انقضاء الإجارة

الإسلام > الشركات والإجارات > حكم عقد الإجارة وما يبطلها > انقضاء الإجارة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 34 دقيقة قراءة

انقضاء الإجارة - الأقوال والأدلة

انقِضاءُ الإجارةِ:

تَنقَضِي الإجارةُ بِعِدَّةِ أُمورٍ ذكرَها الفُقهاءُ، وهي على التَّفصيلِ والبَيانِ التَّالي:

أولاً: انتِهاءُ مدَّةِ الإجارةِ:

لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمَّةِ على أنَّ الإجارةَ إذا كانَتْ مُحَدَّدةً بمدَّةٍ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنتَهي بانتِهائِها، إلَّا لِعُذرٍ؛ لأنَّ الثَّابِتَ إلى غايةٍ يَنتَهي عندَ وُجودِ الغايةِ فتَنفَسِخُ الإجارةُ بانتِهاءِ المدَّةِ، إلَّا إذا كانَ ثَمةَ عُذرٌ بأنِ انقَضَتِ المدَّةُ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، ففيه تَفصيلٌ بينَ العُلماءِ.

فذهبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّه إذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، لا يَجوزُ قَلْعُه؛ وإنَّما يُترَكُ إلى أنْ يُستَحصَدَ بأُجرةِ المِثلِ، بخِلافِ الشَّجرِ؛ فإنَّ له أنْ يَأمُرَ الغارِسَ بقَلْعِه، والشَّجرُ إذا كانَ فيه ثَمرٌ قد أُبِّرَ كانَ بمَنزِلةِ الزَّرعِ.

قالَ الحَنفيَّةُ: إذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ؛ فإنَّه يُترَكُ إلى أنْ يُستَحصَدَ بأجْرِ المِثلِ، بخِلافِ ما إذا انقَضَتِ المدَّةُ وفي الأرضِ رَطبةٌ أو غَرسٌ، يُؤمَرُ بالقَلعِ؛ لأنَّ في تَركِ الزَّرعِ إلى أنْ يُدرِكَ مُراعاةَ الحَقَّيْنِ، والنَّظَرَ مِنْ الجانبيْنِ؛ لأنَّ لِقَطْعِه غايةً مَعلومةً؛ فأمَّا الرَّطبةُ فليسَ لِقَطعِها غايةٌ مَعلومةٌ، فلَو لَم تُقطَعْ لَتَعَطَّلَتِ الأرضُ على صاحِبِها، ويَتَضرَّرُ به، وبِخِلافِ الغاصِبِ إذا زَرَعَ الأرضَ المَغصوبةَ

أنَّه يُؤمَرُ بالقَلعِ، ولا يُترَكُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجْرٍ؛ لأنَّ التَّركَ في الإجارةِ لِدَفعِ الضَّررِ عن المُستَأجِرِ نُظِرَ لَه، وهو مُستَحِقٌّ لِلنَّظَرِ؛ لأنَّه زُرِعَ بإذْنِ المالِكِ، فأمَّا الغاصِبُ فظالِمٌ مُتعَدٍّ في الزَّرعِ، فلا يَستَحقُّ النَّظَرَ بالتَّرْكِ مع ما أنَّه هو الذي أضَرَّ بنَفسِه، حَيثُ زَرَعَ أراضيَ غَيرِه بغَيرِ حَقٍّ؛ فكانَ مُضافًا إلَيهِ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: إذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، ولَم يَطِبْ، لَم يكُنْ لربِّ الأرضِ قَلْعُه؛ وإنَّما له كِراءُ أرْضِه إلى تَمامِ الغَرَضِ مِنْ الزَّرعِ مِنْ يَومِ انقَضَتْ مدَّةُ كِرائِه إلى أنْ يُحصَدَ زَرْعُه.

وَهَذا بخِلافِ الشَّجرِ؛ فإذا اكتَرى أرضًا لِيَغرِسَ فيها، فانقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ: فإنَّ صاحِبَها مُخَيَّرٌ بينَ أنْ يَأخُذَ المُستَأجِرُ بالقَلعِ، ولا شَيءَ عليه مِنْ أُجرةِ القَلعِ، أو يُعطيَه قِيمةَ الغِراسِ مَقلوعًا، أو يُبقيَه في الأرضِ، ويَكونا شَريكَيْنِ؛ لأنَّ الإجارةَ تَقتَضي تَسليمَ الأرضِ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ فارِغةً مِنْ تَعلّقِ حَقٍّ لِلمُستَأجِرِ لَها، ويَقِلُّ ما شَغَلَها به، أصْلُه إذا كانَ له فيها مَتاعٌ أو طَعامٌ؛ فإنَّه يُؤمَرُ بقَلعِه، ولأنَّ فائِدةَ حَصر العَقدِ بالمدَّةِ تَقديرُ المَنفَعةِ المُستَوفاةِ بها، وانقِطاعُها فيما بَعدَها، وفي تَبْقِيَةِ الغِراسِ بعدَ المدَّةِ إبطالٌ لِفائِدةِ التَّحديدِ والتَّقديرِ، خِلافًا لِمُوجِبِ العَقدِ.

والشَّجرُ إذا كانَ فيه ثَمرٌ قد أُبِّرَ كانَ بمَنزِلةِ الزَّرعِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٢٣)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١١٤).
(٢) «الكافي» (١/ ٣٧٨)، و «المعونة» (٢/ ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٠٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٤٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٩٨).

وأمَّا الشافِعيَّةُ فعِندَهم تَفصيلٌ، قالَ الشافِعيُّ: ولَو تَكاراها سَنَةً فزَرَعها فانقَضَتِ السَّنةُ والزَّرعُ فيها لَم يَبلُغْ أنْ يُحصَدَ؛ فإنْ كانَتِ السَّنةُ يُمكِنُه أنْ يَزرَعَ فيها زَرعًا يُحصَدُ قَبلَها؛ فالكِراءُ جائِزٌ، وليسَ لربِّ الزَّرعِ أنْ يُثبِتَ زَرعَه وعليه أنْ يَنقُلَه عن الأرضِ، إلَّا أنْ يَشاءَ ربُّ الأرضِ تَرْكَه.

وَإذا شرطَ أنْ يَزرَعَها صِنفًا مِنْ الزَّرعِ يُستَحصَدُ، أو يُستَقصَلُ قبلَ السَّنةِ فأخَّرَه إلى وَقتٍ مِنْ السَّنةِ وانقَضَتِ السَّنةُ قبلَ بُلوغِه فكذلك أيضًا، وإنْ تَكاراها لِمدَّةٍ أقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، وشرطَ أنْ يَزرَعَها شَيئًا بعَينِه، ويَترُكَه حتى يُستَحصَدَ، وكانَ يَعلَمُ أنَّه لا يُمكِّنُه أنْ يَستَحصِدَ في مِثلِ المدَّةِ التي تَكاراها؛ فالكِراءُ فيه فاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أنِّي إنْ أثبَتُّ بَينَهما شَرطَهما ولَم أُثبِتْ على ربِّ الأرضِ أنْ يُبقيَ زَرعَه فيها بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، أبطَلتُ شَرطَ الزَّارِعِ أنْ يَترُكَه حتى يُستَحصَدَ، وإنْ أثبَتُّ له زَرعَه حتى يُستَحصَدَ أبطَلتُ شَرطَ ربِّ الأرضِ؛ فكانَ هذا كِراءً فاسِدًا، ولربِّ الأرضِ كِراءُ مِثلِ أرضِه إذا زَرَعَه وعليه تَرْكُه حتى يُستَحصَدَ.

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وصُورةُ هذه المَسألةِ أنْ يَستَأجِرَ الرجُلُ أرضًا مدَّةً مَعلومةً لِيَزرَعها زَرعًا مَوصوفًا، فزَرَعَها، ثم انقَضَتِ المدَّةُ، قبلَ استِحصادِ زَرعِها، فلا يَخلو حالُ المدَّةِ مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ:

أحَدُها: أنْ يَعلَمَ أنَّ ذلك الزَّرعَ يُستَحصَدُ في مِثلِها.

والثَّاني: أنْ يَعلَمَ أنَّه لا يُستَحصَدُ في مِثلِها.

والثَّالث: أنْ يَقَعَ الشَّكُّ فيه.

فَأمَّا القِسمُ الأولُ: وهو أنْ يَعلَمَ بجاري العادةِ أنَّ مثلَ ذلك الزَّرعِ يُستَحصَدُ في مِثلِ تلك المدَّةِ، فانقَضَتِ المدَّةُ قبلَ استِحصادِه، فلا يَخلو ذلك مِنْ ثَلاثةِ أقسامِ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ تَأخُّرُ استِحصادِه لِعُدولِه عن الجِنسِ الذي شرطَه إلى غَيرِه، مثلَ أنْ يَستَأجِرَ خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعِ الباقِلَّا، فيَزرَعَها بُرًّا، فتَنقَضيَ المدَّةُ، والزَّرعُ غيرُ مُستَحصَدٍ، فهذا يُؤخَذُ بقَلعِ زَرعِه قبلَ استِحصادِه؛ لأنَّه بعُدولِه عن الباقِلَّا إلى البُرِّ يَصيرُ مُتعَدِّيًا، فلَم يَستَحقَّ استِيفاءَ زَرعٍ تَعدَّى فيه، فإنْ تَراضَى المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ على تَرْكِه إلى أوانِ حَصادِه بأُجرةِ المِثلِ فيما زادَ على المدَّةِ أُقِرَّ، وإنْ رَضيَ المُستَأجِرُ وأبَى المُؤجِّرُ، أو رَضيَ المُؤجِّرُ وأبَى المُستَأجِرُ مِنْ بَذْلِ أُجرةِ المِثلِ قُلِعَ.

والقِسمُ الثَّاني: أنْ يَكونَ تَأخيرُ استِحصادِه لِتَأخيرِ بَذْرِه مِنْ غيرِ عُدولٍ عن جِنسِه، فهذا مُفَرِّطٌ، ويُؤخَذُ بقَلعِ زَرعِه قبلَ استِحصادِه؛ لأنَّ تَفريطَه لَا يُلزِمُ غَيرَه، فإنْ بذلَ أُجرةَ مِثلِ المدَّةِ الزَّائِدةِ ورَضيَ المُؤجِّرُ بقَبولِها، تُرِكَ، وإلَّا قُلِعَ.

والقِسمُ الثَّالث: أنْ يَكونَ تَأخيرُ استِحصادِه لِأمْرٍ سَمائِيٍّ، مِنْ استِدامةِ بَردٍ، أو تَأخيرِ مَطَرٍ، أو دَوامِ ثَلجٍ، ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: يُترَكُ إلى وَقتِ استِحصادِه؛ لأنَّه لَم يكُنْ مِنْ المُستَأجِرِ

عُدوانٌ، ولا تَفريطٌ، فإذا تُرِكَ إلى وَقتِ الحَصادِ ضَمِنَ المُستَأجِرُ أُجرةَ مِثلِ المدَّةِ الزَّائِدةِ على عَقدِه.

والوَجهُ الثَّاني: أنْ يُؤخَذَ بقَلعِ زَرعِه، ولا يُترَكَ؛ لأنَّه قد كانَ يَقدِرُ على الِاستِظهارِ لِنَفْسِه في استِزادةِ المدَّةِ؛ خَوفًا مِنْ حادِثِ سَماءٍ، فلَمَّا لَم يَستَظهِرْ صارَ مُفَرِّطًا.

وأمَّا القِسمُ الثَّاني مِنْ أقسامِ الأصلِ، وهو أنْ يَعلَمَ بجاري العادةِ أنَّ مثلَ ذلك الزَّرعِ لا يُستَحصَدُ في مِثلِ تلك المدَّةِ، مثلَ أنْ يَستَأجِرَها أربَعةَ أشهُرٍ لِزَرعٍ مِنْ بُرٍّ أو شَعيرٍ، فهذا على ثَلاثةِ أقسامٍ:

أحَدُها: أنْ يُشترَطَ قَلعُه عندَ تَقضِّي المدَّةِ، فهذه إجارةٌ جائِزةٌ؛ لأنَّه قد يُريدُ زَرعَه قَصيلًا، ولا يُريدُه حَبًّا، فإذا انقَضَتِ المدَّةُ أخَذَ بقَلعِ زَرعِه وقَطعِه.

والقِسمُ الثَّاني: أنْ يُشترَطَ تَركُه إلى وَقتِ حَصادِه؛ فهذه إجارةٌ فاسِدةٌ؛ لأنَّ اشتِراطَ استِيفاءِ الزَّرعِ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ يُنافِي مُوجِبَها، فبَطَلَتْ ثم لِلزَّارِعِ استِيفاءُ زَرعِه إلى وَقتِ حَصادِه، وإنْ بَطَلَتِ الإجارةُ، فلا يُؤخَذُ بقَلعِ زَرعٍ؛ لأنَّه زُرِعَ عن إذْنٍ اشتُرِطَ فيه التَّركُ، وعليه أُجرةُ المِثلِ، والفَرقُ بينَ هذه المَسألةِ في استِيفاءِ الزَّرعِ مع فَسادِ الإجارةِ، وبَينَ أنْ يُؤخَذَ بقَلعِه فيما تَقدَّمَ مِنْ الأقسامِ، مع صِحَّةِ الإجارةِ: أنَّ الإجارةَ إذا بَطَلَتْ رُوعيَ الإذْنُ دونَ المدَّةِ، وإذا صَحَّتْ رُوعِيَت المدَّةُ.

والقِسمُ الثَّالث مِنْ هذه الأقسامِ: أنْ يُطلَقَ العَقدُ، فلا يُشترَطَ فيه

قَلعٌ ولا تَرْكٌ، فقَدِ اختَلفَ أصحابُنا هَلْ إطلاقُه يَقتَضي القَلعَ أوِ التَّركَ؟ على وجهيْنِ:

أحَدُهما: وهو قولُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ أنَّه يَقتَضي القَلعَ اعتِبارًا بمُوجِبِ العَقدِ، فعلى هذا الإجارةُ صَحيحةٌ، ويُؤخَذُ المُستَأجِرُ بقَلعِ زَرعِه عندَ تَقضِّي المدَّةِ.

والوَجْهُ الثَّاني: وهو ظاهِرُ كَلامِ الشافِعيِّ رحمة الله عليه أنَّ الإطلاقَ يَقتَضي التَّركَ إلى أوانِ الحَصادِ، اعتِبارًا بالعُرفِ فيه، كَما أنَّ ما لَم يَبدُ صَلاحُه مِنْ الثِّمارِ يَقتَضي إطلاقُ بَيعِه لِلتَّركِ إلى وَقتِ الصِّرامِ؛ اعتِبارًا بالعُرفِ فيه، فعلى هذا تَكونُ الإجارةُ فاسِدةً، ويَكونُ لِلمُستَأجِرِ تَركُ زَرعِه إلى وَقتِ حَصادِه، وعليه أُجرةُ المِثلِ، كَما لَو شرطَ التَّركَ.

وأمَّا القِسمُ الثَّالث مِنْ أقسامِ الأصْلِ، وهو أنْ يَقَعَ الشَّكُّ في تلك المدَّةِ هَلْ يُستَحصَدُ الزَّرعُ فيها، كَأنِ استَأجَرَها خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعِ البُرِّ أوِ الشَّعيرِ، فقَد يَجوزُ أنْ يُستَحصَدَ الزَّرعُ في هذه المدَّةِ في بَعضِ البِلادِ وبَعضِ السِّنينِ، ويَجوزُ ألَّا يُستَحصَدَ، فيَكونَ حُكمُ هذا القِسمِ حُكمَ ما عُلِمَ أنَّه يُستَحصَدُ فيه، ويَكونَ حُكمُ هذا القِسمِ حُكمَ ما عُلِمَ أنَّه لا يُستَحصَدُ فيه على ما مَضَى؛ إسقاطًا لِلشَّكِّ، واعتِبارًا باليَقينِ، واللَّهُ أعلمُ (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا استَأجَرَ أرضًا لِلزِّراعةِ مدَّةً فانقَضَتْ وفيها زَرعٌ، ولَم يَبلُغْ حَصادَه، لَم يَخْلُ مِنْ حالَتَيْنِ:

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٥٧، ٤٥٩)، و «مختصر المزني» (١٢٨، ١٢٩).

إحداهُما: أنْ يَكونَ لِتَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ، مثلَ أنْ يَزرَعَ زَرعًا لَم تَجْرِ العادةُ بكَمالِه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فحُكمُه حُكمُ زَرعِ الغاصِبِ يُخيَّرُ المالِكُ بعدَ المدَّةِ بينَ أخْذِه بالقِيمةِ أو تَرْكِه بالأجْرِ لِمَا زادَ على المدَّةِ؛ لأنَّه أبقَى زَرعَه في أرضِ غَيرِه بعُدوانِه، وإنِ اختارَ المُستَأجِرُ قَطعَ زَرعِه في الحالِ وتَفريغَ الأرضِ فلَه ذلك؛ لأنَّه يُزيلُ الضَّررَ ويُسَلِّمُ الأرضَ على الوَجهِ الذي اقتَضاه العَقدُ، وذكرَ القاضي: أنَّ على المُستَأجِرِ نَقلَ الزَّرعِ وتَفريغَ الأرضِ، وإنِ اتَّفَقا على تَركِه بعِوَضٍ أو بغَيرِه جازَ، وهذا مَذهَبُ الشافِعيِّ بِناءً على قَولِه في الغاصِبِ، وقِياسُ مَذهبِنا ما ذَكَرْناه.

الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ بَقاؤُه بغَيرِ تَفريطٍ، مثلَ أنْ يَزرَعَ زَرعًا يَنتَهي في المدَّةِ عادةً، فأبطَأَ لِبَردٍ أو غَيرِهِ؛ فإنَّه يَلزَمُ المُؤجِّرَ تَرْكُه إلى أنْ يَنتَهيَ، ولَه المُسمَّى وأجْرُ المِثلِ لِمَا زادَ، وهذا أحَدُ الوجهيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ.

والوَجْهُ الآخَرُ: قالوا: يَلزَمُه نَقْلُه؛ لأنَّ المدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقلِ الزَّرعِ؛ فيَلزَمُ العَملُ بمُوجِبِه، وقَد وُجِدَ منه تَفريطٌ؛ لأنَّه كانَ يُمكِنُه أنْ يَستَظهِرَ في المدَّةِ، فلَم يَفعَلْ.

وَلَنا: أنَّه حَصَلَ الزَّرعُ في أرضِ غَيرِه بإذْنِه، مِنْ غيرِ تَفريطٍ، فلَزِمَ تَرْكُه كَما لَو أعارَه أرضًا فزَرَعَها ثم رَجعَ المالِكُ قبلَ كَمالِ الزَّرعِ، وقولُهم: إنَّه مُفَرِّطٌ، غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ هذه المدَّةَ التي جَرَتِ العادةُ بكَمالِ الزَّرعِ فيها، وفي زِيادةِ المدَّةِ تَفويتُ زِيادةِ الأجْرِ بغَيرِ فائِدةٍ، وتَضييعُ زِيادةٍ مُتيَقَّنةٍ لِتَحصيلِ شَيءٍ مُتوَهَّمٍ على خِلافِ العادةِ، هو التَّفريطُ؛ فلَم يكُنْ تَرْكُه تَفريطًا.

ومتى أرادَ المُستَأجِرُ زَرعَ شَيءٍ لا يُدرَكُ مِثلُه في الإجارةِ، فلِلمالِكِ مَنْعُه؛ لأنَّه سَبَبٌ لِوُجودِ زَرعِه في أرضِه بغَيرِ حَقٍّ، فملكَ مَنْعَه مِنه؛ فإنْ زَرَعَ لَم يَملِكْ مُطالَبتَه بقَلعِه قبلَ المدَّةِ؛ لأنَّه في أرضٍ يَملِكُ نَفْعَها، ولأنَّه لا يَملِكُ ذلك بعدَ المدَّةِ، فقَبْلَها أَوْلَى، ومَن أوجَبَ عليه قَطعَه بعدَ المدَّةِ، قالَ: إذا لَم يكُنْ بُدٌّ مِنْ المُطالَبةِ بالنَّقلِ تَكُونُ عندَ المدَّةِ التي يُستحَقُّ فيها تَسليمُها إلى المُؤجِّرِ فارِغةً.

وَإذا اكتَرى الأرضَ لِزَرعٍ مدَّةً لا يَكمُلُ فيها، مثلَ أنْ يَكتَريَ خَمسةَ أشهُرٍ لِزَرعٍ لا يَكمُلُ إلَّا في سَنةٍ، نَظَرْنا؛ فإنْ شرطَ تَفريغَها عندَ انقِضاءِ المدَّةِ ونَقلَه عَنها، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُفضي إلى الزِّيادةِ على مدَّتِه، وقَد يَكونُ له غَرَضٌ في ذلك؛ لِأخذِه إيَّاه قَصيلًا، أو غَيرَه، ويَلزَمُه ما التَزَم، وإنْ أطلَقَ العَقدَ ولَم يَشتَرِطْ شَيئًا احتَمَلَ أنْ يَصحَّ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بالزَّرعِ في هذه المدَّةِ مُمكِنٌ، واحتَمَلَ أنَّه إنْ أمكَنَ أنْ يَنتفِعَ بالأرضِ في زَرعٍ ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الزَّرعِ المَشروطِ، أو دُونَه، مثلَ أنْ يَزرَعَها شَعيرًا، يَأخُذُه قَصيلًا، صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بها في بَعضِ ما اقتَضاه العَقدُ مُمكِنٌ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك لَم يَصحَّ؛ لأنَّه اكتَرى لِلزَّرعِ ما لا يَنتفِعُ به، أشبَهَ إجارةَ السَّبخةِ لَه.

فَإنْ قُلْنا: يَصحُّ؛ فإنِ انقَضَتِ المدَّةُ ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: حُكمُه حُكمُ زَرعِ المُستَأجِرِ، لِمَا لا يَكمُلُ في مدَّتِه؛ لأنَّه ههُنا مُفَرِّطٌ، واحتَمَلَ أنْ يَلزَم المُكرِي تَرْكُه بالأجْرِ؛ لأنَّ التَّفريطَ منه حَيثُ أكراه مدَّةً لِزَرعٍ لا يَكمُلُ فيها، وإنْ شرطَ تَبقِيَتَه حتى يَكمُلَ فالعَقدُ فاسِدٌ؛ لأنَّه جَمْعٌ بينَ مُتضادَّيْنِ، فإنَّ تَقديرَ المدَّةِ يَقتَضي النَّقلَ فيها، وشَرْطُ التَّبقِيَةِ

يُخالِفُه، ولأنَّ مدَّةَ التَّبقيَةِ مَجهولةٌ؛ فإنْ زَرَعَ لَم يُطالَبْ بنَقلِه، كالَّتي تَقدَّمَتْ.

فَصلٌ: إذا أجَّرَه لِلغِراسِ سَنةً صَحَّ؛ لأنَّه يُمكِنُه تَسليمُ مَنفعَتِها المُباحةِ المَقصودةِ، فأشبَهَتْ سائِرَ المَنافِعِ، وسَواءٌ قَلَعَ الغِراسَ عندَ انقِضاءِ المدَّةِ، أو أطلَقَ، ولَه أنْ يَغرِسَ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فإذا انقَضَتْ لَم يكُنْ له أنْ يَغرِسَ؛ لِزَوالِ عَقدِه، فإذا انقَضَتِ السَّنةُ وكانَ قد شرطَ القَلعَ عندَ انقِضائِها، لَزِمَه ذلك؛ وَفاءً بمُوجِبِ شَرطِه، وليسَ على صاحِبِ الأرضِ غَرامةُ نَقصِه، ولا على المُكتَرِي تَسويةُ الحُفَرِ، وإصلاحُ الأرضِ؛ لأنَّهما دخلَا على هَذا؛ لِرِضاهُما بالقَلعِ، وعلى اشتِراطِهِما عليه، وإنِ اتَّفَقا على إبقائِه بأجْرٍ أو غَيرِه جازَ، إذا شَرَطا مدَّةً مَعلومةً، وكذلك لَوِ اكتَرى الأرضَ سَنةً بعدَ سَنةٍ، كلَّما انقَضَى عَقدٌ جُدِّدَ آخَرُ، جازَ، وإنْ أطَلَقَ العَقدَ فلِلمُكتَرِي القَلعُ؛ لأنَّ الغَرسَ مِلْكُه؛ فلَه أخْذُه، كَطَعامِه مِنْ الدَّارِ التي باعَها، وإذا قَلَعَ فعليه تَسويةُ الحُفَرِ؛ لأنَّه نَقصٌ دخلَ على مِلْكِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، وهَكَذا إنْ قَلَعَه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ ههُنا، وفي التي قَبلَها؛ لأنَّ القَلعَ قبلَ الوَقتِ لَم يَأذَنْ فيه المالِكُ، ولأنَّه تَصرَّفَ في الأرضِ تَصرُّفًا نَقَصَها، لَم يَقتَضِه عَقدُ الإجارةِ، وإنْ أبَى القَلعَ لَم يُجبَرْ عليه، إلَّا أنْ يَضمَنَ له المالِكُ نَقصَ غَرْسِه، فيُجبَرَ حينئذٍ، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ.

وقالَ أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ: عليه القَلعُ مِنْ غيرِ ضَمانِ النَّقصِ لَه؛ لأنَّ تَقديرَ المدَّةِ في الإجارةِ يَقتَضي التَّفريغَ عندَ انقِضائِها، كَما لَوِ استَأجَرَها لِلزَّرعِ.

وَلَنا: قولُ النَّبِيِّ : «لَيسَ لِعِرقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (١)، مَفهومُه أنَّ ما لَيسَ بظالِمٍ له حَقٌّ، وهذا لَيسَ بظالِمٍ، ولأنَّه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ ولَم يَشرُطْ قَلعَه، فلَم يُجبَرْ على القَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانِ النَّقصِ، كَما لَوِ استَعارَ منه أرضًا لِلغَرسِ مدَّةً، فرَجعَ قبلَ انقِضائِها، ويُخالِفُ الزَّرعَ؛ فإنَّه لا يَقتَضي التَّأبيدَ.

فَإن قيلَ: فإنْ كانَ إطلاقُ العَقدِ في الغِراسِ يَقتَضي التَّأبيدَ فشَرطُ القَلعِ يُنافي مُقتَضَى العَقدِ؛ فيَنبَغي أنْ يُفسِدَه.

قُلْنا: إنَّما اقتَضَى التَّأبيدَ مِنْ حَيثُ إنَّ العادةَ في الغِراسِ التَّبْقِيَةُ؛ فإذا أطلَقَه حُمِلَ على العادةِ، وإذا شرطَ خِلافَه جازَ، كَما إذا باعَ بغَيرِ نَقدِ البَلَدِ، أو شرطَ في الإجارةِ شَرطًا يُخالِفُ العادةَ.

إذا ثبَتَ هَذا؛ فإنَّ ربَّ الأرضِ يُخيَّرُ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ:

أحَدُها: أنْ يَدفَعَ قِيمةَ الغِراسِ والبِناءِ فيَملِكَه مع أرضِه.

والثَّاني: أنْ يَقلَعَ الغِراسَ والبِناءَ، ويَضمَنَ أرشَ نَقْصِه.

والثَّالث: أنْ يُقِرَّ الغِراسَ والبِناءَ ويَأخُذَ منه أجْرَ المِثلِ؛ وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ.

وقالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: يُخيَّرُ بينَ دَفْعِ قِيمَتِه فيَملِكُه، وبَينَ مُطالَبتِه بالقَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، وبَينَ تَرْكِه، فيَكونانِ شَريكَيْنِ وليسَ بصَحيحٍ، لأنَّ الغِراسَ مِلْكٌ لِغارِسِه، لَم يُدفَعْ إليه عنه عِوَضٌ، ولا رَضيَ بزَوالِ مِلْكِه عنه، كَسائِرِ

(١) رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والتِّرمذي (١٣٧٨)، والنَّسائي في «الكبرى» (٥٧٦١)، والدَّارَقُطني (١٣٧٨)، والبَيْهَقي في «الكبرى» (٦/ ١٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة

وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.

فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ

(فَصْلٌ) :

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الحمام]

فَصْل) جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ

ــ

منح الجليل

فَلَكَ رَدُّهُ، وَعَلَيْك فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ اهـ.

وَظَاهِرُهَا صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمَلِ وَالزَّمَانِ الَّذِي يَحْمِلُ الْعَمَلَ، كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَاللَّخْمِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْخِلَافَ إذَا أَمْكَنَ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ الْكِرَاءِ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالزَّمَنِ إذَا زَادَ عَلَى الْعَمَلِ أَوْ سَاوَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) إنْ اكْتَرَى ثَوْرًا مَثَلًا لِطَحْنِ إرْدَبَّيْنِ فِي يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا فَ (زَادَ) مَا يَطْحَنُهُ فِيهِ عَلَى إرْدَبَّيْنِ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ (أَوْ نَقَصَ) مَا يَطْحَنُهُ عَنْهُمَا وَتَنَازَعَ زَادَ وَنَقَصَ (مَا) أَيْ قَدْرًا (يُشْبِهُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (الْكَيْلَ) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهِ فِيهِ تَارَةً وَنَقْصِهِ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى (فَلَا) شَيْءَ (لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا) شَيْءَ (عَلَيْك) يَا مُكْتَرِي فِي النَّقْصِ فِيهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا حَمَلَ لَك رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ أَوْ نَقْصِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا لَك مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ، وَبِهَذَا قَرَّرَ الشَّارِحَانِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّقْرِيرَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْل كِرَاءُ الْحَمَّامِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 568 - 577

ارجع إلى حكم عقد الإجارة وما يبطلها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد