الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > ثالثا: شروط المعقود عليه: وهو المال
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةوابنُ عبَّاسُ رضي الله عنهما إنَّما كَرِه مُشارَكتَهم لِمُعامَلتِهم بالرِّبا، كذلك رَواه الأثرَمُ وغَيرُه عنه مِنْ طَريقِ أبي جَمرةَ عنه: لا يُشارِكَنَّ يَهوديًّا ولا نَصرانيًّا ولا مَجوسيًّا؛ لأنَّهم يُرْبونَ، والرِّبا لا يَحلُّ. وقد علَّلت طائِفةٌ كَراهةَ مُشارَكتِهم بأنَّ كَسبَهم غَيرُ طَيِّبٍ؛ فإنَّهم يَبيعونَ الخَمرَ والخِنزيرَ.
وهذه العِلَّةُ لا تُوجِبُ الكَراهةَ؛ فإنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه قال: «وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَثْمَانَهَا».
وما باعوه مِنَ الخَمرِ والخِنزيرِ قبلَ مُشاركةِ المُسلِمِ جازَ لهم شَركتُهم في ثَمنِه، وثَمنُه حَلالٌ؛ لاعتِقادِهم حِلَّه، وما باعوه واشتَرَوْه بمالِ الشَّركةِ فالعَقدُ فيه فاسِدٌ؛ فإنَّ الشَّريكَ وَكيلٌ، والعَقدَ يَقعُ لِلمُوكِّلِ، والمُسلِمُ لا يَثبُتُ مِلكُه على الخَمرِ والخِنزيرِ (١).
ثالِثًا: شُروطُ المَعقودِ عليه: وهو المالُ:
يُشترطُ في المالِ المَعقودِ عليه ما يلي:
١ - أنْ يَكونَ مِنَ الأثمانِ -النَّقدَيْن الذَّهبِ والفِضَّةِ-:
اختلَف الفُقهاءُ في مالِ الشَّركةِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مِنَ النَّقدَيْن أو يَصحُّ بالمِثليِّ والعُروضِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُشترطُ في مالِ الشَّركةِ أنْ يَكونَ مِنَ الأثمانِ، وهي الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ دونَ غَيرِهما؛ فلا تَصحُّ في العُروضِ.
(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٠٦، ٢٠٧).
قال الحَنفيَّةُ: لا تَنعقِدُ الشَّركةُ إلا بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، والفُلوسِ النافِقةِ.
ولا يَجوزُ بما سِوى ذلك إلا أنْ يَتعاملَ الناسُ بالتِّبرِ والنَّقرةِ، فتَصحُّ الشَّركةُ بهما؛ لأنَّ التِّبرَ والنَّقرةَ تُشبهُ العُروضَ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّها ليست ثَمنًا لِلأشياءِ، وتُشبهُ الدَّراهِمَ والدَّنانيرَ مِنْ وَجهٍ؛ لأنَّ العَقدَ عليها صَرفٌ، فأُعطِيتِ الشَّبهَ مِنْ كلِّ واحِدٍ منهما، فاعتُبرتْ فيها عادةُ الناسِ في التَّعامُلِ؛ فإذا تَعامَلوا بها أُلحِقت بالدَّراهِمِ، وإنْ لَم يَتعامَلوا بها أُلحِقت بغَيرِ الدَّراهمِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مِنَ النَّقدَيْن المَضروبَيْن؛ لأنَّهما ثمَنُ المَبيعاتِ وقِيَمُ الأموالِ، والناسُ يَشترِكون بهما مِنْ زَمنِ النَّبيِّ ﷺ إلى زَمنِنا مِنْ غَيرِ نَكيرٍ، فلا تَصحُّ شَركةُ العِنانِ ولا المُضاربةِ بعَرضٍ، ولو كان العَرضُ مِثليًّا، كبُرٍّ وحَريرٍ، لأنَّ قيمَتَه رُبَّما زادت قبلَ بَيعِه، فيُشاركُه الآخَرُ في نَماءِ العَينِ التي هي مِلكُه (٢).
وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ: تَصحُّ في كلِّ مِثليٍّ، أمَّا في النَّقدَيْن فبالإجماعِ؛ لأنَّهما قِيَمُ المُتلَفاتِ، وثمَنُ الأشياءِ في الأغلَبِ، وبهما تُعرفُ قِيَمُ الأموالِ، وما يَزيدُ فيها مِنَ الأرباحِ، وأمَّا غَيرُ النَّقدَيْن؛ كالقَمحِ والشَّعيرِ والحَديدِ ونَحوِهما؛ فيَجوزُ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّهما مالانِ، إذا
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٥٩)، «المبسوط» (١١/ ١٩٦، ١٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢٦، ٤٢٧)، و «اللباب» (١/ ٥٢٧، ٥٢٨).
(٢) «كشاف القناع» (٣/ ٥٨٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٤٧)، و «الروض المربع» (٢/ ٦٩).
خُلِطا لَم يَتميَّزْ أحَدُهما عن الآخَرِ، فصَحَّ عَقدُ الشَّركةِ عليهما، كالدَّراهِمِ، والدَّنانيرِ.
والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الشافِعيَّ رحمة الله عليه قال: ولا تَجوزُ الشَّركةُ في العُروضِ، وما له مِثلٌ مِنَ العُروضِ، ولأنَّها شَركةٌ على عُروضٍ، فلَم تَصحَّ، كالثِّيابِ، والحَيوانِ.
وعلى المَذهبِ تَصحُّ الشَّركةُ فيها؛ فإنْ كانت قيمَتُهما سَواءً أُخِذ كلُّ واحِدٍ منهما مِثلَ سِلعتِه يَومَ المُفاصلةِ، واقتَسما ما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ، وإنْ كانت قيمَتُهما مُختلفةً، مِثلَ: أنْ كانت حِنطةُ أحَدِهما جَيَّدةً، وحِنطةُ الآخَرِ مُسوَّسةً، كان لكلِّ واحِدٍ منهما قيمةُ حِنطتِه يَومَ عَقدِ الشَّركةِ، واقتسَما ما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ.
وعلى هذا: لا يُشترطُ التَّساوي في القيمةِ على الصَّحيحِ؛ فإنِ اختلَفت، كما إذا كان إردَبُّ هذا يُساوي عَشَرةً، وإردَبُّ هذا يُساوي خَمسةً فهُما شَريكانِ مُثالَثةً.
كلُّ هذا إذا أنشأَ العَقدَ على عُروضٍ مُتميِّزةٍ لكلِّ واحِدٍ منهما، فلو عَقداها على عُروضٍ مُشتَركةٍ بإرْثٍ أو ابتياعٍ أو غَيرِهما تَصحُّ، سَواءٌ كانت مِثليَّةً أو مُتقوَّمةً (١).
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٤)، و «البيان» (٦/ ٣٦٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.