ثالثا: هلاك العين المؤجرة

الإسلام > الشركات والإجارات > حكم عقد الإجارة وما يبطلها > ثالثا: هلاك العين المؤجرة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

ثالثا: هلاك العين المؤجرة - الأقوال والأدلة

وسُئِلَ الرَّمليُّ الشافِعيُّ عن الإقالةِ في الإجارةِ هل تَجوزُ؟ فأجابَ: نَعَمْ، تَجوزُ بشَرطِها (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الإقالةُ في الإجارةِ، كَما تَصحُّ في البَيعِ، وتَصحُّ الإقالةُ مِنْ مُؤجِّرِ وَقْفٍ، إنْ كانَ الِاستِحقاقُ كلُّه لَه؛ لأنَّه كالمالِكِ لَه، وظاهِرُه إنْ كانَ الِاستِحقاقُ مُشترَكًا أو لِمُعيَّنٍ غَيرِه، أو كانَ الوَقفُ على جِهةٍ لَم تَصحَّ الإقالةُ، قالَ البُهوتيُّ: وعَملُ النَّاسِ على خِلافِه، وفي الفُروعِ في الحَجِّ مَنِ استُؤجِرَ عن مَيِّتٍ، يَعني لِيَحُجَّ عنه، إنْ قُلْنا: تَصحُّ الإجارةُ، فهَل تَصحُّ الإقالةُ؟ لأنَّ الحَقَّ لِلمَيِّتِ يُتَوَجَّهُ باحتِمالَيْنِ:

قالَ في «تَصحيح الفُروع»: الصَّوابُ الجَوازُ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه، فهو كالشَّريكِ والمُضارِبِ. اه.

وَقياسُها جَوازُها مِنْ النَّاظِرِ ووَلِيِّ اليَتيمِ لِمَصلَحةٍ (٢).

ثالِثًا: هَلاكُ العَينِ المُؤجَّرةِ:

ذَهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ عِندَهم جَميعِهم، كَما تَقدَّمَ مُفصَّلًا ومُبيَّنًا إلى أنَّ الإجارةَ تُفسَخُ وتَنتَهي بتَلَفِ الذي يُستَوفَى منه المَنفَعةُ إذا كانَ مُعيَّنًا، كالدَّارِ والحانوتِ والدَّابَّةِ والسَّفينةِ. أمَّا إذا كانَتِ الدَّابَّةُ غيرَ مُعيَّنةٍ فلا تَنفَسِخُ.

قالَ الحَنفيَّةُ: يَنتَهي عَقدُ الإجارةِ بهَلاكِ المُستَأجِرِ والمُستَأجَرِ فيه،

(١) «فتاوى الرملي» (١/ ٣٢٨)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٤٠٨).
(٢) «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٩، ٢٩٠).

لِوُقوعِ اليَأْسِ عن استِيفاءِ المَعقودِ عليه بعدَ هَلاكِه، فلَم يكُنْ في بَقاءِ العَقدِ فائِدةٌ حتى لَو كانَ المُستَأجِرُ عَبدًا أو ثَوْبًا أو حُلِيًّا أو ظَرْفًا أو دَابَّةً مُعيَّنةً، فهَلَكَ أو هَلَكَ الثَّوبُ المُستَأجَرُ فيه لِلخِياطةِ أو لِلقِصارةِ بَطَلَتِ الإجارةُ.

وإنْ كانَتِ الإجارةُ على دَوابَّ بغَيرِ أعيانِها، فسَلَّمَ إليه دَوابَّ فقَبَضَها فماتَتْ، لا تَبطُلُ الإجارةُ، وعَلَى المُؤاجِرِ أنْ يَأتيَه بغَيرِ ذلك؛ لأنَّه هَلَكَ ما لَم يَقَعْ عليه العَقدُ؛ لأنَّ الدَّابَّةَ إذا لَم تكُنْ مُعيَّنةً فالعَقدُ يَقَعُ على مَنافِعَ في الذِّمةِ، وإنَّما تُسَلَّمُ العَينُ لِيُقِيمَ مَنافِعَها مَقامَ ما في ذِمَّتِه، فإذا هَلَكَ بَقيَ ما في الذِّمةِ بحالِه، فكانَ عليه أنْ يُعيِّنَ غَيرَها.

وقالَ المَيدانيُّ رحمة الله عليه في «اللُّبابُ»: فإنْ فاتَتِ المَنفَعةُ بالكُليَّةِ: بأنْ خَرِبَتِ الدَّارُ كلُّها، أوِ انقَطَعَ شِربُ الضَّيعةِ -أي: الأرضِ- كلُّه، أوِ انقَطَعَ الماءُ جَميعُه عن الرَّحَى، انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه قد فاتَ قبلَ القَبضِ، فتَشابَهَ فَوتُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، ومَوتِ العَبدِ المُستَأجَرِ.

وَمِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: إنَّ العَقدَ لا يَنفَسِخُ؛ لأنَّ المَنافِعَ فاتَتْ على وَجْهٍ يُتصوَّرُ فيه عَودُها، فأشبَهَ الإباقَ في البَيعِ، «هِداية»، ومِثلُه في «شَرحُ الأقطَعِ».

ثم قالَ: والصَّحيحُ هو الأولُ، وتَبِعَه في «الجَوهرةُ»، لَكنَّ عامَّةَ المَشايِخِ على الثَّاني، وهو الصَّحيحُ، كَما في «الذَّخيرةُ» وَ «التاتَرْخانيَّةُ» و «الاختِيارُ» وغَيرِها، وفي «الغايةُ» نَقلًا عن «إجاراتُ شَمسِ الأئِمةِ»: إذا انهَدَمَتِ الدَّارُ كلُّها فالصَّحيحُ أنَّها لا تَنفَسِخُ، لَكِنْ سقطَ الأجرُ، فَسخَ أو لَم يَفسَخْ (١).

(١) «اللباب» (١/ ٤٩٦، ٤٩٧)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٧٥).

وقالَ المالِكيَّةُ: تُفسَخُ الإجارةُ بتَلَف أو تَعذُّرِ الذي يُستَوفَى منه المَنفَعةُ إذا كانَ مُعيَّنًا، كالدَّارِ والحانوتِ والحَمَّامِ والسَّفينةِ ونَحوِها، والتَعذُّرُ أعَمُّ مِنْ التَّلَفِ؛ فيَشمَلُ الضَّياعَ والمَرَضَ والغَصْبَ وغَلْقَ الحَوانيتِ قَهرًا، وغَيرَ ذلك، كَما سَيأتي.

وَإذا فُسِخَتْ رَجعَ لِلمُحاسَبةِ باعتِبارِ ما حَصَلَ مِنْ المَنفَعةِ، وما لَم يَحصُلْ، وبِاعتِبارِ المَسافةِ طُولًا وقِصَرًا، وسُهولةً وصُعوبةً.

وَلا تَنفَسِخُ بتَلَفٍ أو بتَعذُّرِ ما يُستَوفَى به المَنفَعةُ، كالسَّاكِنِ والرَّاكِبِ وما حَمَلَ.

فَكلُّ عَينٍ يُستَوفَى مِنها المَنفَعةُ فبِهَلاكِها تَنفَسِخُ الإجارةُ، كَمَوتِ الدَّابَّةِ المُعيَّنةِ -أمَّا الدَّابَّةُ غيرُ المُعيَّنةِ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِها-وانهِدامِ الدَّارِ المُعيَّنةِ (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: تَنفَسِخُ الإجارةُ بفَواتِ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ، حِسًّا، فمِن صُوَرِه مَوتُ الدَّابَّةِ، والأجيرِ المُعيَّنِ، فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ أو عَقِبَه قبلَ مُضِيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ انفَسخَ العَقدُ. وإنْ كانَ في خِلالِ المدَّةِ انفَسخَ العَقدُ في البَقيَّةِ، لا الماضي في الأظهَرِ؛ لأنَّه استَقرَّ بالقَبضِ.

وَمُقابِلُ الأظهَرِ: تَنفَسِخُ فيه أيضًا؛ لأنَّ العَقدَ واحِدٌ، وقَدِ انفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ.

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٧٨)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٣١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٣٠)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٨٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٤٧).

فَإنْ قُلْنا: يَنفَسِخُ في الماضي سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ لِمَا مَضَى. وإنْ قُلْنا: لا يَنفَسِخُ فيه، فهَل له خِيارُ الفَسخِ؟ وَجهانِ:

أصَحُّهُما: عندَ الإمامِ والبَغَويِّ: لا؛ لأنَّ مَنافِعَه استُهلِكَتْ.

والآخَرُ: نَعَمْ، وبِه قَطَعَ ابنُ الصَّباغِ وآخَرونَ؛ لأنَّ جَميعَ المَعقودِ عليه لَم يُسَلَّمْ؛ فإنْ قُلْنا: له الفَسخُ، ففَسخَ، رَجعَ إلى أُجرةِ المِثلِ.

وإنْ قُلْنا: لا فَسخَ، أو جازَ، وجبَ قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، والتَّوزيعُ على قِيمةِ المَنفَعةِ، وهي أُجرةُ المِثلِ، لا على الزَّمانِ نَفْسِه، وذلك يَختَلِفُ؛ فرُبَّما تَزيدُ أُجرةُ شَهرٍ على أُجرةِ شَهرَيْنِ؛ لِكَثرةِ الرَّغَباتِ في ذلك الشَّهرِ. وإنْ كانَتْ مدَّةُ الإجارةِ سَنةً، ومَضَى نِصفُها، وأُجرةُ المِثلِ فيه مثلًا أُجرةَ المِثلِ في النِّصفِ الباقي، وجبَ مِنْ المُسمَّى ثُلُثاه، وإنْ كانَتْ بالعَكسِ فثُلُثُه.

وَإذا أثبَتْنا الخِيارَ بعَيبٍ، ففُسِخَ العَقدُ في المُستَقبَلِ، ففي الِانفِساخِ في الماضي الطَّريقانِ، فإنْ لَم يَنفَسِخْ فطَريقُ التَّوزيعِ ما بيَّناه، وإنْ أجازَه فعليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بتَمامِها، كَما لَو رَضيَ بعَيبِ المَبيعِ لَزِمَه جَميعُ الثَّمنِ.

وَسَواءٌ حَصَلَ التَّلَفُ بآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أو بفِعلِ المُستَأجِرِ، بَلْ لَو قُتِلَ العَبدُ أو الدَّابَّةُ المُعيَّنةُ كانَ حُكمُ الِانفِساخِ والأُجرةِ ما ذَكَرْناه، ويَلزَمُه قِيمةُ ما أتلَفَ، وعَن ابنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه تَستقِرُّ عليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بالإتلافِ، كَما يَستقِرُّ الثَّمنُ على المُشتَرِي بإتلافِه.

والصَّحيحُ: الأولُ؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على العَيْنِ، فإذا أتلَفَها صارَ قابِضًا، والإجارةُ وارِدةٌ على المَنافِعِ، ومَنافِعُ الزَمنِ المُستَقبَلِ مَعدومةٌ، لا يُتصوَّرُ

وُرودُ الإتلافِ عليها، وعَلَى هذا لَو عَيَّبَ المُستَأجِرُ الدَّارَ أو جَرَحَ العبدَ فهو كالتَّعيُّبِ بآفةٍ سَماوِيَّةٍ في ثُبوتِ الخِيارِ.

وَتَنفَسِخُ الإجارةُ بانهِدامِ الدَّارِ على الأظهَرِ؛ لِزَوالِ الِاسمِ وفَواتِ المَنفَعةِ.

وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ لا تَنفَسِخُ.

وأمَّا لَو تَشعَّثَتِ الدَّارُ ولَم تَنهَدِمْ، فإنَّها لا تَنفَسِخُ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ على التَّراخي (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: تُفسَخُ الإجارةُ بتَلَفِ العَينِ المَعقودِ عليها؛ كَدَابَّةٍ أو عَبدٍ ماتَ ودارٍ انهَدَمَتْ، قَبَضَها المُستَأجِرُ أو لا؛ لِزَوالِ المَنفَعةِ بتَلَفٍ مَعقودٍ عليه، وقَبضُها إنَّما يَكونُ باستِيفائِها، أوِ التَّمكُّنِ مِنه، ولَم يَحصُلْ ذلك.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه في «المُغني»: وجُملَتُهُ: أنَّ مَنِ استَأجَرَ عَينًا مدَّةً فحِيلَ بَينَه وبَينَ الِانتِفاعِ بها لَم يَخْلُ مِنْ أقسامٍ ثَلاثةٍ:

أحَدُها: أنْ تَتلَفَ العَينُ، كَدابَّةٍ تَنفُقُ، أو عَبدٍ يَموتُ، فذلك على ثَلاثةِ أضرُبٍ:

أحَدُها: أنْ تَتلَفَ قبلَ قَبضِها؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ المَعقودَ عليه تَلِفَ قبلَ قَبضِه، فأشبَهَ ما لَو تَلِفَ الطَّعامُ المَبيعُ قبلَ قَبضِه.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٦٦، ٦٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤١٦، ٤٢٠)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٠٢، ٢٠٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٦٠، ٣٦٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٨٤، ٣٩٣)، و «الديباج» (٢/ ٤٨٥، ٤٨٩).

الثَّاني: أنْ تَتلَفَ عُقَيبَ قَبضِها؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ أيضًا، ويَسقُطُ الأجْرُ في قَولِ عامَّةِ الفُقهاءِ إلَّا أبا ثَورٍ، حُكيَ عنه أنَّه قالَ: يَستقِرُّ الأجْرُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه أُتلِفَ بعدَ قَبضِه، أشبَهَ المَبيعَ، وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه المَنافِعُ وقَبضُها باستِيفائِها، أوِ بالتَّمكُّنِ مِنْ استِيفائِها، ولَم يَحصُلْ ذلك، فأشبَهَ تَلَفَها قبلَ قَبضِ العَينِ.

الثَّالث: أنْ تَتلَفَ بعدَ مُضيِّ شَيءٍ مِنْ المدَّةِ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ دونَ ما مَضَى، ويَكونُ لِلمُؤجِّرِ مِنْ الأجْرِ بقَدرِ ما استَوفَى مِنْ المَنفَعةِ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ: إذا اكتَرى بَعيرًا بعَيْنِه فنَفَقَ البَعيرُ، يُعطيه بحِسابِ ما رَكِبَ، وذلك لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أنَّ المَعقودَ عليه المَنافِعُ، وقَد تَلِفَ بَعضُها قبلَ قَبضِه، فبَطَلَ العَقدُ فيما تَلِفَ دونَ ما قَبَضَ، كَما لَوِ اشترَى صُبرَتَيْنِ، فقَبَضَ إحداهُما وتَلِفَتِ الأُخرَى قبلَ قَبضِها، ثم نَنظُرُ، فإنْ كانَ أجْرُ المدَّةِ مُتساويًا، فعليه بقَدْرِ ما مَضَى إنْ كانَ قد مَضَى النِّصفُ، فعليه نِصفُ الأجْرِ، وإنْ كانَ قد مَضَى الثُّلُثُ فعليه الثُّلُثُ، كَما يُقسِّمُ الثَّمنَ على المَبيعِ المُتساوِي، وإنْ كانَ مُختَلِفًا كَدارٍ أجْرُها في الشِّتاءِ أكثَرُ مِنْ أجْرِها في الصَّيفِ، وأرضٍ أجْرُها في الصَّيفِ أكثَرُ مِنْ الشِّتاءِ، أو دارٍ لَها مَوسِمٌ، كَدُورِ مَكَّةَ، رَجعَ في تَقويمِه إلى أهلِ الخِبرةِ، ويَسقُطُ الأجْرَ المُسمَّى على حَسَبِ قِيمةِ المَنفَعةِ، كَقِسمةِ الثَّمنِ على الأعيانِ المُختَلِفةِ في البَيعِ، وكذلك لَو كانَ الأجْرُ على قَطعِ مَسافةٍ، كبَعيرٍ استَأجَرَه على حَمْلِ شَيءٍ إلى مَكانٍ مُعيَّنٍ، وكانَتْ مُتساويةَ الأجزاءِ، أو مُختَلِفةً، وهذا ظاهِرُ مَذهبِ الشَّافِعيِّ.

القِسمُ الثَّاني: أنْ يَحدُثَ على العَينِ ما يَمنَعُ نَفْعَها، كَدارٍ انهَدَمَتْ، وأرضٍ غَرِقَتْ أو انقَطَعَ ماؤُها، فهذه يُنظَرُ فيها، فإنْ لَم يَبْقَ فيها نَفْعٌ أصْلًا فهي كالتَّالِفةِ سَواءٌ، وإنْ بَقِيَ فيها نَفعٌ غيرُ ما استَأجَرَها لَه، مثلَ أنْ يُمكِنَ الِانتِفاعُ بعَرصةِ الدَّارِ والأرضِ؛ لِوَضعِ حَطَبٍ فيها، أو نَصْبِ خَيمةٍ في الأرضِ التي استَأجَرَها لِلزَّرعِ، أو صَيدِ السَّمكِ مِنْ الأرضِ التي غَرِقَتِ، انفَسخَتِ الإجارةُ أيضًا؛ لأنَّ المَنفَعةَ التي وقعَ عليها العَقدُ تَلِفَتْ؛ فانفَسخَتِ الإجارةُ، كَما لَوِ استَأجَرَ دَابَّةً لِيَركَبَها، فزَمِنَتْ؛ بحَيثُ لا تَصلُحُ إلَّا لِتَدورَ في الرَّحَى.

وقالَ القاضي رحمة الله عليه في الأرضِ التي يَنقَطِعُ ماؤُها: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ فيها، وهو مَنصوصُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّ المَنفَعةَ لَم تَبطُلْ جُملةً؛ لأنَّه يُمكِنُ الِانتِفاعُ بعَرصةِ الأرضِ بنَصبِ خَيمةٍ، أو جَمعِ حَطَبٍ فيها، فأشبَهَ ما لَو نَقَصَ نَفْعُها مع بَقائِه، فعلى هذا يُخَيِّرُ المُستَأجِرُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ، فإنْ فَسخَ فحُكمُه حُكمُ العَبدِ إذا ماتَ، وإنِ اختارَ إمضاءَ العَقدِ فعليه جَميعُ الأجْرِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ، فإذا رَضيَ به سقطَ حُكمُه، فإنْ لَم يَختَرِ الفَسخَ ولا الإمضاءَ، إمَّا لِجَهلِه بأنَّ له الفَسخَ، أو لِغَيرِ ذلك، فلَه الفَسخُ بعدَ ذلك، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ بَقاءَ غيرِ المَعقودِ عليه لا يَمنَعُ انفِساخَ العَقدِ بتَلَفِ المَعقودِ عليه، كَما في البَيعِ.

وَلَو كانَ النَّفعُ الباقي في الأعيانِ ممَّا لا يُباحُ استيفاؤُه بالعَقدِ، كَدابَّةٍ استَأجَرَها لِلرُّكوبِ، فصارَتْ لا تَصلُحُ إلَّا لِلحَملِ، أو بالعَكسِ انفَسخَ العَقدُ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّ المَنفَعةَ الباقيَةَ لا يَملِكُ استِيفاءَها مع سَلامَتِها، فلا يَملِكُها مع تَعيِيبِها، كَبَيعِها.

وأمَّا إنْ أمكَنَ الِانتِفاعُ بالعَينِ فيما اكتَراها له على نَعتٍ مِنْ القُصورِ، مثلَ أنْ يُمكِنَه زَرعُ الأرضِ بغَيرِ ماءٍ، أو كانَ الماءُ يَنحَسِرُ عن الأرضِ التي غَرِقَتْ على وَجهٍ يَمنَعُ بَعضَ الزِّراعةِ، أو يَسوءُ الزَّرعُ، أو كانَ يُمكِنُه سُكنَى ساحةِ الدَّارِ، إمَّا في خَيمةٍ أو غَيرِها، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ؛ لأنَّ المَنفَعةَ المَعقودَ عليها لَم تَزُلْ بالكُليَّةِ، فأشبَهَ ما لَو تَعِبَتْ، ولِلمُستَأجِرِ خِيارُ الفَسخِ، على ما ذَكَرْنا.

إلَّا في الدَّارِ إذا انهَدَمَتْ؛ فإنَّ فيها وجهيْنِ: أحَدُهما: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، والآخَرُ: تَنفَسِخُ؛ لأنَّه زالَ اسمُها بهَدمِها، وذَهَبَتِ المَنفَعةُ التي تُقصَدُ مِنها، ولِذلك لا يَستَأجِرُ أحَدٌ عَرصةَ دارٍ لِيَسكُنَها.

فَأمَّا إنْ كانَ الحادِثُ في العَينِ لا يَضُرُّها، كَغَرَقِ الأرضِ بماءٍ يَنحَسِرُ في قُربٍ مِنْ الزَّمانِ، لا يَمنَعُ الزَّرعَ، ولا يَضُرُّه، وانقِطاعِ الماءِ عَنها، إذا ساقَ المُؤجِّرُ إلَيها ماءً مِنْ مَكانٍ آخَرَ، أو كانَ انقِطاعُه في زَمنٍ لا يَحتاجُ إليه فيه؛ فليسَ لِلمُستَأجِرِ الفَسخُ؛ لأنَّ هذا لَيسَ بعَيبٍ، وإنْ حَدَثَ الغَرَقُ المُضِرُّ، أو انقِطاعُ الماءِ، أو انهَدَمَ بَعضُ المُستَأجَرةِ، فلِذلك البَعضِ حُكمُ نَفْسِه في الفَسخِ، أو ثُبوتِ الخِيارِ، ولِلمُكتَرِي الخِيارُ في تَبْقِيَةِ العَينِ؛ لأنَّ الصَّفقةَ تَبَعَّضَتْ عليه، فإنِ اختارَ الإمساكَ أمسَكَ بالحِصَّةِ مِنْ الأجرِ، كَما إذا تَلِفَ أحَدُ القَفيزَيْنِ مِنْ الطَّعامِ في يَدِ البائِعِ (١).

(١) «المغني» (٥/ ٢٦١، ٢٦٤)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٠١، ١٠٣)، و «المبدع» (٥/ ٩٩، ١٠١)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٢)، و «الروض المربع» (٢/ ٩٨، ٩٩)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٥٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب ما يوجب فسخ الاجارة

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

(بَابُ مَا يوجب فسخ الاجارة) إذا وجد المستأجر بالعين المستأجرة عيبا جاز له ان يرد، لان الاجارة كالبيع، فإذا جاز رد المبيع بالعيب جاز رد المستأجر، وله أن يرد بما يحدث في يده من العيب، لان المستأجر في يد المستأجر كالمبيع في يد البائع، فإذا جاز رد المبيع بما يحدث من العيب في يد البائع، جاز رد المستأجر بما يحدث من العيب في يد المستأجر.

(فصل)

والعيب الذى يرد به ما تنقص به المنفعة، كتعثر الظهر في المشي والعرج الذى يتأخر به عن القافلة وضعف البصر والجذام والبرص في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والتغير الذى يمتنع به الشرب أو الوضوء وغير ذلك من العيوب التى تنقص بها المنفعة.

فاما إذا اكترى ظهرا فوجده خشين المشي لم يدر، لان ذلك لا تنقص به المنفعة.

وان اكترى ظهرا للحج عليه فعجز عن الخروج بالمرض أو ذهاب المال لم يجز له الرد، وان اكترى حماما فتعذر عليه ما يوقده لم يجز له الرد، لان المعقود عليه باق، وانما تعذر الانتفاع لمعنى في غيره فلم يجز له الرد، كما لو اشترى ظهرا ليحج عليه فعجز عن الحج لمرض أو ذهاب المال، وان اكترى أرضا للزراعة فزرعها ثم هلك الزرع بزيادة المطر أو شدة برد أو دوام ثلج أو أكل جراد لم يجز له الرد لان الجائحة حدثت على مال المستأجر دون منفعة الارض فلم يجز له الرد، وان اكترى دارا فتشعثت فبادر المكرى إلى اصلاحها لم يكن للمستأجر ردها لانه لا يلحقه الضرر، فان لم يبادر ثبت له الفسخ لانه يلحقه ضرر بنقصان المنفعة، فان رضى سكناها ولم يطالب بالاصلاح فهل يلزمه جميع الاجرة ام لا؟ فيه وجهان

(أحدهما)

لا يلزمه جميع الاجرة لانه لم يستوف جميع ما استحقه من المنفعة فلم يلزمه جميع الاجرة، كما لو اكترى دارا سنة فسكنها بعض السنة ثم غصبت

(والثانى)

يلزمه جميع الاجرة لانه استوفى جميع المعقود عليه ناقصا بالعيب

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 581 - 588

ارجع إلى حكم عقد الإجارة وما يبطلها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده