الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > الحكم إذا اختل شرط من هذه الشروط
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةوأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: إذا غابَ كِلا المالَيْن لَم تَصحَّ الشَّركةُ، ولو غاب أحَدُ المالَيْن أو بَعضُه، وكان المالُ الآخَرُ حاضِرًا، صَحَّت الشَّركةُ بقَيدَيْن:
الأولُ: ألَّا تَكونَ الغَيبةُ بَعيدةً جِدًّا، بأنْ قَرُبَ كاليَومِ واليَومَيْن.
والثاني: ألَّا يَتَّجِرَ بالمالِ الحاضِرِ؛ إلا بعدَ حُضورِ المالِ الغائبِ وقَبضِه.
فإنْ بَعُدت غَيبتُه أكثَرَ مِنْ يَومَيْن امتَنعَت الشَّركةُ، وإنْ كان لا يَتَّجِرُ إلا بعدَ قَبضِه، وكذا إنْ قَرُبت غَيبتُه واتَّجَر بالحاضِرِ قبلَ قَبضِ الغائِبِ لَم تَصحَّ.
فإنْ وقَع فالرِّبحُ لَمَّا حصَل به التَّجْرُ كما في بَعيدِ الغَيبةِ، قال في «المُدوَّنةِ»: لو أخرَج أحَدُهما ألفًا، والآخَرُ ألفًا، منها خَمسُمِئةٍ غائِبةٌ، ثم خرَج رَبُّها لِيَأتيَ بها، وخرَج بجَميعِ المالِ الحاضِرِ، فلَم يَجِدْها، فاشتَرى بجَميعِ ما معه تِجارةً، فإنَّما له ثُلثُ الفَضلِ، أي: الرِّبحِ.
وهذان القيدان لابنِ يُونُسَ، ومُقتَضى كَلامِ اللَّخميِّ عَدمُ اعتبارِهما (١).
الحُكمُ إذا اختَلَّ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الشَّركةَ إذا فَسدَت؛ فإنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ فيها على قَدْرِ رأسِ المالِ، فيَرجِعُ كلُّ واحِدٍ منهما برِبحِ رأسِ مالِه أو بخُسرانِ رأسِ مالِه.
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧، ٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٤٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٤١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٤٤، ١٤٥)، و «منح الجليل» (٦/ ٢٥٧).
لكنَّهم اختَلفوا هل يَرجِعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِه أو لا؟
فقال الجُمهورُ، المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ -خِلافًا لِلقَفَّالِ- والحَنابِلةُ: يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِه؛ لأنَّه عَقدٌ يُبتَغى به الرِّبحُ في الحالةِ الأُخرى، فإذا كان فاسِدًا استحَقَّ أُجرةَ عَملِه فيه، كالقِراضِ.
وقال الحَنفيَّةُ والقَفَّالُ مِنَ الشافِعيَّةِ: لا يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ إذا فَسدَت الشَّركةُ؛ لأنَّ الفاسِدَ كالصَّحيحِ في وُجوبِ الضَّمانِ وعَدَمِه، والشَّركةُ الصَّحيحةُ لا يَرجعُ فيها بأُجرةِ العَملِ، فكذا إنْ كانتْ فاسِدةً.
وهذه نُصوصُ كلِّ مَذهبٍ.
قال الحَنفيَّةُ: وكلُّ شَركةٍ فاسِدةٍ فالرِّبحُ فيها على قَدْرِ رأسِ المالِ، كألْفٍ لِأحَدِهما مع ألفَيْن فالرِّبحُ بينَهما أثلاثًا، وإنْ كانا شرَطا الرِّبحَ بينَهما نِصفَيْن بطَل ذلك الشَّرطُ، ولو كان لكُلٍّ مِثلُ ما لِلآخَرِ وشرَطا الرِّبحَ أثلاثًا بطَل شَرطُ التَّفاضُلِ، وانقَسَم نِصفَيْن بينَهما؛ لأنَّ الرِّبحَ في وُجودِه تابِعٌ لِلمالِ، كما أنَّ الرِّيعَ تابِعٌ لِلبَذْرِ في الزِّراعةِ، والزِّيادةُ إنَّما تُستحَقُّ بالتَّسميةِ، وقد فَسدَت، فبَقيَ الاستِحقاقُ على قَدْرِ رأسِ المالِ.
والرِّيعُ عبارةٌ عن الزِّيادةِ، يُقالُ: أخرَجتِ الأرضُ رِيعًا: أي غَلَّةً؛ لأنَّها زيادةٌ (١).
(١) «العناية شرح الهداية» (٨/ ٣٠٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٩٤)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٣٨)، و «الهندية» (٢/ ٣٣٥).
وقال المالِكيَّةُ: تَفسُدُ الشَّركةُ بشَرطِ التَّفاوُتِ في العَملِ أو الرِّبحِ عندَ العَقدِ، كما لو أخرجَ أحَدُهما ألفًا مَثلًا، والآخَرُ ألفَيْن، وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ والعَملِ؛ فإنْ وقَع ذلك وعُثِر عليه قبلَ العَملِ؛ فإنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُفسَخُ، وبعدَ العَملِ يُقسَّمُ الرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن، ولا يُلتَفتُ إلى اشتِراطِهما التَّفاوتَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، فيَرجعُ صاحِبُ الألفَيْن بفاضِلِ الرِّبحِ، وهو سُدسُه، ويَنزِعُه مِنْ صاحِب الألفِ إن كان قبَضه لِيُكمِلَ له ثُلثاه، ويَرجعُ صاحِبُ الألفِ بفاضِلِ عَملِه فيَأخذُ سُدسَ أُجرةِ المَجموعِ؛ وإنَّما يَرجعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ المُبتَغى منه الاشتِراكُ في الرِّبحِ الحادِثِ، فإذا وقَع فاسِدًا وجَب أنْ يَستحِقَّ العامِلُ أُجرةَ مِثلِ عَملِه على عامِلِ غَيرِه كالقِراضِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا فَسدتِ الشَّركةُ بأنْ شُرِطَ التَّساوي في الرِّبحِ والخُسرانِ مع التَّفاضُلِ في المالَيْن أو التَّفاضُلِ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع التَّساوي في المالَيْن، يَرجعُ كلٌّ منهما على الآخَرِ بأُجرةِ عَملِه في مالِ الآخَرِ؛ كالقِراضِ إذا فسَد، وكذا يَجِبُ لكلٍّ منهما ذلك عندَ فَسادِ الشَّركةِ بغَيرِ ما ذُكِر.
فإذا كان بينَ رَجُلَيْن ثلاثةُ آلافِ دِرهَمٍ، لِأحَدِهما ألفٌ، ولِلآخَرِ ألفانِ،
(١) «الكافي» (١/ ٣٩١)، و «الإشراف» (٣/ ٧٣، ٧٤) رقم (٩٣٢)، و «المعونة» (٢/ ١٤١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣، ١٤)، و «الذخيرة» (٨/ ٥٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٤٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٦٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٤٩، ١٥٠)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٨/ ٣، ٥).
وعَقدا الشَّركةَ على أنْ يَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، فإنْ شرَط صاحِبُ الألفَيْن على نَفْسِه شَيئًا مِنَ العَملِ كانتِ الشَّركةُ فاسِدةً؛ فإذا عَمِلا قُسِّم الرِّبحُ والخُسرانُ بينَهما على قَدْرِ مالَيْهما، ويَرجِعُ كلُّ واحِدٍ على صاحبِه بأُجرةِ عَملِه في مالِه؛ لأنَّه عَقدٌ يُبتَغى به الرِّبحُ في الحالةِ الأُخرى، فإذا كان فاسِدًا استَحقَّ أُجرةَ عَملِه فيه، كالقِراضِ.
فإنْ عَمِل صاحِبُ الألفَيْن على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه ثَلاثُمِئةٍ، وعَمِل صاحبُ الألفِ على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ، فإنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَستحِقُّ على شَريكِه مِئةً، فيَتقاصَّانِ.
وإنْ عَمِل صاحِبُ الألفِ على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه ثَلاثُمِئةٍ، وعَمِل صاحِبُ الألفَيْن على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ، فإنَّ صاحِبَ الألفِ يَستحِقُّ على صاحِبِ الألفَيْن مِئتَيْن، ويَستحِقُّ عليه صاحِبُ الألفَيْن خَمسينَ، فيُقاصُّه بها، ويَبقى لِصاحبِ الألفِ على صاحبِ الألفَيْن مِئةٌ وخَمسونَ.
وإنْ عمِل كلُّ واحِدٍ منهما على مالِ الشَّركةِ عَملًا أُجرتُه مِئةٌ وخَمسونَ فإنَّ صاحِبَ الألفِ يَستحِقُّ على صاحِبِ الألفَيْنِ مِئةً، ويَستحِقُّ صاحِبُ الألفَيْن عليه خَمسينَ، فيُقاصُّه بها، ويَبقى لِصاحبِ الألفِ على صاحبِ الألفَيْن خَمسونَ.
وإنْ شرَط صاحِبُ الألفَيْن جَميعَ العَملِ على صاحِبِ الألفِ، وشرَط له نِصفَ الرِّبحِ فإنَّ هذه الشَّركةَ صَحيحةٌ، والقِراضُ صَحيحٌ؛
لأنَّ صاحبَ الألفِ يَستحِقُّ ثُلثَ الرِّبحِ بالشَّركةِ؛ لأنَّ له ثُلثَ المالِ، ولِصاحبِ الألفَيْن ثُلثا الرِّبحِ، فلَمَّا شرَط جَميعَ العَملِ على صاحِبِ الألفِ، وشرَط له نِصفَ الرِّبحِ فقد شرَط لِعَملِه سُدسَ الرِّبحِ، فجازَ، كما لو قارَضه على سُدسِ الرِّبحِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: متى فُقِد شَرطٌ مِنْ شُروطِ الشَّركةِ فهي فاسِدةٌ، وحيث فَسدَت؛ فالرِّبحُ على قَدْرِ المالَيْن في شَركةِ عِنانٍ ووُجوهٍ، لأنَّ الرِّبحَ استُحِقَّ بالمالَيْن، فكان على قَدْرِهما، لا على ما شرَطا؛ لِفَسادِ الشَّركةِ.
لكنْ يَرجعُ كلٌّ منهما على صاحِبِه بأجْرِ نِصفِ عَملِه لِعَملِه في نَصيبِ شَريكِه بعَقدٍ يَبتَغى به الفَضلَ في الحالةِ الأُخرى، فوجَب أنْ يُقابِلَ العَملَ فيه عِوضٌ كالمُضارَبةِ؛ فإذا كان عَملُ أحَدِهما مَثلًا يُساوي عَشَرةَ دَراهمَ، والآخَرُ يُساوي خَمسةً، تَقاصَّا بدِرهَمَيْن ونِصفِ دِرهَمٍ، ورَجعَ ذو العَشَرةِ بدِرهَمَيْن ونِصفِ دِرهَمٍ.
وقُسِّمت أُجرةُ ما تَقبَّلاه في شَركةِ الأبدانِ إذا فَسدَت بالسَّويَّةِ، ويَرجعُ كلُّ واحِدٍ منهما فيها على الآخَرِ بأُجرةِ نِصفِ عَملِه لِما تَقدَّم (٢).
(١) «نهاية المطلب» (٧/ ٢٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣)، و «البيان» (٦/ ٣٦٩، ٣٧١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٤)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٠)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٧).
(٢) «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٦٠، ٥٦١)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٥١١)، و «منار السبيل» (٢/ ١٨١).
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.