الإسلام > الشركات والإجارات > انتهاء الوكالة > الجنون غير المطبق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالجُنونُ غيرُ المُطبِقِ:
اختَلَف الفُقهاءُ فيما لو كانَ الجُنونُ غيرَ مُطبِقٍ، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ أو لا؟
فَذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ الجُنونَ إذا كانَ غيرَ مُطبِقٍ لا تَبطُلُ الوَكالةُ به.
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما وجُنونِه جُنونًا مُطبِقًا، ولو جُنَّ يَومًا ويُفيقُ يَومًا لا تَبطُلُ؛ لأنَّه في معنَى الإغماءِ؛ لأنَّه عَجزٌ يَحتَمِلُ الزَّوالَ، كالعَجزِ بالنَّومِ والإغماءِ.
وعن أبي يُوسفَ رحمة الله عليه: لا يَنعزِلُ حتى يُجَنَّ أكثَرَ السَّنَةِ؛ لأنَّه متى دامَ كَذلك لا يَزولُ في الأغلَبِ، فصارَ كالمَوتِ، وعَن مُحمَّدٍ إلى سَنَةٍ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه إنْ كانَ لِعِلَّةٍ أو مَرَضٍ يَزولُ أو يَتغيَّرُ في سَنَةٍ، لِاشتِمالِها على الفُصولِ الأربَعةِ مِنْ حَرارةِ الهَواءِ وبُرودَتِه ويُبْسِه ورُطوبَتِه؛ فإذا لَم يَزَلْ فيها فالظَّاهِرُ دَوامُه (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَنعزِلُ الوَكيلُ بجُنونِه أو جُنونِ مُوكِّلِه، إلَّا أنْ يَطولَ جُنونُ المُوكِّلِ جِدًّا، فيَنظُرَ له الحاكِمُ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٨)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٤)، و «اللباب» (١/ ٥٦٢)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٣٩)، و «الهندية» (٣/ ٣٦٧، ٣٦٨).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٨٣)، و «منح الجليل» (٦/ ٤١٧).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بجُنونِ أحَدِهِما: الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، وإنْ لَم يَعلَمِ الآخَرُ به، ولو زالَ الجُنونُ عن قُربٍ؛ لأنَّه لو قارَنَ العَقدَ مُنِعَ الِانعِقادُ؛ فإذا طَرَأَ قطَعه.
قالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه في «النَّجْمِ الوَهَّاجِ»: وقيلَ: إنْ قَصُرَ زَمَنُ الجُنونِ، بحيثُ لا يُحوِجُ إلى نَصبِ القَوَامِ، لَم يُؤثِّرْ، أمَّا المُطبِقُ فأجمَعوا على الِانعِزالِ به (١).
وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: لو أنَّ رَجُلًا وكَّل عاقِلًا ثم جُنَّ الوَكيلُ كانَ على ما ذَكَرْنا في جُنونِ المُوكِّلِ إنِ استَدامَ به إلى حالٍ يَصيرُ مَولًى عليه بطَل تَوكيلُه، وإنْ أفَاقَ مِنه قَريبًا بطَلتْ وَكالَتُه على مَذهبِ الشَّافِعيِّ، وجازَتْ على قَولِ أبي العَبَّاسِ ابنِ سُرَيجٍ (٢).
أمَّا الحَنابِلةُ فأطلَقوا وقالوا: تَبطُلُ الوَكالةُ بجُنونٍ مُطبِقٍ مِنْ أحَدِهِما، أي: المُوكِّلِ، أوِ الوَكيلِ؛ لأنَّ الوَكالةَ تَعتَمِدُ العَقلَ؛ فإذا انتَفَى انتَفَتْ صِحَّتُها؛ لِانتِفاءِ ما تَعتَمِدُ عليه، وهو أهلِيَّةُ التَصرُّفِ.
قالَ المِرداوِيُّ رحمة الله عليه: وأكثَرُ الأصحابِ أطلَقَ الجُنونَ (٣).
(١) «النجم الوهاج» (٥/ ٦٤).
(٢) «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٠٧)، و «البيان» (٦/ ٤٥٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٢٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢١٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٢)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٧٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٣).
(٣) «الإنصاف» (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و «المغني» (٥/ ٧١)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٣)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٧)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٥٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة
مَالِ نَفْسِهِ، يَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ اسْتِقْرَاضٌ مِنْهُ، وَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ بِمَا أَقْرَضَهُ.
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَى الْوَكِيلِ تَوْكِيلٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالْوَكِيلُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ: إذَا قَضَى مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
فَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ؛ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَالْهَلَاكُ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ الثَّمَنُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ حَبْسُ الْأَمَانَةِ بَعْدَ طَلَبِ أَهْلِهَا، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ النساء: ٥٨ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ.
(وَلَنَا) أَنَّهُ عَاقِدٌ وَجَبَ الثَّمَنُ لَهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ - ضَمَانًا لِلْمَبِيعِ، فَكَانَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ؛ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي - وَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَحَبَسَهُ حَتَّى هَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْبَيْعِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ.
ارجع إلى انتهاء الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.