الإسلام > الشركات والإجارات > انتهاء الوكالة > حادي عشر: تلف ما تعلقت الوكالة به
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوكذا إذا وكَّله بطَلاقِ امرَأتِه فطَلَّقها بنَفْسِه ثَلاثًا، أو واحِدةً، وانقَضَتْ عِدَّتُها؛ لأنَّها لا تَحتَمِلُ الطَّلاقَ بعدَ الثَّلاثِ، وانقِضاءِ العِدَّةِ، ولو طَلَّقها الزَّوجُ واحِدةً، والعِدَّةُ باقيةٌ، فالوَكالةُ قائِمةٌ؛ لأنَّها تَحتَمِلُ الطَّلاقَ في العِدَّةِ.
ولو وكَّله بالكِتابةِ فكاتَبَه، ثم عَجزَ، لَم يَكُنْ له أنْ يُكاتِبَه مَرَّةً أُخرى.
وكذا لو وكَّله أنْ يُزوِّجَه امرَأةً، فزوَّجه وأبانَها، لَم يَكُنْ لِلوَكيلِ أنْ يُزوِّجَه مَرَّةً أُخرَى؛ لأنَّ الأمرَ بالفِعلِ لا يَقتَضي التَّكرارَ؛ فإذا فُعِلَ مَرَّةً حصَل الِامتِثالُ، فانتَهَى حُكمُ الآمِرِ، كما في الأوامِرِ الشَّرعيةِ، بخِلافِ ما لو وكَّله ببَيعِ عَبدِه فباعَه الوَكيلُ، ثم رَدَّ عليه بقَضاءِ قاضٍ أنَّ له أنْ يَبيعَه مَرَّةً أُخرى؛ لأنَّ الرَّدَّ بقَضاءِ القاضِي يُوجِبُ ارتِفاعَ العَقدِ مِنْ الأصلِ، ويَجعَلُه كَأنْ لَم يَكُنْ، فلَمْ يَكُنْ هذا تَكرارًا، حتى لو رَدَّه عليه بغيرِ قَضاءِ قاضٍ، لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَهُ؛ لأنَّ هذا بَيعٌ جَديدٌ، وقَدِ انتَهَتِ الوَكالةُ بالأوَل، فلا يَملِكُ الثَّاني إلَّا بتَجديدِ التَّوكيلِ (١).
حاديَ عَشَرَ: تَلَفُ ما تَعلَّقتِ الوَكالةُ بهِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بتَلَفِ العَينِ التي وُكِّلَ في التَصرُّفِ فيها؛ لأنَّ مَحَلَّها ذهَب، فذهَبتِ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٩)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٦، ٤٩٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٨)، و «اللباب» (١/ ٥٦٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٢٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢١٨)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٦٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٧٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٣).
الوَكالةُ، كما لو وكَّله في بَيعِ عَبدٍ فماتَ (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ بهَلاكِ العَبدِ الذي وُكِّلَ ببَيعِه أو بإعتاقِه أو بهِبَتِه أو بتَدبيرِه أو بكِتابَتِه أو نحوِ ذلك؛ لأنَّ التَصرُّفَ في المَحَلِّ لا يُتَصَوَّرُ بعدَ هَلاكِه، والوَكالةُ بالتَصرُّفِ فيما لا يَحتَمِلُ التَصرُّفَ مُحالةٌ، فبطَل (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَبطُلُ الوَكالةُ أيضًا بتَلَفِ العَينِ التي وُكِّلَ في التَصرُّفِ فيها؛ لأنَّ مَحَلَّ الوَكالةِ قَدْ ذهَب، وتَبطُلُ أيضًا بدَفْعِه -أي: الوَكيلِ- عِوَضًا لَم يُؤمَرْ بدَفْعِه، فلَو وكَّله في شِراءِ عَبدٍ بهذه الدَّراهِمِ وفي شِراءِ أَمَةٍ بدَراهِمَ أُخرَى فبذَل ثَمَنَ أحَدِهِما في الآخَرِ بطَلتْ؛ لأنَّه إنَّما وكَّله في شِرائِه.
وَتَبطُلُ أيضًا باقتِراضِ الوَكيلِ المالَ الذي بيَدِه لِلمُوكِّلِ، كما تَبطُلُ الوَكالةُ بتَلَفِه، كما إذا دفَع المُوكِّلُ إليه دِينارًا وكَّله في الشِّراءِ به، فاستَقرَضَ الوَكيلُ الدِّينارَ وتصرَّفَ فيه لِنَفْسِه، بطَلتِ الوَكالةُ.
ولو عزَل دِينارًا عوَّضه واشترَى به الوَكيلُ يَصيرُ كالشِّراءِ لِلمُوكِّلِ مِنْ غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّ الوَكالةَ بطَلتْ، ولأنَّ الدِّينارَ الذي عزَله الوَكيلُ عِوَضًا لا يَصيرُ لِلمُوكِّلِ حتى يَقبِضَهُ؛ فإذا اشترَى لِلمُوكِّلِ به شَيئًا ولَم يُسَمِّه في العَقدِ
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٩)، و «الهندية» (٣/ ٣٦٨)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٢٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢١٢)، و «المغني» (٥/ ٧٣)، و «المبدع» (٤/ ٣٦٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٧، ٥٤٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٥٧).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٩)، و «الهندية» (٣/ ٣٦٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)
يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الثاني في أحكام الوكالة
الإقرار اختلفوا في مطلق الوكالة على الخصومة هل يتضمن الإقرار أم لا؟ فقال مالك: لا يتضمن. وقال أبو حنيفة: يتضمن.
الركن الرابع: وأما الوكالة فهي عقد يلزم بالإيجاب والقبول كسائر العقود وليست هي من العقود اللازمة بل الجائزة على ما نقوله في أحكام هذا العقد. وهي ضربان عند مالك: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تقع عنده بالتوكيل العام الذي لا يسمى فيه شيء دون شيء وذلك أنه إن سمى عنده لم ينتفع بالتعميم والتفويض، وقال الشافعي: لا تجوز الوكالة بالتعميم وهي غرر، وإنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، وهو الأقيس إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه الإجماع.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الوكالة
الْبَابُ الثَّانِي
فِي الْأَحْكَامِ
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكِيلِ.
فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ. قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ.
ارجع إلى انتهاء الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.