ثاني عشر: تعدي الوكيل فيما وكل فيه

الإسلام > الشركات والإجارات > انتهاء الوكالة > ثاني عشر: تعدي الوكيل فيما وكل فيه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

ثاني عشر: تعدي الوكيل فيما وكل فيه - الأقوال والأدلة

وقَف الشِّراءُ على إجازَتِه، فإنْ أجازَه المُوكِّلُ صَحَّ الشِّراءُ له، ولَزِمَه الثَّمنُ، وإلَّا بأنْ لَم يُجِزْه المُوكِّلُ لَزِمَ البَيعُ الوَكيلَ، ويُؤدِّي ثَمَنَه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعَنه يَلزَمُ الوَكيلَ بكُلِّ حالٍ، وقالَ القاضي: متى اشترَى بعَينِ مالِه لِغيرِه شَيئًا فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه لا يَصحُّ أنْ يَشتَريَ بعَينِ مالِه ما يَملِكُه غيرُه.

وقالَ أصحابُ الشَّافِعيِّ: متى اشترَى لِغيرِه بمالِ نَفْسِه شَيئًا صَحَّ الشِّراءُ لِلوَكيلِ، سَواءٌ اشتَراه بعَينِ المالِ أو في الذِّمةِ؛ لأنَّه اشترَى ما لَم يُؤذَنْ له في شِرائِه، أشَبَهَ ما لو اشتَراه في الذِّمةِ (١).

ثَانيَ عَشَرَ: تَعَدِّي الوَكيلِ فيما وُكِّلَ فيهِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَكالةِ هَلْ تَبطُلُ إذا تَعدَّى الوَكيلُ فيما وُكِّل فيه أو لا؟

فَذهَب الشَّافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَبطُلُ بتَعَدِّي الوَكيلِ؛ لأنَّه مُؤتمَنٌ، كالمُودَعِ الذي يَنعزِلُ بالتَّعدِّي عن الوَديعةِ.

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والشَّافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَبطُلُ بالتَّعَدِّي فيما وُكِّلَ فيه، مثلَ أنْ يَلبَسَ الثَّوبَ الذي وُكِّلَ في بَيعِه،

(١) «المغني» (٥/ ٧٣)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٧، ٥٤٨).

ويَركَبَ الدَّابَّةَ؛ لأنَّ الوَكالةَ اقتَضَتِ الأمانةَ والإذْنَ؛ فإذا زالَتِ الأُولَى بالتَّعَدِّي بَقيَ الإذْنُ بحالِه، ويُفارِقُ الوَديعةَ مِنْ جِهةِ أنَّها أمانةٌ مُجَرَّدةٌ، فنافاها التَّعَدِّي والخِيانةُ.

قالَ الحَنابِلةُ: فعلى هذا لو وكَّله في بَيعِ ثَوبٍ فلَبِسَه صارَ ضامِنًا لِتَعَدِّيهِ؛ فإذا باعَه صَحَّ بَيعُه وأُبْرِئَ مِنْ ضَمانِه؛ لِدُخولِه في مِلْكِ المُشتَرِي وضَمانهِ؛ فإذا قبَض الوَكيلُ الثَّمنَ كانَ أمانةً في يَدِه غيرَ مَضمونٍ عليه؛ لأنَّه قَبَضَه بإذْنِ المُوكِّلِ، ولَم يَتعَدَّ فيه؛ فَإنْ رَدَّ المُشتَرِي الثَّوبَ على الوَكيلِ بعَيبٍ عادَ الضَّمانُ؛ لأنَّ العَقدَ المُزيلَ لِلضَّمانِ زالَ، فعادَ ما زالَ به، وإنْ عادَ إلى الوَكيلِ بعَقدٍ آخَرَ لَم يَعُدِ الضَّمانُ إلَّا إنْ تَعدَّى؛ لأنَّ هذه وَكالةٌ أُخرَى، لَم يَقَعْ عنه فيها تَعَدٍّ.

ولو دفَع إليه مالًا ووكَّله في شِراءِ شَيءٍ، فتَعدَّى الوَكيلُ في الثَّمنِ، صارَ ضامِنًا له؛ فإذا اشترَى به وسلَّمَه زالَ الضَّمانُ، وقَبْضُه لِلمَبيعِ قَبْضُ أمانةٍ.

وإنْ وُجِدَ بالمَبيعِ عَيبٌ فرُدَّ عليه، أو وجَد هو بما اشترَى عَيبًا فرَدَّه وقَبضَ الثَّمنَ، كانَ مَضمونًا عليه؛ لأنَّ العَقدَ المُزيلَ لِلضَّمانِ زالَ، فعادَ ما زالَ عنه (١).

وقالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وإنْ وُكِّلَ في بَيعِ عَيْنٍ فتَعدَّى فيها بأنْ كانَ ثَوبًا فلَبِسَه، أو دَابَّةً فرَكِبَها، فهَلْ تَبطُلُ الوَكالةُ أو لا؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما:

(١) «المغني» (٥/ ٧٢)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٥)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٦، ٥١٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٧).

تَبطُلُ؛ فلا يَجوزُ له البَيعُ؛ لأنَّه عَقدُ أمانةٍ، فتَبطُلُ بالخِيانةِ، كالوَديعةِ، والآخَرُ أنَّها لا تَبطُلُ؛ لأنَّ العَقدَ يَتضَمَّنُ أمانةً وتَصرُّفًا؛ فإذا تَعدَّى فيه بطَلتِ الأمانةُ وبَقيَ التَصرُّفُ، كالرَّهنِ، يَتضَمَّنُ أمانةً ووَثيقةً؛ فإذا تَعدَّى فيه بطَلتِ الأمانةُ وبَقِيتِ الوَثيقةُ (١).

وقالَ العِمرانيُّ رحمة الله عليه: فإنْ دفَع إليه دَراهِمَ، ووكَّله لِيَشترِيَ له بعَينِها سِلعةً، فتَعدَّى الوَكيلُ فيها صارَ ضامِنًا لها، فإنِ اشتَراها بها بعدَ ذلك لِلمُوكِّلِ فهَل يَصحُّ؟ على الوَجهَيْنِ في المَسألةِ التي قبلَها، فإذا قُلْنا: يَصحُّ، فمتى يَزولُ عنه ضَمانُها؟ على الوَجهَيْنِ.

وإنْ أمَرَه أنْ يَشترِيَ بثَمَنٍ في الذِّمةِ، ويَنقُدَ الثَّمنَ مِنها، فتَعدَّى الوَكيلُ فيها، بأنْ ترَك حِفظَها، ثم اشترَى بعدَ ذلك في الذِّمةِ لِلمُوكِّلِ صَحَّ الشِّراءُ له، وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه لَم يَتعَدَّ فيما تَناوله العَقدُ، فإذا نقَد الدَّراهِمَ أُبْرِئَ مِنْ ضَمانِها.

وإنِ استَقرَضَ الوَكيلُ الدَّراهِمَ، وأتلَفَها بطَلتْ وَكالَتُه، وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه إنْ كانَ قَدْ أمَرَه أنْ يَشتَريَ بعَينِه فقَد تَعَذَّرَ ذلك بتَلَفِها، فجَرى مَجرَى مَنْ وُكِّلَ في بَيعِ عَبدٍ، فماتَ، وإنْ كانَ أمَرَه أنْ يَشتَريَ في الذِّمةِ، ويَنقُدَ الثَّمنَ مِنها؛ فإنَّه إنَّما أمَرَه بالتَصرُّفِ في تلك الدَّراهِمِ، فإذا تَلِفَتْ لَم يَملِكِ الشِّراءَ (٢).

(١) «المهذب» (١/ ٣٥٧)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٣٤).
(٢) «البيان» (٦/ ٤٦٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)

يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 592 - 594

ارجع إلى انتهاء الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله