الإسلام > الشركات والإجارات > انتهاء المزارعة > أثر موت أحد المتعاقدين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالأرضِ، فكانَ التَّرْكُ بأجْرِ المِثلِ نَظَرًا مِنْ الجانبيْنِ، بخِلافِ ما إذا ماتَ صاحِبُ الأرضِ والزَّرعُ بَقلٌ، فالعَملَ يَكونُ على المُزارَعِ خاصَّةً؛ لأنَّ العَقدَ انفَسخَ هُناكَ حَقيقةً؛ لِوُجودِ سَبَبِ الفَسخِ، وهو المَوتُ، إلَّا أنَّا أبقَيْناه تَقديرًا؛ دَفعًا لِلضَّررِ عن المُزارَعِ؛ لأنَّه لَوِ انفَسخَ لَثبَتَ لِصاحِبِ الأرضِ حَقُّ القَلعِ، وفيه ضَرَرٌ بالمُزارَعِ، فجُعِلَ هذا عُذرًا في بَقاءِ العَقدِ تَقديرًا؛ فإذا بَقيَ العَقدُ كانَ العَملُ على المُزارَعِ خاصَّةً، كَما كانَ قبلَ المَوتِ، وهذا لا يَتَّضِحُ.
فَإنْ أنفَقَ أحَدُهما مِنْ غيرِ إذْنِ صاحِبِه، ومِن غيرِ أمْرِ القاضي فهو مُتطوِّعٌ.
وَلَو أرادَ صاحِبُ الأرضِ أنْ يَأخُذَ الزَّرعَ بَقلًا لَم يكُنْ له ذلك، لأنَّ فيه ضَرَرًا بالمُزارَعِ.
وَلَو أرادَ المُزارَعَ أنْ يَأخُذَه بَقلًا، فصاحِبُ الأرضِ بينَ خِياراتٍ ثَلاثةٍ:
١ - إنْ شاءَ قَلَعَ الزَّرعَ؛ فيَكونَ بَينَهما.
٢ - وإنْ شاءَ أعطَى المُزارَعَ قِيمةَ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ.
٣ - وإنْ شاءَ أنفَقَ هو على الزَّرعِ مِنْ مالِه، ثم يَرجِعُ على المُزارَعِ بحِصَّتِه؛ لأنَّ فيه رِعايةَ الجانبيْنِ.
أثَرُ مَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ:
إذا انفَسخَتِ المُزارَعةُ بسَبَبِ مَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ فهُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يَكونَ المَيِّتُ ربَّ الأرضِ أوِ المُزارَعَ:
أ- مَوتُ صاحِبِ الأرضِ:
إذا ماتَ ربُّ الأرضِ بَعدَما دفعَ الأرضَ مُزارَعةً ثَلاثَ سِنينَ، ونَبَتَ الزَّرعُ وصارَ بَقلًا، تُترَكُ الأرضُ في حَوزةِ المُزارَعِ إلى وَقتِ الحَصادِ، ويُقَسَّمُ على الشَّرطِ المَذكورِ؛ لأنَّ في التَّركِ إلى وَقتِ الحَصادِ نَظَرًا مِنْ الجانبيْنِ، ولأنَّ في القَلعِ إضرارًا بأحَدِهِما، وهو المُزارَعُ، ويَكونُ العَملُ على المُزارَعِ خاصَّةً؛ لِبَقاءِ العَقدِ؛ تَقديرًا في هذه السَّنةِ في هذا الزَّرعِ.
ب- مَوتُ المُزارَعِ:
وأمَّا إنْ ماتَ المُزارَعُ والزَّرعُ بَقلٌ، فقالَ وَرثَتُه: نَحنُ نَعمَلُ على شَرطِ المُزارَعةِ، وأبَى ذلك صاحِبُ الأرضِ، فالأمْرُ إلى وَرثةِ المُزارَعِ؛ لأنَّ في القَلعِ ضَرَرًا بالوَرثةِ، ولا ضَرَرَ بصاحِبِ الأرضِ في التَّرْكِ إلى وَقتِ الإدراكِ، وإذا تَركَ فلا أجْرَ لِلوَرثةِ فيما يَعمَلونَ؛ لأنَّهم يَعمَلونَ على حُكمِ عَقدِ أبيهم تَقديرًا؛ فكَأنَّه يَعمَلُ أبوهم؛ لأنَّ أباهم لَو عَمِلَ فلا أجْرَ لَه، فكَذا هُمْ.
وإنْ أرادَ الوَرثةُ قَلعَ الزَّرعِ لَم يُجبَروا على العَملِ؛ لأنَّ العَقدَ يَنفَسِخُ حَقيقةً؛ إلَّا أنَّا أبقَيْناه باختيارِهم؛ نَظَرًا لَهُم؛ فإنِ امتَنَعوا عن العَملِ بَقيَ الزَّرعُ مُشترَكًا:
فَإمَّا أنْ يُقَسَّمَ بَينَهم بالحِصَصِ، وإمَّا أنْ يُعطيَهم صاحِبُ الأرضِ قَدْرَ حِصَّتِهم مِنْ الزَّرعِ بَقلًا، وإمَّا أنْ يُنفِقَ مِنْ مالَ نَفْسِه إلى وَقتِ الحَصادِ، ثم يَرجِعَ عليهم بحِصَّتِهم؛ لأنَّ فيه رِعايةَ الجانبيْنِ، وهذا التَّفريعُ كلُّه على مَذهبِ الحَنفيَّةِ (١).
(١) يُنْظر: «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٨٣، ٢٨٥)، و «الهداية» (٤/ ٥٧)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١١٤)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٣)، و «الاختيار» (٣/ ٩٨)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ١٤٤)، و «اللباب» (٢/ ١١)، و «الهندية» (٥/ ٢٣٧).
وأمَّا الحَنابِلةُ فعلى المَذهبِ عِندَهم أنَّ المُزارَعةَ عَقدٌ جائِزٌ، وليسَ بلَازِمٍ؛ فإنَّها تَنفَسِخُ بمَوتِ كلِّ واحِدٍ مِنهما، وجُنونِه، والحَجْرِ عليه لِسَفَهٍ، فإذا ماتَ العامِلُ أو ربُّ المالِ انفَسخَتِ المُزارَعةُ؛ فكانَ الحُكمُ فيها كَما لَو فَسخَها أحَدُهما على ما أسلَفْناه.
وعلى القَولِ بلُزومِها لَم يَنفَسِخِ العَقدُ بمَوتِ أحَدِهِما، ويَقومُ الوارِثُ مَقامَ المَيِّتِ مِنهما؛ لأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ؛ فأشبَهَ الإجارةَ.
وعلى المَذهبِ الأولِ إنْ كانَ المَيِّتُ العامِلَ فأبَى وارِثُه القيامَ مَقامَه لَم يُجبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلزَمُه مِنْ الحُقوقِ التي على مُورِّثِه إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه مِنْ تَرِكَتِه، والعَملُ لَيسَ ممَّا يُمكِنُ ذلك فيه؛ فعلى هذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ مِنْ التَّرِكةِ مَنْ يَعمَلُ العَملَ؛ فإنْ لَم تكُنْ له تَرِكةٌ، أو تَعذَّرَ الِاستِئجارُ مِنها، فلربِّ المالِ الفَسخُ؛ لأنَّه تَعذَّرَ استِيفاءُ المَعقودِ عليه، فيثبُتُ الفَسخُ، كَما لَو تَعذَّرَ ثَمنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه.
ثم إنْ كانَتِ الثَّمرةُ قد ظَهرَتْ بِيعَ مِنْ نَصيبِ العامِلِ ما يَحتاجُ إليه لِأجْرِ ما بَقيَ مِنْ العَملِ، واستُؤجِرَ مَنْ يَعمَلُ ذلك، وإنِ احتِيجَ إلى بَيْعِ الجَميعِ بِيعَ، ثم لا يَخلو:
إمَّا أنْ تَكونَ قد بَدا صَلاحُها، وإمَّا لَم يَبْدُ صَلاحُها، فإنْ كانَتْ قد بَدا صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ بينَ البَيعِ والشِّراءِ؛ فإنِ اشترَى نَصيبَ العامِلِ جازَ،
وإنِ اختارَ بَيْعَ نَصيبِه أيضًا باعَه، وباعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ، وإنْ أبَى البَيعَ والشِّراءَ باعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ وَحدَه، وما بَقيَ على العامِلِ مِنْ العَملِ يُكتَرى عليه مَنْ يَعمَلُه، وما فَضَلَ فلِوَرثَتِه.
وإنْ كانَ لَم يَبْدُ صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ أيضًا، فإنْ بِيعَ لِأجنَبيٍّ لَم يَجُزْ إلَّا بشَرطِ القَطعِ، ولا يَجوزُ بَيعُ نَصيبِ العامِلِ وَحدَهُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه قَطعُه إلَّا بقَطعِ نَصيبِ المالِكِ، فيَقِفَ إمكانُ قَطعٍ على قَطعِ مِلكِ غَيرِه.
وَهَل يَجوزُ شِراءُ المالِكِ لَها؟ على وجهيْنِ، وهَكَذا الحُكمُ إذا انفَسخَتِ المُساقاةُ بمَوتِ العامِلِ؛ لِقَوْلِنا بجَوازِها، وأبَى الوارِثُ العَملَ.
وَإنِ اختارَ ربُّ المالِ البَقاءَ على المُزارَعةِ لَم تَنفَسِخْ إذا قُلْنا بلُزومِها، ويُستَأذَنُ الحاكِمُ في الإنفاقِ على الثَّمرةِ، ويَرجِعُ بما أنفَقَ، فإنْ عَجَزَ عن استِئذانِ الحاكِمِ فأَنفَقَ مُحتَسِبًا بالرُّجوعِ، وأشهَدَ على الإنفاقِ بشَرطِ الرُّجوعِ، رَجعَ بما أنفَقَ؛ لأنَّه مُضطَرٌّ، وإنْ أمكَنَه استِئذانُ الحاكِمِ فأَنفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجوعِ مِنْ غيرِ استِئذانِهِ؛ فهَلْ يَرجِعُ بذلك؟ على وجهيْنِ، بِناءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغَيرِ إذْنِه.
وإنْ تَبرَّعَ بالإنفاقِ لَم يَرجِعْ بشَيءٍ، كَما لَو تَبرَّعَ بالصَّدَقةِ، والحُكمُ فيما إذا أنفَقَ على الثَّمرةِ بعدَ فَسخِ العَقدِ إذا تَعذَّرَ بَيعُها كالحُكمِ ههُنا سَواءٌ (١).
(١) «المغني» (٥/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «الكافي» (٢/ ٢٩٠)، و «المبدع» (٥/ ٥١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٦١/ ٣٦٢)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٥٦٣).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب الجعالة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* (باب الجعالة)
* يجوز عقد الجعالة وهو أن يبذل الجعل لمن عمل له عملا من رد ضالة ورد آبق وبناء حائط وخياطة ثوب وكل ما يستأجر عليه من الاعمال، والدليل عيله قوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وروى أبو سعيد الخدرى (أن ناسا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتو احيا من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شاء فجعل رجل يقرأ بام القرآن ويجمع بزاقة ويتفل فبرا الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا: لا نأخذها حتى نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذلك فضحك وقال: ما أدراك إنها رقية؟ خذوها واضربوا إلى فيها بسهم ولان الحاجة تدعو إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالاجارة والمضاربة.
(فصل)
ويجوز ان يعقد لعامل غير معين للآية، ولانه قد يكون له عمل
ولا يعرف من يعمله، فجاز من غير تعيين، وروى المزني في المختصر عن الشافعي رحمه الله في المنثور انه قال إذا قال أول من يحج عنى فله مائة فحج عنه رجل أنه يستحق المائة.
وقال المزني: ينبغى أن يستحق أجرة المثل لانه اجازة فلم تصح من غير تعيين، وهذا خطا، لان ذلك جعالة، وقد بينا ان الجعالة تجوز من غير تعيين العامل.
(فصل)
وتجوز على عمل مجهول للآية، ولان الحاجة تدعو إلى ذلك فجاز مع الجهالة كالمضاربة، ولا تجوز الا بعوض معلوم، لانه عقد معاوضة فلا تجوز بعوض مجهول كالنكاح، فان شرط له جعلا مجهولا فعمل استحق أجرة المثل، لان كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب المثل في فاسده، كالبيع والنكاح.
(فصل)
ارجع إلى انتهاء المزارعة للاطلاع على جميع المسائل.