رابعا: موت أحد المتعاقدين المؤجر أو المستأجر

الإسلام > الشركات والإجارات > حكم عقد الإجارة وما يبطلها > رابعا: موت أحد المتعاقدين المؤجر أو المستأجر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 42 دقيقة قراءة

رابعا: موت أحد المتعاقدين المؤجر أو المستأجر - الأقوال والأدلة

رابِعًا: مَوتُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، المُؤجِّرِ أوِ المُستَأجِرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا ماتَ المُتعاقدانِ، المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ، أو ماتَ أحَدُهما في أثناءِ عَقدِ الإجارةِ، هَلْ تَنفَسِخُ الإجارةُ أو تَبقَى على حالِها، ويَقومُ وارِثُ المُتوَفَّى مَقامَ مُورِّثِه؟

فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه إذا ماتَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ، المُؤجِّرُ أو المُستَأجِرُ، وقَد عَقدَ الإجارةَ لِنَفْسِه انفَسخَتْ؛ لأنَّه لَو بَقِيَ العَقدُ صارَتِ المَنفَعةُ المَملوكةُ به، أو الأُجرةُ المَملوكةُ لِغَيرِ العاقِدِ مُستَحقَّةً بالعَقدِ؛ لأنَّه يَنتقِلُ بالمَوتِ إلى الوارِثِ، وذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ الِانتِقالَ مِنْ المُورِّثِ إلى الوارِثِ لا يُتصوَّرُ في المَنفَعةِ والأُجرةِ المَملوكةِ؛ لأنَّ عَقدَ الإجارةِ يَنعَقِدُ ساعةً فساعةً بحَسَبِ حُدوثِ المَنفَعةِ، فإذا ماتَ المُؤجِّرُ بَطَلَتْ؛ لأنَّ المُستَحقَّ بالعَقدِ المَنافِعُ التي تَحدُثُ على مِلْكِه، وقَد فاتَ ذلك بمَوتِه؛ لأنَّ الدَّارَ تَنتقِلُ إلى وارِثِه، ومَنفعَتُها تَحدُثُ على مِلكِه، وإذا ماتَ المُستَأجِرُ لَو بَقيَ العَقدُ بعدَ مَوتِه لَبقيَ على أنْ يَخلُفَه الوارِثُ فيه، فتَكونَ المَنفَعةُ المُجرَّدةُ مَوروثةً، وهي لا تُورَثُ، ولأنَّ العَقدَ اقتَضَى استِحقاقَ الأُجرةِ مِنْ مالِه، فلَو بَقَّيْنا الإجارةَ بعدَ مَوتِه: استُحِقَّتِ الأُجرةُ مِنْ مِلكِ الآخَرينَ.

وأمَّا إذا عَقدَها لِغَيرِه، كالوَكيلِ والوَلِيِّ والوَصِيِّ والمُتوَلِّي في الوَقفِ، لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ بمَوتِه؛ لِبَقاءِ المُستَحِقِّ والمُستحَقِّ، ولِانعِدامِ ما أشَرْنا إلَيه، وهو صَيرورةُ المَنفَعةِ لِغَيرِ العاقِدِ مُستَحقَّةً بالعَقدِ؛ لأنَّه يَنتقِلُ بالمَوتِ إلى الوارِثِ، وذلك لا يَجوزُ؛ لأنَّ الِانتِقالَ مِنْ المُورِّثِ إلى الوارِثِ لا

يُتصوَّرُ في المَنفَعةِ والأُجرةِ المَملوكةِ؛ فإنَّه في الِابتِداءِ كانَ واقِعًا لِغَيرِ العاقِدِ، وبَقيَ بعدَ المَوتِ كذلك (١).

وليسَ هذا كمَن زَوَّجَ أَمَتَهُ، ثم ماتَ؛ فإنَّ النِّكاحَ لا يَبطُلُ بخِلافِ الإجارةِ؛ لأنَّ عَقدَ النِّكاحِ لا يَقَعُ على المَنافِعِ، وإنَّما يَقَعُ على مِلْكِ الِاستِباحةِ، وذلك يُملَكُ بالعَقدِ.

وَلَو ماتَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ، وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، فلِلمُستَأجِرِ أو وَرثَتِه أنْ يدَّعُوا ذلك في الأرضِ، ويَكونَ عليهم ما سُمِّيَ مِنْ الأُجرةِ، ولا يُشبِهُ هذا إذا انقَضَتِ المدَّةُ، وفي الأرضِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ، فإنَّ الزَّرعَ يُترَكُ

(١) قال البابرتي في «العناية شرح الهداية» (١٢/ ٤٦٦، ٤٦٧): وَنوقِضَ بما إذا استَأجَرَ دابَّةً إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ فماتَ صاحِبُ الدَّابَّةِ في وَسَطِ الطَّريقِ، فإنَّ لِلمُستَأجِرِ أنْ يَركَبَ الدَّابَّةً إلى المَكانِ المُسَمَّى بالأجْرِ، فقَد ماتَ أحَد المُتَعاقِدَيْنِ، وقَد عَقَدَ لِنَفسِه ولَم يَنفَسِخِ العَقدُ. وَأُجيبُ بأنَّ ذَلِكَ لِلضَّرورةِ، فإنَّه يَخافُ على نَفسِه ومالِه؛ حَيثُ لا يَجِدُ دابَّةً أُخرَى في وَسَطِ المَفازةِ، ولا يَكونُ ثَمَّةَ قاضٍ يَرفَعُ الأمرَ إلَيه فيَستَأجِرَ الدَّابَّةَ مِنه، حتى قالَ بَعض مَشايِخِنا: إنْ وُجِدَ ثَمَّةَ دابَّةٌ أُخرَى يَحمِلُ عليها مَتاعَه تَنتَقِضُ الإجارةُ، وكَذا لَو ماتَ في مَوضِعٍ فيه قاضٍ تَنتَقِضُ الإجارةُ؛ لِأنَّه لا ضَرورةَ إلى إبقاءِ الإجارةِ مَعَ وُجودِ ما يُنافِي البَقاءَ، وهو مَوتُ المُؤَجِّرِ، وإذا ثَبَتَتِ الضَّرورةُ كانَ عَدَمُ الِانفِساخِ بالِاستِحسانِ الضَّروريِّ، والمُستَحسَنُ لا يُورِدُ نَقضًا على القِياسِ، كَتَطهيرِ الحِياضِ والأوانِي، ونُقِضَ بما إذا ماتَ المُوَكِّلُ فإنَّه تَنفَسِخُ الإجارةُ، ولَم يَعقِدْ لِنَفسِه، ولَيسَ بلازِمٍ، فإنَّا قَدْ قُلْنا: كلَّما ماتَ العاقِد لِنَفسِه انفَسَخَ، ولَم يُلتزَمْ بأنَّ كلَّ ما انفَسَخَ يَكونُ بمَوتِ العاقِدِ؛ لِأنَّ العَكسَ غَيرُ لازِمٍ في مِثْلِه. وَوَجْهُ نَقضِه: هو أنَّ المَعنَى الَّذي انفَسَخَ العَقدُ لِأجلِه إذا ماتَ العاقِدُ لِنَفسِه، وهو ضَرورةُ المَنفَعةِ المَملوكةِ، أو الأُجرةِ المَملوكةِ لِغَيرِ مَنْ عُقِدِ لَه مُستحَقَّةٌ بالعَقدِ مَوجودةٌ فيه، فالفَسخُ لِأجلِه.

ويَجِبُ أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ البَدَلَ لَمَّا وجبَ ولا تَسميةَ في هذه المدَّةِ، لَم يكُنْ هناك إلَّا أُجرةُ المِثلِ (١).

وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: يَنتَهي عَقدُ الإجارةِ بمَوتِ مَنْ وقعَ له الإجارةُ إلَّا لِعُذرٍ عِندَنا.

وَعِنْدَ الشافِعيِّ: لا تَبطُلُ بالمَوتِ، كَبَيعِ العَينِ.

والكَلامُ فيه على أصْلٍ ذَكَرناه في كَيفيَّةِ انعِقادٍ هذا العَقدِ، وهو أنَّ الإجارةَ عِندَنا تَنعقِدُ ساعةً فساعةً على حَسَبِ حُدوثِ المَنافِعِ شَيئًا فشَيئًا، وإذا كانَ كذلك فما يَحدُثُ مِنْ المَنافِعِ في يَدِ الوارِثِ لَم يَملِكْها المُورِّثُ لِعَدَمِها، والمِلْكُ صِفةُ المَوجودِ، لا المَعدومِ، فلا يَملِكُها الوارِثُ؛ إذِ الوارِثُ إنَّما يَملِكُ ما كانَ على مِلْكِ المُورِّثِ، فما لَم يَملِكْه يَستَحيلُ وِراثَتُه، بخِلافِ بَيعِ العَينِ؛ لأنَّ العَينَ مِلْكٌ قائِمٌ بنَفْسِه، ملكَه المُورِّثُ إلى وَقتِ المَوتِ، فجازَ أنْ يَنتقِلَ منه إلى الوارِثِ؛ لأنَّ المَنافِعَ لا تُملَكُ إلَّا بالعَقدِ، وما يَحدُثُ مِنها في يَدِ الوارِثِ لَم يُعقَدْ عليه رَأْسًا؛ لأنَّها كانَتْ مَعدومةً حالَ حَياةِ المُورِّثِ، والوارِثُ لَم يَعقِدْ عليها، فلا يثبُتُ المِلْكُ فيها لِلوارِثِ.

وَعِنْدَ الشافِعيِّ: مَنافِعُ المدَّةِ تُجعَلُ مَوجودةً لِلحالِ، كَأنَّها أعيانٌ قائِمةٌ، فأشبَهَ بَيعَ العَينِ، والبَيعُ لا يَبطُلُ بمَوتِ أحَدِ المُتبايِعَيْنِ، كَذا

(١) «العناية شرح الهداية» (١٢/ ٤٦٦، ٤٦٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٧٦، ٣٧٧)، و «الاختيار» (٣/ ٧٣)، و «اللباب» (١/ ٤٩٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٤، ١٢٥).

الإجارةُ، وعَلَى هذا يَخرُجُ ما إذا أجَّرَ رَجُلانِ دارًا مِنْ رَجُلٍ ثم ماتَ أحَدُ المُؤاجِرَيْنِ، أنَّ الإجارةَ تَبطُلُ في نَصيبِه عِندَنا، وتَبقَى في نَصيبِ الحَيِّ على حالِها؛ لأنَّ هذا (شيوعٌ) طارِئٌ، وأنَّه لا يُؤثِّرُ في العَقدِ في الرِّوايةِ المَشهورةِ لِمَا بيَّنَّا فيما تَقدَّمَ.

وَكذلك لَوِ استَأجَرَ رَجُلانِ مِنْ رَجُلٍ دارًا فماتَ أحَدُ المُستَأجِرَيْنِ، فإنْ رَضيَ الوارِثُ بالبَقاءِ على العَقدِ ورَضيَ العاقِدُ أيضًا، جازَ، ويَكونُ ذلك بمَنزِلةِ عَقدٍ مُبتَدَأٍ، ولَو ماتَ الوَكيلُ بالعَقدِ لا تَبطُلُ الإجارةُ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ لَه، وإنَّما هو عاقِدٌ، وكَذا لَو ماتَ الأبُ أوِ الوَصيُّ، لِمَا قُلْنا، وكَذا لَو ماتَ أبو الصَّبِيِّ في استِئجارِ الظِّئرِ لا تُنقَضُ الإجارةُ؛ لأنَّ الإجارةَ وَقَعَتْ لِلصَّبِيِّ والظِّئرِ، وهُمَا قائِمانِ، ولَو ماتَ الظِّئرُ انتَقضَتِ الإجارةُ، وكَذا لَو ماتَ الصَّبيُّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهما مَعقودٌ لَه.

والأصلُ أنَّ الإجارةَ تَبطُلُ بمَوتِ المَعقودِ لَه، ولا تَبطُلُ بمَوتِ العاقِدِ، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ استِيفاءَ العَقدِ بعدَ مَوتِ مَنْ وقعَ له العَقدُ يُوجِبُ تَغييرَ مُوجِبِ العَقدِ؛ لأنَّ مَنْ وقعَ له إنْ كانَ هو المُؤاجِرَ فالعَقدُ يَقتَضي استِيفاءَ المَنافِعِ مِنْ مِلْكِه، ولَو بَقَّيْناه بعدَ مَوتِه لَاستُوفِيَت المَنافِعُ مِنْ مِلْكِ غَيرِه، وهذا خِلافُ مُقتَضَى العَقدِ، وإنْ كانَ هو المُستَأجِرَ فالعَقدُ يَقتَضي استِحقاقَ الأُجرةِ مِنْ مالِه، ولَو بَقَّيْنا العَقدَ بعدَ مَوتِه لَاستُحِقَّتِ الأُجرةُ مِنْ مالِ غَيرِه، وهذا خِلافُ مُوجِبِ العَقدِ بخِلافِ ما إذا ماتَ مَنْ لَم يَقَعِ العَقدُ لَه، كالوَكيلِ ونَحوِه؛ لأنَّ العَقدَ منه لا يَقَعُ مُقتَضيًا استِحقاقَ المَنافِعِ، ولا استِحقاقَ الأُجرةِ مِنْ مِلكِه؛ فإبقاءُ العَقدِ بعدَ مَوتِه لا يُوجِبُ تَغييرَ مُوجِبِ

العَقدِ، وكذلك الوَلِيُّ في الوَقفِ، إذا عَقدَ ثم ماتَ، لا تَنتقِضُ الإجارةُ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَقَعْ لَه؛ فمَوتُه لا يُغَيِّرُ حُكمَه.

وَلَوِ استَأجَرَ دَابَّةً إلى مَكَّةَ فماتَ المُؤاجِرُ في بَعضِ المَفازةِ، فلَه أنْ يَركَبَها، أو يَحمِلَ عليها إلى مَكَّةَ، أو إلى أقرَبِ الأماكِنِ مِنْ المِصرِ؛ لأنَّ الحُكمَ ببُطلانِ الإجارةِ هَهُنا يُؤدِّي إلى الضَّررِ بالمُستَأجِرِ؛ لِمَا فيه مِنْ تَعريضِ مالِه ونَفْسِه إلى التَّلَفِ، فجعلَ ذلك عُذرًا في بَقاءِ الإجارةِ، وهذا مَعنَى قَولِهم: إنَّ الإجارةَ كَما تُفسَخُ بالعُذرِ، تَبقَى بالعُذرِ.

وَقالوا فيمَنِ اكتَرى إبِلًا إلى مَكَّةَ ذاهِبًا وجائِيًا، فماتَ الجمَّالُ في بَعضِ الطَّريقِ، فلِلمُستَأجِرِ أنْ يَركَبَها إلى مَكَّةَ، أو يَحمِلَ عليها، وعليه المُسمَّى؛ لأنَّ الحُكمَ بانفِساخِ الإجارةِ في الطَّريقِ إلحاقُ الضَّررِ بالمُستَأجِرِ؛ لأنَّه لا يَجِدُ ما يَحمِلُه، ويَحمِلُ قُماشَه، وإلحاقُ الضَّررِ بالوَرثةِ إذا كانوا غَيبًا؛ لأنَّ المَنافِعَ تَفوتُ مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فكانَ في استِيفاءِ العَقدِ نَظَرٌ مِنْ الجانبيْنِ، فإذا وَصَلَ إلى مَكَّةَ رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه لا ضَررَ عليه في فَسْخِ الإجارةِ عندَ ذلك؛ لأنَّه يَقدِرُ على أنْ يَستَأجِرَ مِنْ جَمَّالٍ آخَرَ، ثم يَنْظُرُ الحاكِمُ في الأصلَحِ.

فَإنْ رَأى بَيعَ الجِمالِ وحِفظَ الثَّمنِ لِلوَرثةِ أصلَحَ، فعلَ ذلك، وإنْ رَأَى إمضاءَ الإجارةِ إلى الكُوفةِ أصلَحَ، فعلَ ذلك؛ لأنَّه نُصِّبَ ناظِرًا مُحتاطًا، وقَد يَكونُ أحَدُ الأمرَيْنِ أحوَطَ، فيُختارُ ذلك، قالوا: والأفضَلُ إذا كانَ المُستَأجِرُ ثِقةً أنْ يُمضيَ القاضي الإجارةَ.

والأفضَلُ إذا كانَ غيرَ ثِقةٍ أنْ يَفسَخَها؛ فإنْ فَسخَها وقَد كانَ المُستَأجِرُ عَجَّلَ الأُجرةَ، سَمِعَ القاضي بيِّنَتَه عليها، وقَضاه مِنْ ثَمنِها، لأنَّ الإجارةَ إذا انفَسخَتْ فلِلمُستَأجِرِ إمساكُ العَينِ حتى يَستَوفيَ جَميعَ الأُجرةِ، وقامَ القاضي مَقامَ الغائِبِ، فنَصَبَ له خَصمًا وسَمِعَ عليه البيِّنةَ.

وَلَو ماتَ أحَدٌ مِمَّنْ وقعَ له عَقدُ الإجارةِ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، وفي الأرضِ المُستَأجَرةِ زَرعٌ لَم يُستَحصَدْ يُترَكُ ذلك في الأرضِ إلى أنْ يُستَحصَدَ، ويَكونُ على المُستَأجِرِ أو على وَرثَتِه ما سَمَّى مِنْ الأجرِ؛ لأنَّ في الحُكمِ بالِانفِساخِ وقَلعِ الزَّرعِ ضَرَرًا بالمُستَأجِرِ، ولأنَّ في الإبقاءِ مِنْ غيرِ عِوَضٍ ضَرَرًا بالوارِثِ، ويُمكِنُ تَوفيرُ الحَقَّيْنِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ بإبقاءِ الزَّرعِ إلى أنْ يُستَحصَدَ بالأجْرِ؛ فيَجِبُ القولُ به، وإنَّما وجبَ المُسمَّى استِحسانًا.

والقياسُ أنْ يَجِبَ أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ العَقدَ انفَسخَ حَقيقةً بالمَوتِ، وإنَّما بَقَّيْناه حُكمًا، فأشبَهَ شُبهةَ العَقدِ، واستِيفاءُ المَنافِعِ بشُبهةِ العَقدِ يُوجِبُ أجْرَ المِثلِ، كَما لَوِ استَوفاها بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ.

وَجْهُ الِاستِحسانِ أنَّ التَّسميةَ تَناوَلَتْ هذه المدَّةَ، فإذا مَسَّتِ الضَّرورةَ إلى التَّركِ بعِوَضٍ كانَ إيجابُ العِوَضِ المُسمَّى أَوْلَى لِوُقوعِ التَّراضي، بخِلافِ التَّرْكِ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّ التَّسميةَ لَم تَتناوَلْ ما بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، فتَعذَّرَ إيجابُ المُسمَّى، فوجبَ أجْرُ المِثلِ (١).

وَذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ عَقدَ الإجارةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٢٢، ٢٢٣).

لا يَنفَسِخُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ مع بَقاءِ العَينِ المُستَأجَرةِ، بَلْ تَبقَى الإجارةُ على حالِها، ويَقومُ وارِثُ المَيِّتِ مِنهما مَقامَه في استِيفاءِ المَنفَعةِ ودَفعِ الأُجرةِ.

قالَ المالِكيَّةُ: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ مع بَقاءِ العَينِ المُستَأجَرةِ إذا لَم يَتعذَّرِ استِيفاءُ المَنافِعِ؛ لِقَولِه : «مَنْ تَركَ مالًا أو حَقًّا فلِوَرثَتِه»، وهذه الإجارةُ مَتروكةٌ لِلمَيِّتِ، فيَجِبُ أنْ تَكونَ لِوَرثَتِه، وهذا يَنفي الفَسخَ؛ ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ؛ فلَم يَنفَسِخْ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ إذا لَم يَعُدْ بتَلَفِ المَنفَعةِ، أو تَعذَّرَ استِيفاؤُها، أصْلُه البَيعُ، ولأنَّه عَقدٌ تَعلّقَ بمَنفَعةٍ تُستَوفَى مِنْ عَينٍ، فلَم يَنفَسِخْ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، أصْلُه الرَّهنُ، ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ مِنْ مالِكٍ على مَنفَعةِ مالِه، وجبَ ألَّا يَنفَسِخَ بمَوتِ المالِكِ، كَعَقدِه النِّكاحَ على أَمَتِه (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، ولَو ذِمَّةً، بمَوتِ العاقِدَيْنِ، أو أحَدِهما، بَلْ تَبقَى إلى انقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَنفَسِخُ بالمَوتِ، كالبَيعِ، فتُترَكُ العَينُ بعدَ مَوتِ المُؤجِّرِ عندَ المُستَأجِرِ، أو وارِثِه؛ لِيَستَوفيَ مِنها المَنفَعةَ، فإنْ كانَتِ الإجارةُ على الذِّمةِ فما التَزَمه دَيْنٌ عليه، فإنْ كانَ في التَّرِكةِ وفاءٌ استُؤجِرَ مِنها؛ لتَوْفِيَته، وإلَّا فالوارِثُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ وَفَّاه، واستَحقَّ الأُجرةَ، وإنْ شاءَ أعرَضَ، فلِلمُستَأجِرِ فَسخُ الإجارةِ.

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٩٨، ١٩٩) رقم (١٠٤٣)، و «المعونة» (٢/ ١٠٥).

وَيُستَثنَى مِنْ ذلك ما لَو أوْصَى بدارِه لِزَيدٍ مدَّةَ عُمرِ زَيدٍ، فقَبِلَ الوَصيَّةَ، وأجَّرَها زَيدٌ مدَّةً، ثم ماتَ في خِلالِها، انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لِانتِهاءِ حَقِّه بمَوتِه.

وَلا تَنفَسِخُ أيضًا بمَوتِ مُتوَلِّي الوَقْفِ مِنْ حاكِمٍ أو مَنصوبِه أو مَنْ شُرِطَ له النَّظَرُ على جَميعِ البُطونِ.

وَلَو أجَّرَ البَطنُ الأولُ مِنْ المَوقوفِ عليهمُ العَينَ المَوقوفةَ مدَّةً وماتَ البَطنُ المُؤجِّرُ قبلَ تَمامِها، وشرطَ الواقِفِ لكلِّ بَطنٍ مِنهم النَّظَرَ في حِصَّتِه مدَّةَ استِحقاقِه فَقَطْ، أَوْ أَجَّرَ الوَلِيُّ صَبِيًّا أو مالَه مدَّةً لا يَبلُغُ فيها الصَّبِيُّ بالسِّنِّ، فبَلَغَ فيها بالاحتِلامِ وهو رَشيدٌ، انفَسخَتْ في الوَقفِ؛ لأنَّ الوَقفَ انتقَلَ استِحقاقُه بمَوتِ المُؤجِّرِ لِغَيرِه (١).

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: عَقدُ الإجارةِ لَازِمٌ لا يَنفَسِخُ بمَوتِ المُؤجِّرِ ولا المُستَأجِرِ. وبِه قالَ مالِكٌ وأحمَدُ وإسحاقُ.

وقالَ أبو حَنيفَةَ وسُفيانُ الثَّوريُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ: الإجارةُ تَبطُلُ بمَوتِ المُؤجِّرِ والمُستَأجِرِ، استِدلالًا بأنَّ عُقودَ المَنافِعِ تَبطُلُ بمَوتِ العاقِدِ، كالنِّكاحِ والمُضارَبةِ والوَكالةِ، ولأنَّ الإجارةَ تَفتقِرُ إلى مُؤجِّرٍ ومُؤاجَرٍ، فلَمَّا بَطَلَتْ بتَلَفِ المُؤاجَرِ بَطَلَتْ بتَلَفِ المُؤجِّرِ.

وتَحريرُه قِياسًا أنَّه عَقدُ إجارةٍ، يَبطُلُ بتَلَفِ المُؤاجَرِ، فوجبَ أنْ يَبطُلَ

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٠٠، ٤٠٢)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤١٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٠٤)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٨٧)، و «الديباج» (٢/ ٤٨٧).

بتَلَفِ المُؤجِّرِ قياسًا عليه، إذا أجَّرَ نَفْسَه، ولأنَّ زَوالَ مِلْكِ المُؤجِّرِ عن رَقَبةِ المُؤاجَرةِ يُوجِبُ فَسخَ الإجارةِ قِياسًا عليه إذا باعَ ما أجَّرَه برِضَى المُستَأجِرِ، ولأنَّ مَنافِعَ الإجارةِ إنَّما تُستَوفَى بالعَقدِ والمِلْكِ، وقَد زالَ مِلكُ المُؤجِّرِ بالمَوتِ، وإنْ كانَ عاقِدًا والوارِثُ لا عَقدَ عليه، وإنْ صارَ مالِكًا صارَتْ مُنتقِلةً عن العاقِدِ إلى مَنْ لَيسَ بعاقِدٍ، فوجبَ أنْ تَبطُلَ؛ لِتَنافي اجتِماعِ العَقدِ والمِلْكِ.

وَدَليلُنا هو أنَّ ما لَزِمَ مِنْ عُقودِ المُعاوَضاتِ المَحضةِ لَم يَنفَسِخْ بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، كالبَيعِ، فإنْ قيلَ: يَنتقِضُ بمَوتِ مَنْ أجَّرَ نَفْسَه؛ لَم يَصحَّ؛ لأنَّ العَقدَ إنَّما يَبطُلُ بتَلَفِ المَعقودِ عليه، لا بمَوتِ العاقِدِ، ألَا تَراه لَو كانَ حَيًّا فمَرِضَ بَطَلَتِ الإجارةُ، وإنْ كانَ العاقِدُ حَيًّا؟ لأنَّ السَّيِّدَ قد يُعاوِضُ على بُضعِ أَمَتِه بعَقدِ النِّكاحِ، كَما يُعاوِضُ على خِدمَتِها بعَقدِ الإجارةِ، فلَمَّا لَم يكُنْ مَوتُه مُبطِلًا لِلعَقدِ على بُضعِها لَم يَبطُلْ بالعَقدِ على استِخدامِها.

وَيَتحرَّرُ مِنْ هذا الِاعتِلالِ قِياسانِ:

أحَدُهما: أنَّه عَقدٌ لَازِمٌ على مَنافِعِ مِلْكِه، فلَم يَبطُلْ بمَوتِه، كالنِّكاحِ على أَمَتِه.

والآخَرُ: أنَّه أحَدُ مَنفعَتَيِ الأَمَةِ فلَم يَبطُلْ بمَوتِ السَّيِّدِ، كالمَنفَعةِ الأُخرَى، ولأنَّ المَنافِعَ قد تَنتقِلُ بالمُعاوَضةِ، كالأعيانِ، فجازَ أنْ تَنتقِلَ بالإرثِ، كالأعيانِ، ويَتحرَّرُ مِنْ هذا الِاعتِلالِ قياسانِ:

أحَدُهما: أنَّ ما صَحَّ أنْ يَنتقِلَ بعِوَضٍ صَحَّ أنْ يَنتقِلَ إرْثًا، كالأعيانِ.

والآخَرُ: أنَّ ما صَحَّ أنْ يَنتقِلَ به الأعيانُ في البِياعاتِ صَحَّ أنْ يَنتقِلَ به المَنافِعُ في الإجاراتِ، أصْلُه عَقدُ الحَيِّ المُختارِ.

وَلأنَّ بالمَوتِ يَعجِزُ عن إقباضِ ما استُحِقَّ تَسليمُه بعَقدِ الإجارةِ، فلَم يَبطُلْ به العَقدُ، كالجُنونِ والزَّمانةِ، ولأنَّه عَقدٌ لا يَبطُلُ بالجُنونِ، لَم يَبطُلْ بالمَوتِ، كالبَيعِ؛ ولأنَّ مَنافِعَ الأعيانِ مع بَقاءِ مِلْكِها قد تُستحَقُّ بالرَّهنِ تارةً، وبِالإجارةِ أُخرَى، فلَمَّا كانَ ما تُستحَقُّ مَنفَعةُ ارتِهانِه إذا انتَقلَ مِلْكُه بالمَوتِ لَم يُوجِبْ بُطَلانَ رَهْنِه، وجبَ أنْ يَكونَ ما استُحِقَّتْ مَنفعَتُه بالإجارةِ إذا انتَقلَ مِلْكُه بالمَوتِ لَم يُوجِبْ بُطلانَ إجارَتِه، وقَدِ استَدَلَّ الشافِعيُّ بهذا في الأُمِّ، ولأنَّ الوارِثَ إنَّما يَملِكُ بالإرثِ ما كانَ يَملِكُه المَوروثُ، والمَوروثُ إنَّما كانَ يَملِكُ الرَّقَبةَ دونَ المَنفَعةِ، لَم يَجُزْ أنْ يَصيرَ الوارِثُ مالِكًا لِلرَّقَبةِ، والمَنفَعةِ، ولأنَّ إجارةَ الوَقفِ لا تَبطُلُ بمَوتِ مُؤجِّرِه. وتَحريرُه قِياسًا أنَّه عَقدُ إجارةٍ يُمكِنُ استِيفاءُ المَنفَعةِ فيه، فوجبَ ألَّا تَبطُلَ بمَوتِ مُؤجِّرِه، كالوَقفِ.

وأمَّا الجَوابُ عن قياسِه على النِّكاحِ والمُضارَبةِ مع انتِقاضِه بالوَقفِ، فهو أنَّه إنْ رَدَّه إلى النِّكاحِ فالنِّكاحُ لَم يَبطُلْ بالمَوتِ، وإنَّما انقَضَتْ مدَّتُه بالمَوتِ، فصارَ كانقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ، وإنْ رَدَّه إلى المُضارَبةِ والوَكالةِ فالمَعنَى فيهِما عَدَمُ لُزومِهِما في حالِ الحَياةِ، وجَوازُ فَسخِها بغَيرِ عُذرٍ، وليسَتِ الإجارةُ كذلك؛ لِلُزومِها في حالِ الحَياةِ.

وأمَّا الجَوابُ عن قياسِه على انهِدامِ الدَّارِ فهو أنَّ المَعنَى فيه فَواتُ المَعقودِ عليه قبلَ قَبضِه.

وأمَّا الجَوابُ عن قياسِه على ما إذا باعَ ما أجَّرَ برِضَا المُستَأجِرِ فهو غيرُ مُسلَّمِ الأصْلِ؛ لأنَّ الإجارةَ لا تَبطُلُ بالبَيعِ عن رِضاه، كَما لا تَبطُلُ بالبَيعِ عن سُخطِه، وإنَّما البَيعُ مُختَلفٌ في إبطالِه، ثم يَنتقِضُ على أصْلِه بعِتقِ العَبدِ المُؤاجَرِ قد زالَ مِلْكُ سَيِّدِه عن رَقَبَتِه، مع بَقاءِ الإجارةِ عليها، فكذلك إذا زالَ مِلْكُه بالبَيعِ والمَوتِ.

وأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِه بأنَّ المَنافِعَ تُستَوفَى بعَقدٍ ومِلْكٍ، وهذا مُفتَرقٌ بالمَوتِ، فهو أنَّ اجتِماعَها يُعتبَرُ عندَ العَقدِ، ولا يُعتبَرُ فيما بَعدُ، كَما لَو أعتَق أو باعَ، ولا يَمتَنِعُ أنْ يُستَوفَى مِنْ يَدِ الوارِثِ ما لَم يُعاقِدْ عليه، كَما يُستَوفَى منه ثَمنُ ما اشتَراه المَوروثُ، ويَقبِضُ منه أعيانَ ما باعَه المَوروثُ؛ لأنَّ المَوروثَ قد ملكَ عليه ذلك بعَقدِه، فلَم يَملِكْه الوارِثُ بمَوتِه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا ماتَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ، أو ماتَ أحَدُهما مع سَلامةِ المَعقودِ عليه؛ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ، كَما لَو زَوَّجَ أَمَتَه ثم ماتَ، ووُجوبُ الأجْرِ هَهُنا بسَبَبٍ مِنْ المُستَأجِرِ، فوجبَ في تَرِكَتِه بعدَ مَوتِه، كَما لَو حَفَرَ بِئرًا فوقعَ فيها شَيءٌ بعدَ مَوتِه، ضَمِنَه في مالِهِ؛ لأنَّ سَبَبَ ذلك كانَ منه في حالِ الحَياةِ، كَذا هَهُنا.

وإنْ ماتَ المُستَأجِرُ ولَم يكُنْ له وارِثٌ يَقومُ مَقامَه في استِيفاءِ المَنفَعةِ، أو كانَ غائِبًا، كَمَنْ يَموتُ في طَريقِ مَكَّةَ، ويُخَلِّفُ جَمَلَهُ الذي اكتَراه، وليسَ له عليه شَيءٌ يَحمِلُه، ولا وارِثَ له حاضِرًا يَقومُ مَقامَه، قالَ ابنُ قُدامةَ:

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٤٠٠، ٤٠٢).

فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّه قد جاءَ أمْرٌ غالِبٌ يَمنَعُ المُستَأجِرَ مِنْ مَنفَعةِ العَينِ، فأشبَهَ ما لَو غُصِبَتْ؛ ولأنَّ بَقاءَ العَقدِ ضَرَرٌ في حَقِّ المُكتَرِي والمُكري؛ لأنَّ المُكتَرِي يَجِبُ عليه الكِراءُ مِنْ غيرِ نَفْعٍ، والمُكرِي يَمتَنِعُ عليه التَصرُّفُ في مالِه مع ظُهورِ امتِناعِ الكِراءِ عليه.

وقد نُقِلَ عن أحمدَ في رَجُلٍ اكتَرى بَعيرًا فماتَ المُكتَرِي في بَعضِ الطَّريقِ، فإنْ رَجعَ البَعيرُ خاليًا فعليه بقَدْرِ ما وجبَ لَه، وإنْ كانَ عليه ثِقْلُه ووِطاؤُه، فلَه الكِراءُ إلى المَوضِعِ، وظاهِرُ هذا أنَّه حَكَمَ بفَسخِ العَقدِ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ إذا ماتَ المُستَأجِرُ ولَم يَبْقَ به انتِفاعٌ؛ لأنَّه تَعذَّرَ استِيفاءُ المَنفَعةِ بأمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعالى، فأشبَهَ ما لَوِ اكتَرى مَنْ يَقلَعُ له ضِرسَه فبَرَأَ أو انقَلَعَ قبلَ قَلعِه، أو اكتَرى كَحَّالًا لِيُكحِّلَ عَينَيْه فبَرَأتْا أو ذَهَبَتا، ويَجِبُ أنْ يُقَدِّرَ أنَّه لَم يكُنْ ثَم مِنْ وَرثَتِه مَنْ يَقومُ مَقامَه مِنْ الِانتِفاعِ؛ لأنَّ الوارِثَ يَقومُ مَقامَ المَوروثِ، وتَأوَّلَها القاضي على أنَّ المُكرِي قَبَضَ البَعيرَ، مَنَعَ الوَرثةَ مِنْ الِانتِفاعِ، ولَولا ذلك لَمَا انفَسخَ العَقدُ؛ لأنَّه لا يَنفَسِخُ بعُذْرٍ في المُستَأجِرِ مع سَلامةِ المَعقودِ عليه، كَما لَو حَبَسَ مُستَأجِرٌ الدَّارَ ومَنَعَ مِنْ سُكناها، ولا يَصحُّ هَذا؛ لأنَّه لَو مَنَعَ الوارِثَ الِانتِفاعَ لَمَا استَحقَّ شَيئًا مِنْ الأجْرِ، ويُفارِقُ هذا ما لَو حُبِسَ المُستَأجِرُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه انتِفاعُه، وهذا لا يُؤيَسُ منه بالحَبسِ؛ فإنَّه في كلِّ وَقتٍ يُمكِنُ خُروجُه مِنْ الحَبسِ وانتِفاعُه، ويُمكِنُ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَستَوفيَ المَنفَعةَ، إمَّا بأجرٍ، وإمَّا بغَيرِه، بخِلافِ المَيِّتِ؛ فإنَّه قد فاتَ انتِفاعُه بنَفْسِه ونائِبِه، فأشبَهَ ما ذَكَرْنا مِنْ الصُّوَرِ.

وَإذا أجَّرَ المَوقوفُ عليه الوَقفَ مدَّةً فماتَ في أثنائِها، وانتَقلَ إلى مَنْ بَعدَه، ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ لأنَّه ملكَه في زَمنِ وِلايَته، فلَم يَبطُلْ بمَوتِه، كَما لَو أَجَّرَ مِلْكَه الطَّلقَ.

الآخَرُ: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّا تَبيَّنَّا أنَّه أجَّرَ مِلْكَه ومِلْكَ غَيرِه، فُسِخَ في مِلْكِه دونَ مِلكِ غَيرِه، كَما لَو أجَّرَ دارَيْنِ، إحداهُما لَه، والأُخرَى لِغَيرِه، وذلك لأنَّ المَنافِعَ بعدَ المَوتِ حَقٌّ لِغَيرِه؛ فلا يَنفُذُ عَقدُه عليها مِنْ غيرِ مِلْكٍ ولا وِلايةٍ، ولا بخِلافِ الطَّلقِ، فإنَّ المالِكَ يَملِكُ مِنْ جِهةِ المَوروثِ، فلا يَملِكُ إلَّا ما خَلَّفَه، وما تَصرَّفَ فيه في حَياتِه لا يَنتقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَّرَها قد خَرجَتْ عن مِلْكِه بالإجارةِ؛ فلا تَنتقِلُ إلى الوارِثِ، والبَطنُ الثَّاني في الوَقفِ يَملِكونَ مِنْ جِهةِ الواقِفِ، فما حَدَثَ فيها بعدَ البَطنِ الأولِ كانَ مِلْكًا لَهم، فقَد صادَفَ تَصرُّفَ المُؤجِّرِ في مِلْكِهم مِنْ غيرِ إذْنِهم، ولا وِلايةَ له عليهم؛ فلَم يَصحَّ.

وَيُتخَرجُ بأنْ تَبطُلَ الإجارةُ كلُّها بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ، وهذا التَّفصيلُ مَذهَبُ الشَّافِعيِّ؛ فعلى هذا إنْ كانَ المُؤجِّرُ قَبَضَ الأجْرَ كلَّه، وقُلْنا: تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ فلِمَنِ انتَقلَ إليه الوَقْفُ أخْذُه، ويَرجِعُ المُستَأجِرُ على وَرثةِ المُؤجِّرِ بحِصَّةِ البَقيَّةِ مِنْ الأجْرِ، وإنْ قُلْنا: لا تَنفَسِخُ، رَجعَ مَنِ انتَقلَ إليه الوَقْفُ على التَّرِكةِ بحِصَّتِه (١).

(١) «المغني» (٥/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٠٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٨٠، ١٨٢)، و «الفروع» (٤/ ٣٣١)، و «المبدع» (٥/ ١٠٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٣٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٦)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٦١)، و «الروض المربع» (٢/ ٩٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٢٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الإجارة
باب ما يوجب فسخ الاجارة

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

(بَابُ مَا يوجب فسخ الاجارة) إذا وجد المستأجر بالعين المستأجرة عيبا جاز له ان يرد، لان الاجارة كالبيع، فإذا جاز رد المبيع بالعيب جاز رد المستأجر، وله أن يرد بما يحدث في يده من العيب، لان المستأجر في يد المستأجر كالمبيع في يد البائع، فإذا جاز رد المبيع بما يحدث من العيب في يد البائع، جاز رد المستأجر بما يحدث من العيب في يد المستأجر.

(فصل)

والعيب الذى يرد به ما تنقص به المنفعة، كتعثر الظهر في المشي والعرج الذى يتأخر به عن القافلة وضعف البصر والجذام والبرص في المستأجر للخدمة، وانهدام الحائط في الدار، وانقطاع الماء في البئر والعين والتغير الذى يمتنع به الشرب أو الوضوء وغير ذلك من العيوب التى تنقص بها المنفعة.

فاما إذا اكترى ظهرا فوجده خشين المشي لم يدر، لان ذلك لا تنقص به المنفعة.

وان اكترى ظهرا للحج عليه فعجز عن الخروج بالمرض أو ذهاب المال لم يجز له الرد، وان اكترى حماما فتعذر عليه ما يوقده لم يجز له الرد، لان المعقود عليه باق، وانما تعذر الانتفاع لمعنى في غيره فلم يجز له الرد، كما لو اشترى ظهرا ليحج عليه فعجز عن الحج لمرض أو ذهاب المال، وان اكترى أرضا للزراعة فزرعها ثم هلك الزرع بزيادة المطر أو شدة برد أو دوام ثلج أو أكل جراد لم يجز له الرد لان الجائحة حدثت على مال المستأجر دون منفعة الارض فلم يجز له الرد، وان اكترى دارا فتشعثت فبادر المكرى إلى اصلاحها لم يكن للمستأجر ردها لانه لا يلحقه الضرر، فان لم يبادر ثبت له الفسخ لانه يلحقه ضرر بنقصان المنفعة، فان رضى سكناها ولم يطالب بالاصلاح فهل يلزمه جميع الاجرة ام لا؟ فيه وجهان

(أحدهما)

لا يلزمه جميع الاجرة لانه لم يستوف جميع ما استحقه من المنفعة فلم يلزمه جميع الاجرة، كما لو اكترى دارا سنة فسكنها بعض السنة ثم غصبت

(والثانى)

يلزمه جميع الاجرة لانه استوفى جميع المعقود عليه ناقصا بالعيب

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 589 - 601

ارجع إلى حكم عقد الإجارة وما يبطلها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله