التفاضل في الربح والوضيعة

الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > التفاضل في الربح والوضيعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

التفاضل في الربح والوضيعة - الأقوال والأدلة

ولِتَعامُلِ الناسِ بها مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، ولأنَّها مُشتمِلةٌ على مَصلحةٍ مِنْ غَيرِ مَضرَّةٍ.

وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى بُطلانِ هذه الشَّركةِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ شَرعيَّتِها، ولأنَّ حَقيقةَ الشَّركةِ أنْ يَشترِكا في شَيءٍ عندَ العَقدِ، إمَّا يَكونُ مالًا وإمَّا يَكونُ بَدنًا، وكِلاهما مَعدومانِ في هذه المَسألةِ، فلا يَصحُّ، ولا يَكفي العَقدُ؛ لأنَّهما لو جعَلا الرِّبحَ كلَّه لِأحدِهما لامتنَع، مع ما في ذلك مِنَ الغَررِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما عارَضَ صاحبَه بكَسبٍ غَيرِ مَحدودٍ بصِناعةٍ، وليس بعَملٍ مَخصوصٍ.

ولأنَّ ما يَشتريه كلُّ واحِدٍ منهما مِلكٌ له، فلا يُشارِكُه غَيرُه فيه؛ فإنْ أذنَ أحَدُهما لِصاحبِه أنْ يَشتريَ له عَينًا مُعيَّنةً، أو مَوصوفةً، وبَيَّن له الثَّمنَ، فاشتَرى له، ونَواه عندَ الشِّراءِ، كان ذلك لِلآمِرِ (١).

التَّفاضُلُ في الرِّبحِ والوَضيعةِ:

اختلَف الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في الرِّبحِ هل يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَكونَ له رِبحٌ أكثَرُ مِنَ الآخَرِ أو لا؟

فذهَب الحَنفيَّةُ والقاضي مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا بُدَّ أنْ يَكونَ الرِّبحُ

(١) «المبسوط» (١١/ ١٥٢)، و «بدائع الصانع» (٦/ ٥٧)، و «الهداية» (٣/ ١١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٣٥)، و «الاختيار» (٣/ ٢٠)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣٢٢)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٩٠)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٦٢)، و «الإشراف» (٣/ ٧٢) رقم (٩٣١)، و «الذخيرة» (٨/ ٢٩)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٨٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٨)، و «البيان» (٦/ ٣٧٤)، و «المغني» (٥/ ٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٤)، و «الفروع» (٤/ ٣٠١)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٩٠، ٥٩١)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٨).

بينَهما على قَدْرِ مِلكَيْهما؛ فإنْ شرَط مُناصَفةَ المُشتَرى بَينَهما أو مُثالَثتَه فالرِّبحُ كذلك، أي: يَكونُ بينَهما مُناصَفةً في صُورةِ مُناصَفةِ المُشتَرى، ومُثالَثةً في صُورةِ مُثالَثةِ المُشتَرى.

فإنْ شرَط الفَضلَ في الرِّبحِ بأنْ تَكونَ حِصَّةُ رِبحِ أحَدِهما زائِدةً على قَدْرِ مِلكِه فهذا الشَّرطُ باطِلٌ؛ فإنَّ الرِّبحَ يَكونُ على قَدْرِ المِلكِ في المُشتَرى، فكان الزائِدُ عليه رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، وهو غَيرُ جائِزٍ، وإنَّما جازَ في العِنانِ ذلك باعتِبارِ جَوازِ زيادةِ العَملِ مِنْ أحَدِهما، وهذا الاعتِبارُ إنَّما يَجوزُ إذا كان المالُ مَعلومًا، كما في المُضاربةِ والعِنانِ، وهنا ليس كذلك.

ولأنَّ هذه شَركةٌ مُنعقِدةٌ على الضَّمانِ، ولأنَّ الضَّمانَ يُستحَقُّ به الرِّبحُ بمِقدارِ ما ضمِن كلُّ واحِدٍ منهما بالعَقدِ؛ فإنْ شرَط له أكثَرَ مِنْ نَصيبِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه رِبحٌ شُرِط له مِنْ غَيرِ مالٍ ولا عَملٍ فلا يَجوزُ، ولأنَّ استِحقاقَ الرِّبحِ في شَركةِ الوُجوهِ بالضَّمانِ، ولأنَّ الضَّمانَ على قَدْرِ المِلكِ في المُشتَرى، فكان الرِّبحُ الزائِدُ عليه رِبحَ ما لَم يُضمَنْ، فلا يَصحُّ اشتِراطُه، كما تَقدَّم.

فإنْ أرادَ التَّفاوُتَ في الرِّبحِ يَنبَغي أنْ يَشترطَ التَّفاوُتَ في مِلكِ المُشتَري بأنْ يَكونَ لِأحدِهما الثُّلثُ ولِلآخَرِ الثُّلثانِ حتى يَكونَ لكلِّ واحِدٍ منهما الرِّبحُ بقَدْرِ مِلكِه.

وقال القاضي رحمة الله عليه: الرِّبحُ بينَهما على قَدْرِ مِلكَيْهما في المُشتَرى؛ لأنَّ الرِّبحَ يَستحِقُّ الضَّمانَ، إذِ الشَّركةُ وقَعت عليه خاصَّةً، إذْ لا مالَ

عندَهما فيشتَرِكان على العَملِ والضَّمانِ، لا تَفاضُلَ فيه، فلا يَجوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبحِ.

وقال الحَنابِلةُ في المَذهَبِ: الرِّبحُ بينَهما كما شرَطا مِنْ تَساوٍ وتَفاضُلٍ؛ لأنَّ أحدَهما قد يَكونُ أوثَقَ عندَ التُّجارِ وأبصَرَ بالتِّجارةِ مِنَ الآخَرِ، ولأنَّها مُنعقِدةٌ على عَملٍ وغَيرِه، فكان رِبحُها على ما شُرِط كشَركةِ العِنانِ.

ولأنَّها شَركةٌ فيها عَملٌ جازَ ما اتَّفقا عليه في الرِّبحِ كسائِرِ الشَّرِكاتِ، وقَولُ القاضي: «لا مالَ لهما يَعمَلانِ فيه»، قُلنا: إنَّما يَشتَرِكانِ لِيَعمَلا في المُستقبَلِ فيما يَتَّخِذانِه بجاهِهما كما أنَّ سائِرَ الشَّركاتِ إنَّما يَكونُ العَملُ فيها فيما يأتي، فكذا ههنا.

وأمَّا الوَضيعةُ -أي: الخُسرانُ- بتَلَفٍ أو بَيعٍ بنُقصانٍ عما اشتَرى به أو غَيرِ ذلك، فتَكونُ على قَدْرِ مِلكَيْهما فيما يَشتريانِه عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ، فمَن له فيه ثُلُثانِ فعليه ثُلُثا الوَضيعةِ، ومَن له الثُّلثُ فعليه ثُلثُها.

وقال الحَنابِلةُ: سَواءٌ كان الرِّبحُ بينَهما كذلك أو لا؛ لأنَّ الوَضيعةَ نَقصُ رأسِ المالِ، وهو مُختَصٌّ بمِلاكِه، فيُوزَّعُ بينَهما على قَدْرِ الحِصصِ (١).

(١) «المبسوط» (١١/ ١٥٤)، و «بدائع الصانع» (٦/ ٦٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٣٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٤)، و «اللباب» (١/ ٥٤٣)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٩٠)، و «البحر الرائق» (١٩٧)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٦٢)، و «المغني» (٥/ ١٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٤)، و «الفروع» (٤/ ٣٠١)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦١٦، ٦١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٩١).

وقال الحَنفيَّةُ: كلُّ واحِدٍ مِنْ شَريكَيِ الوُجوهِ وَكيلٌ لِلآخَرِ فيما يَشتريه (١).

وقال الحَنابِلةُ: ولا يُشترطُ لِصِحَّتِها ذِكرُ جِنسِ ما يَشتريانِه، ولا ذِكرُ قَدْرِه ولا ذِكرُ وَقتِ الشَّركةِ، فلو قال أحَدُهما لِلآخَرِ: «كلُّ ما اشتَريتَ مِنْ شَيءٍ فبينَنا»، وقال له آخَرُ كذلك، صَحَّ العَقدُ، ولا يُعتبَرُ ذِكرُ شُروطِ الوَكالةِ؛ لأنَّها داخِلةٌ في ضِمنِ الشَّركةِ، بدَليلِ المُضاربةِ وشِركةِ العِنانِ.

وكلٌّ مِنْ شَريكَيِ الوُجوهِ وَكيلُ الآخَرِ في بَيعٍ وشِراءٍ، وكَفيلُه بالثَّمنِ؛ لأنَّ مَبناها على الوَكالةِ والكَفالةِ، ومِلكٍ فيما يَشتريانِ، كما شرَطا لِحَديثِ: «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، ولأنَّها مَبنيَّةٌ على الوَكالةِ، فتَتقيَّدُ بما وقَع الإذنُ والقَبولُ فيه.

وتَصرُّفُهما -أي: شَريكَيِ الوُجوهِ- فيما يَجوزُ وما يُمتنَعُ وما يَجِبُ، ومِن شُروطٍ وإقرارٍ وخُصومةٍ وغَيرِها، كتَصرُّفِ شَريكَيْ عِنانٍ على ما سبَق (٢).

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٣٥)، و «اللباب» (١/ ٥٤٣).
(٢) «المغني» (٥/ ١٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٤)، و «الفروع» (٤/ ٣٠١)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦١٦، ٦١٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٩٠، ٥٩١).

كتاب المُضاربةُ أو القراض

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشركة
٨٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذا اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما، والوضيعة عليهما، كان ا

فصل: والشُّرُوطُ في المُضارَبةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ صَحِيحٌ، وفَاسِدٌ، فالصَّحِيحُ مثلُ أن يَشْتَرِطَ على العامِلِ أن لا يُسافِرَ بالمالِ، أو أن يُسَافِرَ به، أو لا يَتَّجِرَ إلَّا في بَلَدٍ بِعَيْنِه، أو نَوْعٍ بِعَيْنِه، أو لا يَشْتَرِىَ إلَّا من رَجُلٍ بِعَيْنِه. فهذا كلُّه صَحِيحٌ، سواءٌ كان النَّوْعُ ممَّا يَعُمُّ وُجُودُه، أو لا يَعُمُّ، أو الرَّجُلُ ممَّن يكْثُرُ عندَه المَتاعُ أو يَقِلُّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: إذا شَرَطَ أن لا يَشْتَرِىَ إلَّا من رَجُلٍ بِعَيْنِه، أو سِلْعَةٍ بعَيْنِها، أو ما لا يَعُمُّ وُجُودُه، كالياقُوتِ الأَحْمَرِ، والخَيْلِ البُلْقِ ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَمْنَعُ مَقْصُودَ المُضارَبةِ، وهو التَّقْلِيبُ وطَلَبُ الرِّبْحِ، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَطَ أن لا يَبِيعَ ويَشْتَرِىَ إلَّا من فُلَانٍ، أو أن لا يَبِيعَ إلَّا بمثلِ ما اشْتَرَى به. ولَنا، أنَّها مُضارَبةٌ خاصَّة، لا تَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيَّةِ، فصَحَّتْ، كما لو شَرَطَ أن لا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ يَعُمُّ وُجُودُه، ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُه بِنَوْعٍ، فصَحَّ تَخْصِيصُه في رَجُلٍ بعَيْنِه، وسِلْعَةٍ بِعَيْنِها، كالوَكَالَةِ. وقولُهم: إنَّه يَمْنَعُ المَقْصُودَ. مَمْنُوعٌ، وإنَّما يُقَلِّلهُ، وتَقْلِيلُه لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كتَخْصِيصِه بالنَّوْعِ. ويُفَارِقُ ما إذا شَرَطَ أن لا يَبِيعَ إلَّا بِرأْسِ المالِ، فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيَّةِ وكذلك إذا قال: لا تَبِعْ إلا من فُلانٍ، ولا تَشْتَرِ إلَّا من فُلَانٍ. فإنَّه يَمْنَعُ الرِّبْحَ أيضًا؛ لأنَّه لا يَشْتَرِى ما بَاعَهُ إلَّا بدون ثَمَنِه الذي بَاعَهُ به. ولهذا لو قال: لا تَبِعْ إلَّا ممَّن اشْتَرَيْتَ منه. لم يَصِحَّ؛ لذلك .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 376 - 381

ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله