الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > الربح والخسران على قدر المالين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 28 دقيقة قراءةفإنْ عَمِلا فلكلٍّ رأسُ مالِه الذي أخرَجه، ويُفضُّ الرِّبحُ لكلِّ عَشَرةِ دَنانيرَ دِينارٌ مَثلًا، ولكلِّ عَشَرةِ دَراهِمَ دِرهَمٌ.
وتَصحُّ بالذَّهبِ والفِضَّةِ معًا مِنَ الشَّريكَيْن، بأنْ أخرَج أحَدُهما دنانيرَ ودَراهمَ، كعَشَرةِ دَنانيرَ، وعَشَرةِ دَراهمَ، وأخرَج الثاني مِثلَه؛ فتَصحُّ وتُعتبَرُ مُساواةُ ذَهبِ أحَدِهما لِذَهبِ الآخَرِ وَزنًا وصَرفًا وقيمةً، وفِضةِ أحَدِهما لِفِضةِ الآخَرِ كذلك، لأنَّ بالتَّساوي لَم يَجتمِعِ المَمنوعُ اجتماعُهما، وهُما صَرفٌ وشَركةٌ (١).
٥ - الرِّبحُ والخُسرانُ على قَدرِ المالَيْن:
اختلَف الفُقهاءُ في الرِّبحِ والخُسرانِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ على قَدْرِ المالَيْن أو يَجوزُ التَّفاضُلُ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع تَساوي المالَيْن أو التَّساوي في الرِّبحِ والخُسرانِ مع تَفاضُلِ المالَيْن.
فاتَّفَقوا على أنَّ الوَضيعةَ -الخُسرانَ- لا تَكونُ إلا على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّها لا تَتعلَّقُ إلا بالمالِ، بدَليلِ المُضارَبةِ، ولأنَّه أمينٌ، واشتِراطُ الضَّمانِ على الأمينِ لا يَصحُّ (٢).
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤، ٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٣٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٣٨)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٦٠)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٤٠، ١٤١)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٧/ ٤٨٩).
(٢) قال ابن قُدامةَ في «المغني» (٥/ ٢٢، ٢٣): والوَضيعةُ على قدرِ المالِ يَعني الخُسران في الشَّركةِ على كلِّ واحدٍ منهُما بقدرِ مالِه فإن كان مالُهما مُتساويًا في القدرِ فالخُسرانُ بينَهما نِصفانِ، وإن كانا أَثلاثًا فالوَضعيةُ أثلاثٌ لا نَعلمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ وبه يقولُ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وغيرُهما.
وفي شَركةِ الوُجوهِ تَكونُ الوَضعيةُ على قدرِ ملكَيهما في المُشترَى سواءٌ كان الرِّبحُ بينَهما كذلك أو لم يكنْ، وسواءٌ كانَت الوَضعيةُ لِتلفٍ أو نُقصانٍ في الثَّمنِ عمَّا اشتَرايا به أو غيرَ ذلك.
والوَضعيةُ في المُضاربةِ على المالِ خاصَّةً ليس على العاملِ منها شيءٌ؛ لأنَّ الوَضعيةَ عِبارةٌ عن نُقصانِ رأسِ المالِ وهو مُختصٌّ بملكِ ربِّه لا شيءَ للعاملِ فيه فيكونُ نقصُه من مالِه دونَ غيرِه وإنَّما يَشتركانِ فيما يَحصلُ من النَّماءِ فأشْبَه المُساقاةَ، فإنَّ ربَّ الأرضِ والشَّجرِ يُشاركُ العاملَ فيما يَحدثُ من الزَّرعِ والثَّمرِ، وإن تلِف الشَّجرُ أو هلَك شيءٌ من الأرضِ بغَرقٍ أو غيرِه لم يكنْ على العاملِ شيءٌ.
ثم اختلَفوا في الرِّبحِ على هذا التَّفصيلِ الآتي:
قال المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ: إنَّ الرِّبحَ والخُسرانَ يُقسمانِ على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ مالِهما، والخُسرانَ نُقصانُ مالِهما، فكانا على قَدْرِ المالَيْن؛ فإنْ شرَطا التَّفاضُلَ في الرِّبحِ والخُسرانِ مع تَساوى المالَيْن أو التَّساوي في الرِّبحِ أو الخُسرانِ مع تَفاضُلِ المالَيْن لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الشَّركةِ، فلَم يَصحَّ، كما لو شرَط أنْ يَكونَ الرِّبحُ لِأحَدِهما.
فإنْ تَصرَّفا مع هذا الشَّرطِ صَحَّ التَّصرُّفُ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّ الشَّرطَ لا يُسقِطُ الإذنَ، فنفَذَ التَّصرُّفُ؛ فإنْ ربِحا أو خسِرا قُسِّم الرِّبحُ والخُسرانُ على قَدْرِ المالَيْن؛ لأنَّه مُستفادٌ بمالِهما، فكان على قَدْرِهما، كما لو كان بينَهما نَخيلٌ فأثمَرتْ.
والوَجهُ الآخَرُ: يَبطُلُ الإذنُ لِبُطلانِ الشَّرطِ فيه فلا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ
يَتصرَّفَ في جَميعِ المالِ؛ فإنْ تَصرَّف فيه كان كمَن تَصرَّف في مالٍ مُشتَركٍ عن شَركةٍ فاسِدةٍ.
فعلى المَذهبِ يَرجعُ كلُّ واحِدٍ على صاحبِه بأُجرةِ مِثلِ عَملِه في مالِه؛ فإنْ تَساوَيا في المالِ والعَملِ فنِصفُ عَملِ كلِّ واحِدٍ يَقعُ في مُقابَلةِ مالِه، فلا أُجرةَ فيه، ونِصفُه في مالِ صاحبِه، ويَستحِقُّ صاحبُه مِثلَ بَدَلِه عليه، فيَقعُ في التَّقاصِّ.
وإنْ تفاوَتا في العَملِ مع استِواءِ المالِ فساوَى عَملُ أحدِهما مِئتَيْن والآخَرِ مِئةً؛ فإنْ كان عَمِل مَنْ شُرِط له الزِّيادةُ أكثَرَ فنِصفُ عَملِه مِئةٌ ونِصفُ عَملِ صاحبِه خَمسونَ؛ فيَبقى له بعدَ التَّقاصِّ خَمسونَ.
وإنْ كان عَملُ صاحبِه أكثَرَ ففي رُجوعِه بخَمسينَ على مَنْ شُرِط له الزِّيادةُ وَجهانِ: أحَدُهما الرُّجوعُ، كما لو فسَد القِراضُ، وأصَحُّهما المَنعُ.
ويَجري الوَجهانِ فيما لو فسَدت الشَّركةُ واختَصَّ أحَدُهما بأصلِ التَّصرُّفِ والعَملِ، هل يَرجعُ بنِصفِ أُجرةِ عَملِه على الآخَرِ؟
أمَّا إذا تَفاوَتا في المالِ فكانَ لِأحَدِهما ألفٌ، ولِلآخَرِ ألفانِ وتَفاوَتا في العَملِ فعَمِل صاحِبُ الأكثَرِ أكثَرَ، بأنْ يُساويَ عَملُه مِئتَيْن، وعَملُ الآخَرِ مِئةً، فثُلثا عَملِه في مالِه، وثُلثُه في مالِ صاحبِه، وعَمِل صاحِبُه بالعَكسِ فيَكونُ لِصاحِبِ الأكثَرِ ثُلثُ المِئتَيْن على الأقَلِّ، ولِصاحِبِ الأقَلِّ ثُلُثا المِئةِ على صاحِبِ الأكثَرِ وقَدرُهما مُتَّفِقٌ، فيَقعُ في التَّقاصِّ.
وإنْ كان عَمِل صاحِبُ الأقَلِّ أكثَرَ، والتَّفاوُتُ كما صَوَّرنا فثُلثُ عَملِ
صاحِبِ الأقَلِّ في مالِه، وثُلثاه في مالِ صاحبِه، وثُلثا عَملِ صاحِبِ الأكثَرِ في مالِه، وثُلثُه في مالِ شَريكِه، فيَبقى لِصاحِبِ الأقَلِّ على الأكثَرِ مِئةٌ بعدَ التَّقاصِّ.
ولو تَساوَيا في العَملِ فلِصاحِبِ الأقَلِّ ثُلثا المِئةِ على صاحِبِ الأكثَرِ، ولِصاحِبِ الأكثَرِ ثُلثُ المِئةِ عليه، فثُلثٌ تَقاصٌّ، ويَبقى لِصاحِبِ الأقَلِّ ثُلثُ المِئةِ.
والوَجهُ الآخَرُ: يَبطُلُ الإذنُ لِبُطلانِ الشَّرطِ فيه، فلا يَجوزُ لِأحَدِهما أنْ يَتصرَّفَ في جَميعِ المالِ؛ فإنْ تَصرَّف فيه كان كمَن تَصرَّف في مالٍ مُشترَكٍ عن شَركةٍ فاسِدةٍ.
ولو كان ثُلثُ المالِ لِأحَدِ الشَّريكَيْن وثُلثاه لِلآخَرِ فشرَطا أنْ يَكونَ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن على أنْ يَنفرِدَ بالتِّجارةِ صاحِبُ الثُّلثِ وَحدَه جازَ، وكانت هذه شَركةً ومُضارَبةً بالبَدنِ؛ لأنَّ العامِلَ يأخُذُ الثُّلثَ بمِلكِه، وتَمامَ النِّصفِ بعَملِه، وخرَج عن حُكمِ المُفاضَلةِ إلى حُكمِ المُضارَبةِ، وهذا في وَجهٍ، وفي الوَجهِ الآخَرِ -وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ- أنَّ هذا لا يَصحُّ، كما لو شُرِط التَّفاوتُ في الخُسرانِ؛ فإنَّه يُلغَى ويُوزَّعُ الخُسرانُ على المالِ، ولا يَصحُّ جَعلُه مُضارَبةً؛ فإنَّ هناك يَقعُ العَملُ مُختصًّا بمِلكِ المالِكِ، وهنا بمِليكَيْهما (١).
(١) «الإقناع» للماوردي (١٠٨)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٧٧)، و «المهذب» (١/ ٣٤٦) و «التنبيه» ص (١٠٧)، و «نهاية المطلب» (٧/ ٢٤، ٢٥)، و «البيان» (٦/ ٣٦٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٨١، ٤٨٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ١٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٧)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٠).
وقال المالِكيَّةُ: العَملُ بينَهما في مالِ الشَّركةِ يَجِبُ أنْ يَكونَ بينَهما بقَدْرِ المالَيْن، ويَكونَ الرِّبحُ والخُسرُ بينَهما بقَدْرِ المالَيْن مُناصَفةً وغَيرَها، وصَحَّتِ الشَّركةُ إنْ دخَلا على ذلك أو سكَتا، ويُقضى عليهما بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما حائِزٌ لِلنِّصفِ، وله حُجةٌ.
وتَفسُدُ الشَّركةُ بشَرطِ التَّفاوتِ في ذلك عندَ العَقدِ، كما لو أخرَج أحَدُهما ألفًا مَثلًا، والآخَرُ ألفَيْن، وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ والعَملِ؛ فإنْ وقَع ذلك وعُثِر عليه قبلَ العَملِ؛ فإنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُفسخُ، وبعدَ العَملِ يُقسَمُ الرِّبُح على قَدْرِ المالَيْن، ولا يُلتفَتُ إلى اشتِراطِهما التَّفاوتَ؛ لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، فيَرجعُ صاحِبُ الألفَيْن بفاضِلِ الرِّبحِ، وهو سُدسُه، ويَنزِعُه مِنْ صاحِبِ الألْفِ إنْ كان قبَضه؛ لِيُكملَ له ثُلثاه، ويَرجعُ صاحِبُ الألفِ بفاضِلِ عَملِه فيأخُذُ سُدسَ أُجرةِ المَجموعِ، وإنَّما يَرجِعُ أحَدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ المُبتَغى منه الاشتِراكُ في الرِّبحِ الحادثِ؛ فإذا وقَع فاسِدًا وجَب أنْ يَستحِقَّ العامِلُ أُجرةَ مِثلِ عَملِه على عامِلِ غَيرِه كالقِراضِ.
وإنَّما يُشترطُ أنْ يَكونَ العَملُ والرِّبحُ على قَدْرِ رُؤوسِ الأموالِ؛ لأنَّه قد ثبَت أنَّ عَقدَ الشَّركةِ يُوجِبُ في جِهةِ كلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن قِسطًا مِنَ الرِّبحِ والخُسرانِ، ثم اتَّفقا على أنَّ أحَدَهما لو شرَط على الآخَرِ جُزءًا مِنَ الخُسرانِ أنْ يَنفرِدَ به كان ذلك غَيرَ جائِزٍ، كذلك إذا شرَط جُزءًا مِنَ الرِّبحِ بعِلَّةِ أنَّهما ثمَرتا مالِ الشَّركةِ، فوجَب تَساويهما فيه بقَدْرِ المالِ، ولأنَّ الرِّبحَ ثَمنُه المالُ،
والمالَ أصلُه، وجَب أنْ يَتقسَّطَ بينَ الشَّريكَيْن على قَدْرِ المِلكِ كأُجرةِ العَقارِ.
وإنَّما يَجِبُ التَّساوي في العَملِ على قَدْرِ رُؤوسِ الأموالِ، كالرِّبحِ؛ لِما ذكَرناه في الرِّبحِ، ولأنَّ اشتِراطَ الزِّيادةِ استِئجارٌ مِنْ مُشترِطِها لِلآخَرِ بفَضلِ رِبحِ مالِه، وذلك غَررٌ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ ترَك العَملَ يَستحِقُّ عليه بحَقِّ الشَّركةِ بما بذَله مِنْ فَضلِ رِبحِ مالِه، كما لو شرَط العَملَ على صاحِبِ الألفَيْن، ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، أو شرَط أكثَرَ الرِّبحِ لِلذي لا يَعملُ، وأقَلَّه لِلذي يَعملُ.
ولِأحَدِ الشَّريكَيْن التَّبرُّعُ لِصاحِبِه بشَيءٍ مِنَ الرِّبحِ أو العَملِ بعدَ العَقدِ على الصِّحةِ -أمَّا في أثناءِ العَقدِ أو فيه فلا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك سلفٌ جَرَّ نَفعًا-؛ فإذا عقَدا على أنَّ لِصاحِبِ ثُلثِ المالِ الثُّلثَ مِنَ الرِّبحِ، وعليه ثُلثَ العَملِ، فالعَقدُ صَحيحٌ، وله أنْ يَعملَ بعدَ ذلك النِّصفَ أو أكثَرَ، ولِصاحبِ الثُّلثَيْن أنْ يَتبرَّعَ له بشَيءٍ مِنْ رِبحِه؛ لأنَّه مِنْ بابِ المَعروفِ والصِّلةِ.
وله الهِبةُ لِصاحِبِه والسَّلفُ، بأنْ يُسلِفَ صاحبَه شَيئًا بعدَ العَقدِ الواقِعِ صَحيحًا لا في حينِه (١).
(١) «الكافي» (١/ ٣٩١)، و «الإشراف» (٣/ ٧٣، ٧٤) رقم (٩٣٢)، و «المعونة» (٢/ ١٤١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٣، ١٤)، و «الذخيرة» (٨/ ٥٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٤٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٤٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٦٧)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٤٩، ١٥٠)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٨/ ٣، ٥)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٥).
وجاءَ في «المُدوَّنةِ»: في الشَّركةِ بالمالَيْن المُتفاضِلَيْن على أنَّ الرِّبحَ والوَضيعةَ بينَهما بالسَّويَّةِ.
قُلتُ: أرأيتَ إنْ أخرجتُ ألفَ دِرهمٍ، وأخرَج رَجلٌ آخَرُ ألفَيْ دِرهمٍ، فاشتَركْنا على أنَّ الرِّبحَ بينَنا والوَضيعةَ بينَنا نِصفَيْن؟
قال: قد أخبَرتُك أنَّها فاسِدةٌ عندَ مالِكٍ.
قُلتُ: فإنْ عمِلا على هذه الشَّركةِ فرَبِحا؟
قال: قد أخبَرتُك أنَّ الرِّبحَ بينَهما على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما عندَ مالِكٍ، ويَكونُ لِلقَليلِ رأسُ المالِ على صاحبِه مِنَ الأُجرةِ بحالِ ما وَصفتُ لك.
قُلتُ: فإنْ عمِلا فوضَعا نِصفَ رأسِ المالِ الذي في أيديهما؟
قال: الوَضيعةُ عندَ مالِكٍ عليهما على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما؛ لأنَّ الفَضلَ الذي يَفضُله به صاحبُه على رأسِ مالِه، إنَّما كان ذلك الفَضلُ في ضَمانِ صاحبِه الذي الفَضلُ له، ولَم يَضمنْ له شَريكُه مِنْ ذلك الفَضلِ شَيئًا، ألَا تَرى أنَّ رِبحَ ذلك الفَضلِ إنَّما هو لِلذي له الفَضلُ؟ فهذا يَدلُّك على أنَّ المُصيبةَ في الفَضلِ مِنَ الذي له الفَضلُ.
قُلتُ: فإنْ ذهَب رأسُ المالِ خَسارةً، أو ركِبَهما ثلاثةُ آلافِ دِينارٍ مِنْ تِجارَتِهما بعدَ وَضيعَتِهما رأسَ المالِ كلَّه، كيف تَكونُ هذه الوَضيعةُ عليهما والشَّركةُ فاسِدةٌ على ما وَصفتُ لك، وقد كان شَرطُهما على أنَّ الوَضيعةَ بينَهما نِصفان؟ قال: أرى الدَّينَ الذي لَحِقهما مِنْ تِجارَتِهما، يَكونُ عليهما على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما، فيَكونُ على صاحِبِ الألفِ ثُلثُ هذا الدَّينِ،
ويَكونُ على الذي كان رأسُ مالِه ألفَيْن ثُلثا هذا الدَّينِ، لأنَّ الشَّركةَ إنَّما وَقعَت بينَهما بالمالِ، ليس بالأبدانِ، فما لَحِقهما مِنْ دَينٍ فُضَّ على المالِ الذي به وَقعَت الشَّركةُ بينَهما، وهو رأسُ أموالِهما، فيَكونُ على الذي رأسُ مالِه ألفٌ مِنَ الدَّينِ الذي لَحِق الثُّلثُ، وعلى الذي رأسُ مالِه ألفانِ الثُّلثانِ، ولا يُلتفَتُ إلى الشَّرطِ الذي شرَطاه بينَهما، لأنَّ الشَّرطَ كان فاسِدًا، وقال: وهذا الآخَرُ لَم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ، ولكنَّه رأيي مِثلَما قال لي مالِكٌ مِنَ الوَضيعةِ في رأسِ المالِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَتفاضَلا في الرِّبحِ مع تَساوي المالَيْن، أو أنْ يَتساوَيا في الرِّبحِ مع تَفاضُلِ المالَيْن؛ لأنَّ العَملَ مما يُستحَقُّ به الرِّبحُ، فجازَ أنْ يَتفاضَلا في الرِّبحِ مع وُجودِ العَملِ منهما كالمُضارِبَيْن لِرَجلٍ واحِدٍ، وذلك لأنَّ أحَدَهما قد يَكونُ أبصَرَ بالتِّجارةِ مِنَ الآخَرِ وأقوى على العَملِ ولا يَرضى بالمُساواةِ، فمَسَّت الحاجةُ إلى التَّفاضُلِ، فجازَ له أنْ يَشترطَ زِيادةً في الرِّبحِ في مُقابَلةِ عَملِه، كما يُشترَطُ الرِّبحُ في مُقابَلةِ عَملِ المُضاربِ يُحقِّقُه أنَّ هذه الشَّركةَ مَعقودةٌ على المالِ والعَملِ جَميعًا، ولكلِّ واحِدٍ منهما حِصَّةٌ مِنَ الرِّبحِ إذا كان مُنفرِدًا، فذلك إذا اجتَمَعا.
وأمَّا الوَضيعةُ فلا تَكونُ إلا على قَدْرِ المالَيْن كما تَقدَّم باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّها لا تَتعلَّق إلا بالمالِ بدَليلِ المُضارَبةِ؛ ولأنَّه أمينٌ، واشتِراطُ الضَّمانِ على الأمينِ لا يَصحُّ (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٦٤).
(٢) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٣)، و «الاختيار» (٣/ ١٨)، و «الهداية» (٣/ ٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢٩)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٣١٨)، و «اللباب» (١/ ٥٣٠)، و «العناية» (٨/ ٢٧٥، ٢٧٦)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٨١)، و «المغني» (٥/ ١٩)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٨٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٤٨)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٥)، و «منار السبيل» (٢/ ١٨٠).
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا شَركةُ العِنانِ فلا يراعَى لها شَرائِطُ المُفاوَضةِ، فلا يُشترطُ فيها أهليَّةُ الكَفالةِ وغيرها، لأنَّ اعتِبارَ هذه الشَّرائِطِ في المُفاوضاتِ لِدِلالةِ اللَّفظِ عليها، وهو مَعنى المُساواةِ، ولَم يُوجَدْ في العِنانِ ولا المُساواةِ في الرِّبحِ، فيَجوزُ مُتَفاضِلًا ومُتساوِيًا لِما قُلنا.
والأصلُ: أنَّ الرِّبحَ إنَّما يُستحَقُّ عندَنا إمَّا بالمالِ وإمَّا بالعَملِ وإمَّا بالضَّمانِ، أمَّا ثُبوتُ الاستِحقاقِ بالمالِ فظاهِرٌ؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ رأسِ المالِ، فيَكونُ لِمالِكِه، ولِهذا استَحقَّ رَبُّ المالِ الرِّبحَ في المُضارَبةِ، وأمَّا بالعَملِ فإنَّ المُضارِبَ يَستحِقُّ الرِّبحَ بعَملِه، فكذا الشَّريكُ، وأمَّا بالضَّمانِ فإنَّ المالَ إذا صارَ مَضمونًا على المُضارِبِ يُستحَقُّ جَميعَ الرِّبحِ، ويَكونُ ذلك بمُقابَلةِ الضَّمانِ خَراجًا بضَمانٍ، بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «الخَراجُ بالضَّمانِ»؛ فإذا كان ضَمانُه عليه كان خَراجُه له.
والدَّليلُ عليه: أنَّ صانِعًا تَقبَّل عَملًا بأْجْرٍ ثم لَم يَعملْ بنَفْسِه، ولكنْ قَبِله لِغَيرِه بأقَلَّ مِنْ ذلك، طابَ له الفَضلُ، ولا سَببَ لِاستِحقاقِ الفَضلِ إلا الضَّمانُ، فثبَت أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَببٌ صالِحٌ لِاستِحقاقِ الرِّبحِ؛ فإنْ لَم يُوجَدْ شَيءٌ مِنْ ذلك لا يُستحَقُّ، بدَليلِ أنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: «تَصرَّفْ في مِلكِك
على أنَّ لي بَعضَ رِبحِه»، لَم يَجُزْ، ولا يَستحِقُّ شَيئًا مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه لا مالَ ولا عَملَ ولا ضَمانَ.
إذا عُرِف هذا نَقولُ: إذا شرَطا الرِّبحَ على قَدْرِ المالَيْن مُتَساويًا أو مُتفاضِلًا، فلا شَكَّ أنَّه يَجوزُ ويَكونُ الرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ سَواءٌ شرَطا العَملَ عليهما أو على أحَدِهما، والوَضيعةُ على قَدْرِ المالَيْن مُتساويًا ومُتفاضِلًا؛ لأنَّ الوَضيعةَ اسمٌ لِجُزءٍ هالِكٍ مِنَ المالِ، فيَتقدَّرُ بقَدْرِ المالِ.
وإنْ كان المالانِ مُتساويَيْن فشرَطا لِأحَدِهما فَضلًا على رِبحٍ يُنْظَرُ:
إنْ شرَطا العَملَ عليهما جَميعًا جازَ، والرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ في قَولِ أصحابِنا الثلاثةِ، وعندَ زُفَرَ لا يَجوزُ أنْ يُشترطَ لِأحدِهما أكثَرُ مِنْ رِبحِ مالِه، وبه أخذَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه، ولا خِلافَ في شَركةِ المِلكِ أنَّ الزِّيادةَ فيها تَكونُ على قَدْرِ المالِ، حتى لو شرَط الشَّريكانِ في مِلكِ ماشيةٍ لِأحدِهما فَضلًا مِنْ أولادِها وألبانِها لَم تَجُزْ بالإجماعِ، والكَلامُ بينَنا وبينَ زُفَرَ بِناءً على أصلٍ، وهو أنَّ الرِّبحَ عندَه لا يُستحَقُّ إلا بالمالِ؛ لأنَّه نَماءُ المِلكِ، فيَكونُ على قَدْرِ المالِ، كالأولادِ والألبانِ.
وأمَّا عندَنا فالرِّبحُ تارةً يُستحَقُّ بالمالِ، وتارةً بالعَملِ، وتارةً بالضَّمانِ على ما بَيَّنَّا، وسَواءٌ عمِلا جَميعًا أو عمِل أحدُهما دونَ الآخَرِ؛ فالرِّبحُ بينَهما يَكونُ على الشَّرطِ، لأنَّ استِحقاقَ الرِّبحِ في الشَّركةِ بالأعمالِ بشَرطِ العَملِ، لا بوُجودِ العَملِ، بدَليلِ أنَّ المُضارِبَ إذا استَعانَ برَبِّ المالِ استَحقَّ الرِّبحَ، وإنْ لَم يُوجَدْ منه العَملُ؛ لِوُجودِ شَرطِ العَملِ عليه، والوَضيعةُ على قَدْرِ المالَيْن؛ لِما قُلنا.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشركة
٨٢٩ - مسألة؛ قال: (والربح على ما اصطلحا عليه)
الصِّحَّةَ، كبَيْعِ المُنَابَذَةِ والمُلَامَسَةِ وسَائِرِ البُيُوعِ الفاسِدَةِ، وشَرِكَةُ العِنَانِ تَصِحُّ من الكَافِرَينِ والكافِر والمُسْلِمِ، بِخِلَافِ هذا.
٨٢٩ - مسألة؛ قال: (والرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ)
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.