النوع الثاني: شركة المفاوضة

الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > النوع الثاني: شركة المفاوضة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

النوع الثاني: شركة المفاوضة - الأقوال والأدلة

النَّوعُ الثاني: شَركةُ المُفاوضةِ:

شَركةُ المُفاوَضةِ عندَ الحَنفيَّةِ: هي أنْ يَشتركَ الرَّجلانِ فيَتساويا في مالِهما وتَصرُّفِهما ودَينِهما، ويَكونَ كلٌّ منهما كَفيلًا عن الآخَرِ في كلِّ ما يَلزمُه مِنْ عُهدةِ ما يَشتريه، كما أنَّه وَكيلٌ عنه؛ لأنَّها شَركةٌ عامَّةٌ يُفوِّضُ كلٌّ منهما صاحبَه على العُمومِ في التِّجاراتِ والتَّصرُّفاتِ؛ لأنَّ الفَوضةَ الشَّركةُ، والمُفاوضةَ المُساواةُ، فلَزمَ مُطلقُ المُساواةِ فيما يُمكِنُ الاشتِراكُ فيه، فعَمَّ التَّساوي في ذلك.

وهي مِنَ التَّفويضِ أو الفَوضِ الذي منه فاضَ الماءُ، إذا عَمَّ وانتشَر؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُفوِّضُ التَّصرُّفَ إلى صاحبِه على أيِّ حالٍ، ومنه قَولُ الشاعِرِ:

تُهدى الْأمُورُ بأَهْلِ الرَّأيِ ما صَلحَتْ … فَإنْ توَلَّتْ فَبالْأَشْرَارِ تَنقَادُ

لا يَصْلحُ الناسُ فَوضى لا سراةَ لهم … ولَا سرَاة إذا جهَّالُهُمْ سَادوا

إذا تولى سراةُ الناس أمرَهم … نما على ذاك أمرُ القوم وازدادوا

ومعنى البَيتِ: إذا كان الناسُ مُتساوين لا كَبيرَ لهم ولا سَيِّدَ يَرجعون إليه؛ بل كان كلُّ واحِدٍ مُستقلًّا يُنفِّذُ مُرادَه كيف كان، تَحقَّقت المُنازعةُ، كما في قَولِ اللهِ : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والسُّراةُ: جَمع سَرى، وهو السَّيِّدُ، وسيأتي وَجهُ المُساواةِ فلا بُدَّ مِنْ تَحقُّقِ المُساواةِ ابتِداءً عندَ عَقدِ الشَّركةِ، وانتِهاءً، أي: في مُدَّةِ البَقاءِ؛ لأنَّ عَقدَ الشَّركةِ عَقدٌ غَيرُ لَازمٍ؛ فإنَّ لكلٍّ منهما أنْ يَفسخَه إذا شاءَ، فكان لِبقائِه حُكمُ الابتِداءِ،

فما يَمنعُ ابتِداءَ العَقدِ مِنَ التَّفاوُتِ في المالِ يَمنعُ بَقاءَه حتى لو كان المالانِ سَواءً يَومَ العَقدِ، ثم ازدادت قيمةُ أحَدِهما قبلَ الشِّراءِ فسَدت المُفاوضةُ وصارت عِنانًا، بخِلافِ ما لو زاد بعدَ الشِّراءِ بالمالَيْن؛ لأنَّ الشَّركةَ انتَقلت إلى المُشتَري؛ فإنَّما تَغيَّر سِعرُ رأسِ المالِ بعدَ خُروجِه عن الشَّركةِ فيه (١).

وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ المُفاوضةِ: هي أنْ يُفوِّضَ كلُّ واحِدٍ منهما إلى الآخَرِ التَّصرُّفَ والبَيعَ والشِّراءَ، حضَر الآخَرُ أو غابَ، وتَكونُ يَدُه كيَدِه، ولا يَكونانِ شَريكَيْن إلا بقَدْرِ ما يَعقِدانِ الشَّركةَ عليه، دونَ ما يَنفرِدُ أحَدُهما بمِلكِه مما لَم يَدخلْه في رأسِ مالِ الشَّركةِ، ويَجوزُ فيها تَساوي رُؤوسِ الأموالِ وتَفاضُلُها؛ إذا كان العَملُ والرِّبحُ بقُدرةِ اللهِ.

فإنْ أطلَقَ كلُّ واحِدٍ التَّصرُّفَ -وإنْ كان الإطلاقُ في نَوعٍ خاصٍّ- لِصاحبِه بالبَيعِ والشِّراءِ والأخذِ والعَطاءِ دونَ تَوقُّفٍ على إذنِ الآخرِ، فهي شَركةُ مُفاوَضةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ فَوَّضَ لِصاحبِه التَّصرُّفَ، إلا أنَّها إذا لَم تُقيَّدْ بنَوعٍ تُسمَّى مُفاوضةً عامَّةً، وإذا خُصَّت بنَوعٍ -كشِراءِ الرَّقيقِ- سُمِّيت مُفاوضاتٍ خاصَّةً، أي: بنَوعِ الذي أُطلِق التَّصرُّفَ فيه.

وسُمِّيت مُفاوضةً لِاستِوائِهما في الرِّبحِ والضَّمانِ وشُروعِهما في الأخذِ والإعطاءِ، مِنْ قَولِهم: تَفاوَض الرَّجلانِ في الحَديثِ؛ إذا شرَعا فيه، وهي جائِزةٌ على ما يَتفاوضانِ عليه مِنَ الأجزاءِ.

(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٥٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٤، ١٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢١)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٩)، و «اللباب» (١/ ٥٢٤، ٥٢٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٥٦)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٨٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في حكم الشركة

وَلَوْ دَفَعَ دَابَّةً إلَى رَجُلٍ لِيُؤَاجِرَهَا عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، وَالْأَجْرُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ وَلِلْآجِرِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ فَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ وَالْأَجْرُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ عَقَدَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ وَلِلرَّجُلِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَلَوْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الدَّابَّةَ لِيَبِيعَ عَلَيْهَا الطَّعَامَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ كَانَ فَاسِدًا، وَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ، وَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَجْرُ مِثْلِهَا، وَكَذَا الْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ حَصَلَ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الدَّابَّةِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَجْرُهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ اتِّفَاقُ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ إنْ اتَّفَقَتْ أَعْمَالُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ كَالْخَيَّاطِ مَعَ الْقَصَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ إلَّا عِنْدَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ كَالْقَصَّارِينَ وَالْخَيَّاطِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ بِالْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ عِنْدَنَا كَذَا بِالْعَمَلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَعِنْدَهُ لَا تَجُوزُ بِالْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَكَذَا بِالْعَمَلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ بِضَمَانِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا اتَّفَقَ الْعَمَلَانِ أَوْ اخْتَلَفَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الشركة)
(مسألة)

ثَمَّ قَالَ كَمْ يَا سَائِبُ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَعْمَالًا لَا تُقْبَلُ مِنْكَ وَهِيَ اليوم تقبل وكان ذا سلف وصداقة.

وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ السَّائِبِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي.

وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا.

وَرَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا " .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي سِهَامِ خَيْبَرَ وَفِي الْأَزْوَادِ فِي السَّفَرِ وَاشْتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فِي أَزْوَادِهِمْ يَخْلِطُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الشَّرِكَةِ فَقَدْ ينقسم ما تكون فيه الشركة أقسام أَرْبَعَةً:

أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْمَنَافِعِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ.

وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ فِي حُقُوقِ الرِّقَابِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الشركة
الركن الثاني كيفية اقتسام الربح بينهما في شركة العنان

الشَّافِعِيِّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ مِثْلَ الْقِرَاضِ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ، قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْإِشَاعَةَ فِيهَا تَقُومُ مَقَامَ الْخَلْطِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ; وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصِّنْفَانِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسَاءُ مِثْلَ الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ، أَوْ بِالطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَمَنَعَهُ مَرَّةً. وَذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ الشَّرِكَةَ بِالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ مِنَ الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ مَعًا، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ، وَلِمَا يَدْخُلُ الطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ; وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْعِلَلَ أَجَازَهَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ; وَأَمَّا الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ: فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ، أَوِ الْفِضَّةِ، وَمَنَعَهَا مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - بِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ; إِذْ رَأَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَى مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ بِالْإِجْمَاعِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 338 - 339

ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله