةُ المُستَأجِرِ لا تُثبِتُ الأُجرةَ حقًّا له، فكانَتْ بيِّنةُ المُؤاجِرِ أَوْلَى بالقَبولِ.
وَلَوِ اختَلفا فقالَ المُؤاجِرُ: أجَّرتُكَ هذه الدابَّةَ إلى القَصرِ بدِينارٍ، وقالَ المُستَأجِرُ إلى الكُوفةِ بعَشَرةِ دَراهِمَ، وأقامَا البيِّنةَ، فهي إلى الكُوفةِ بدِينارٍ وخَمسةِ دَراهِمَ؛ لأنَّ الِاختِلافَ إلى القَصرِ وقعَ في البَدَلِ، فكانَتْ بيِّنةُ المُؤاجِرِ أَولى؛ لِمَا قُلْنا، وتَثبُتُ الإجارةُ إلى القَصرِ بدِينارٍ، ثم المُستَأجِرُ
(١) «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ١٩٠، ١٩١).
يدَّعِي مِنْ القَصرِ إلى الكُوفةِ بخَمسةٍ؛ لأنَّ القَصرَ نِصفُ الطَّريقِ، والمُؤاجِرُ يَجحَدُ هذه الإجارةَ، فالبيِّنةُ المُثبِتةُ لِلإجارةِ أَولى مِنْ النَّافيةِ.
وقد رَوَى ابنُ سِماعةَ، عن أبي يُوسفَ في رَجُلٍ استَأجَرَ مِنْ رَجُلٍ دارًا سَنةً، فاختَلفا فأقامَ المُستَأجِرُ البيِّنةَ، أنَّه استَأجَرَ أحَدَ عَشَرَ شهرًا مِنها بدِرهَمٍ، وشهرًا بتِسعةٍ، وأقامَ البيِّنةَ ربُّ الدَّارِ أنَّه أجَّرَها بعَشَرةٍ، قالَ: فإنِّي آخُذُ ببيِّنةِ ربِّ الدَّارِ؛ لأنَّه يدَّعِي فَضلَ أُجرةٍ في أحَدَ عَشَرَ شهرًا، وقَد أقامَ على ذلك بيِّنةً، فتُقبلُ بيِّنتُه، فأمَّا الشَّهرُ الثَّاني عَشَرَ، فقَد أقرَّ المُستَأجِرُ للمُؤاجِرِ فيه بفَضلِ الأُجرةِ فيما ادَّعَى، فإنْ صَدَّقه على ذلك، وإلَّا سقطَ الفَضلُ بتَكذيبِه (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٤٢/ ٢١٨، ٢١٩)، و «المبسوط» (١٦/ ٧)، و «الهندية» (٤/ ٤٧٦).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب اختلاف المتكاريين
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* (باب اختلاف المتكاريين)
* إذا اختلف المتكاريان في مقدار المنفعة أو قدر الاجرة ولم تكن بينة تحالفا لانه عقد معاوضة فأشبه البيع وإذا تحالفا كان الحكم في فسخ الاجارة كالحكم في البيع، لان الاجارة كالبيع، فكان حكمها في الفسخ كالحكم في البيع، فان اختلفا في التعدي في العين المستأجرة فادعاه المؤجر وأنكره المستأجر، فالقول قول المستأجر، لان الاصل عدم العدوان، والبراءة من الضمان، فان اختلفا في الرد فادعاه المستأجر وأنكره المؤجر، فالقول قول المؤجر أنه لم يرد عليه، لان المستاجر قبض العين لمنفعته، فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير، وان اختلف الاجير المشترك والمستاجر في رد العين فادعى الاجير انه ردها وانكر المستاجر فان قلنا: ان الاجير يضمن العين بالقبض لم يقبل قوله في الرد، لانه ضامن فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير والغاصب.
وان قلنا: انه لا يضمن العين بالقبض فهل يقبل قوله في الرد؟ فيه وجهان كالوكيل يجعل: وقد مضى توجيههما في الوكالة، وان هلكت العين فادعى الاجير انها هلكت بعد العمل، وانه يستحق الاجرة وانكر المستاجر، فالقول قول المستاجر، لان الاصل عدم العمل وعدم البدل.
(فصل)
وان دفع ثوبا إلى خياط فقطعه قباء ثم اختلفنا فقال رب الثوب:
امرتك ان تقطعه قميصا فتعديت بقطعه قباء فعليك ضمان النقص.
وقال الخياط بل امرتي ان اقطعه قباء فعليك الاجرة، فقد حكى الشافعي رحمه الله في اختلاف العراقيين قول ابن أبى ليلى أن القول قول الخياط.
وقول أبى حنيفة رحمه الله عليه ان القول قول رب الثوب.
ثم قال: وهذا اشبه، وكلاهما مدخول.
وقال في كتاب الاجير والمستاجر: إذا دفع إليه ثوبا ليصبغه احمر نصبغه اخضر فقال: امرتك ان تصبغه احمر، فقال الصباغ: بل امرتني ان اصبغه اخضر، انهما يتحالفان.
ارجع إلى الاختلاف بين المؤجر والمستأجر للاطلاع على جميع المسائل.