الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > العلم بقدر المالين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوإنْ شرَطا العَملَ على أحَدِهما؛ فإنْ شرَطاه على الذي شرَطا له فَضلَ الرِّبحِ جازَ، والرِّبحُ بينَهما على الشَّرطِ فيَستحِقُّ رِبحَ رأسِ مالِه بمالِه، والفَضلَ بعَملِه.
وإنْ شرَطاه على أقَلِّهما رِبحًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الذي شرَطا له الزِّيادةَ ليس له في الزِّيادةِ مالٌ ولا عَملٌ ولا ضَمانٌ، وقد بَيَّنَّا أنَّ الرِّبحَ لا يُستحَقُّ إلا بأحَدِ هذه الأشياءِ الثلاثةِ.
وإنْ كان المالانِ مُتَفاضِلَيْن وشرَطا التَّساويَ في الرِّبحِ فهو على هذا الخِلافِ جائِزٌ عندَ أصحابِنا الثلاثةِ إذا شرَطا العَملَ عليهما، وكان زيادةُ الرِّبحِ لِأحدِهما على قَدْرِ رأسِ مالِه بعَملِه، وهو جائِزٌ، وعلى قَولِ زُفَرَ لا يَجوزُ، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ قَدرُ الرِّبحِ على قَدْرِ رأسِ المالَيْن عندَه.
وإنْ شرَطا العَملَ على أحَدِهما؛ فإنْ شرَطاه على الذي رأسُ مالِه أقَلُّ جازَ، ويَستحِقُّ قَدْرَ رِبحِ مالِه بمالِه، وقَدْرَ الفَضلِ بعَملِه، وإنْ شرَطاه على صاحبِ الأكثَرِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ زِيادةَ الرِّبحِ في حَقِّ صاحِبِ الأقلِّ لا يُقابِلُها مالٌ ولا عَملٌ ولا ضَمانٌ (١).
٦ - العِلمُ بقَدْرِ المالَيْن:
اختلَف الفُقهاءُ في رأسِ المالِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَعلومًا وَقتُ العَقدِ أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ العِلمَ بمِقدارِ رأسِ المالِ وَقتَ العَقدِ ليس بشَرطٍ لِجَوازِ الشَّركةِ بالأموالِ.
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٢، ٦٣).
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: العِلمُ بمِقدارِ رأسِ المالِ وَقتَ العَقدِ، فليس بشَرطٍ لِجَوازِ الشَّركةِ بالأموالِ عِندَنا وعندَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه شَرطٌ.
وَجهُ قَولِه: أنَّ جَهالةَ قَدْرِ رأسِ المالِ تُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ، والعِلمُ بمِقدارِ الرِّبحِ شَرطُ جَوازِ هذا العَقدِ، فكان العِلمُ بمِقدارِ رأسِ المالِ شَرطًا.
ولنا: أنَّ الجَهالةَ لا تَمنعُ جَوازَ العَقدِ لِعَينِها، بل لِإفضائِها إلى المُنازعةِ، وجَهالةُ رأسِ المالِ وَقتَ العَقدِ لا تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّه يُعلَمُ مِقدارُه ظاهِرًا وغالِبًا؛ لأنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ تُوزَنانِ وَقتَ الشِّراءِ فيُعلَمُ مِقدارُها، فلا يُؤدِّي إلى جَهالةِ مِقدارِ الرِّبحِ وَقتَ القِسمةِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: لا يُشترطُ العِلمُ بقَدْرِ كلٍّ مِنَ المالَيْن، أهو النِّصفُ أم غَيرُه عندَ العَقدِ إذا أمكَن مَعرِفتُه مِنْ بَعدُ بمُراجَعةِ حِسابٍ أو وَكيلٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَعدوهما، وقد تَراضَيا بخِلافِ ما لا يُمكِنُ مَعرِفتُه.
والوَجهُ الثاني: أنَّ ذلك يُشترطُ، وإلا أدَّى إلى جَهلِ كلٍّ منهما بما أذِنَ فيه، وبما أذِن له فيه.
ومأخَذُ الخِلافِ: أنَّه إذا كان بينَ اثنَيْن مالٌ مُشتَركٌ كلٌّ منهما جاهِلٌ بقَدْرِ حِصَّتِه فأذِن كلٌّ منهما لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ في نَصيبِه منه يَصحُّ الإذنُ في الأصَحِّ، ويَكونُ الثَّمنُ بينَهما كالمُثمَّنِ، ولو جَهِلَا القَدْرَ وعَلِما النِّسبةَ، بأنْ وضَع أحَدُهما الدَّراهمَ في كِفَّةِ المِيزانِ ووضَع الآخَرُ بإزائِها مِثلَها صَحَّ جَزمًا؛ لأنَّه لا مَحذورَ فيه؛ لِتَراضيهما بذلك.
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في بيان شرائط جواز أنواع الشركة
وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا … وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ.
(وَأَمَّا) .
الْمُفَاوَضَةُ: فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا الْمُسَاوَاةُ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْقَائِلُ وَهُوَ الْعَبْدِيُّ:
تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ … فَإِنْ تَوَلَّتْ فَبِالْأَشْرَارِ تَنْقَادُ
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةٌ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الشَّرِكَةِ مُفَاوَضَةً؛ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَالتَّصَرُّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ.
وَقِيلَ هِيَ مِنْ التَّفْوِيضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضُ التَّصَرُّفَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي شَرِكَةِ الْأَعْمَالِ وَالْوُجُوهِ (فَوَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه أَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنْ الِاخْتِلَاطِ، وَلِهَذَا شَرَطَ الْخَلْطَ لِجَوَازِ الشَّرِكَةِ؛ وَلَا يَقَعُ الِاخْتِلَاطُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ، وَكَذَا مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ وَالنَّاسُ فِي الِاهْتِدَاءِ إلَى التِّجَارَةِ مُخْتَلِفُونَ، بَعْضُهُمْ أَهْدَى مِنْ الْبَعْضِ، فَشُرِعَتْ الشَّرِكَةُ؛ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاسْتِنْمَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ يُسْتَنْمَى، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَلَا يَحْصُلُ مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةُ فَلَا يَجُوزُ.
(وَلَنَا) : أَنَّ النَّاسَ يَتَعَامَلُونَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَدٍ.
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.