الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > حكم الشركة في العروض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةحُكمُ الشَّركةِ في العُروضِ:
شَركةُ العُروضِ: هي أنْ يُخرجَ هذا مَتاعًا فيُقيِّمَه، ويُخرجَ هذا مَتاعًا فيُقيِّمَه، ثم يَشترِكانِ بالقيمَتَيْن؛ لِيَكونَ المَتاعانِ بينَهما إنْ رَبِحا فيه كان بينَهما، وإنْ خَسِرا فيه كان الخُسرانُ عليهما (١).
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّركةِ في العُروضِ هل تَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْن.
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّركةَ لا تَصحُّ في العُروضِ، وحَكى ابنُ المُنذِرِ فيه الإجماعَ (٢) وهو غَيرُ صَحيحٍ، كما سيأتي.
وعلَّل الحَنفيَّةُ عَدمَ جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ فيها على الوَجهِ الذي تَضمَّنتْه الشَّركةُ لا يَصحُّ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ قال لِغَيرِه: بِعْ عَرضَكَ على أنَّ ثَمنَه بينَنا، لا يَصحُّ؟ وإذا لم تَجُزِ الوَكالةُ -التي هي مِنْ ضَرورياتِ الشَّركةِ- لَم تَنعقِدِ الشَّركةُ، بخِلافِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ فإنَّ التَّوكيلَ فيها على الوَجهِ الذي تَضمَّنتْه الشَّركةُ يَصحُّ، ألَا تَرى أنَّه لو قال له رَجلٌ: «اشتَرِ بألْفٍ مِنْ مالِك على أنَّ ما تَشتريه بينَنا وأنا أشتَري بألْفٍ مِنْ مالي على أنَّ ما اشتَريتُه بينَنا» فإنَّه يَجوزُ ذلك؟ ولأنَّ أوَّلَ التَّصرُّفِ في العُروضِ البَيعُ، وفي النُّقودِ الشِّراءُ، ولأنَّ بَيعَ أحَدِهما مالَه على أنْ يَكونَ الآخَرُ شَريكًا في ثَمنِه لا يَجوزُ، وشِراءَ أحَدِهما شَيئًا بمالِه على أنْ يَكونَ المَبيعُ بينَه وبينَ غَيرِه جائِزٌ.
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٧٣).
(٢) «الإجماع» (٥١٥).
ولأنَّ الشَّركةَ في العُروضِ تُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ عندَ القِسمةِ؛ لأنَّ رأسَ المالِ يَكونُ قيمةَ العُروضِ، لا عَينَها، والقيمةُ مَجهولةٌ؛ لأنَّها تُعرَفُ بالحَزرِ والظَّنِّ، فيَصيرُ الرِّبحُ مَجهولًا، فيُؤدِّي إلى المُنازعةِ عندَ القِسمةِ، وهذا المَعنى لا يُوجدُ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، لأنَّ رأسَ المالِ مِنَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ عندَ القِسمةِ عَينُها، فلا يُؤدِّي إلى جَهالةِ الرِّبحِ، «ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ»، والشَّركةُ في العُروضِ تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمَنْ؛ لأنَّ العُروضَ غَيرُ مَضمونةٍ بالهَلاكِ؛ فإنَّ مَنِ اشتَرى شَيئًا بعَرضٍ بعَينِه فهَلَك العَرضُ قَبلَ التَّسليمِ لا يَضمنُ شَيئًا آخَرَ، لأنَّ العُروضَ تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فيَبطلُ البَيعُ؛ فإذا لَم تَكُنْ مَضمونةً فالشَّركةُ فيها تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمنْ وإنَّه مَنهيٌّ عنه، بخِلافِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ فإنَّها مَضمونةٌ بالهَلاكِ؛ لأنَّها لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ؛ فالشَّركةُ فيها لا تُؤدِّي إلى رِبحِ ما لَم يُضمنْ، بل يَكونُ رِبحَ ما ضُمِنَ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: لا تَصحُّ في المُتقوَّمِ مِنَ العُروضِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ الخَلطُ في المُتقوَّماتِ؛ لأنَّها أعيانٌ مُتميِّزةٌ، وحينَئذٍ قد يَتلَفُ مالُ أحَدِهما أو يَنقُصُ فلا يُمكِنُ قِسمةُ الآخَرِ بَينَهما، ولأنَّ مَوضوعَ الشَّركةِ على ألَّا يَنفرِدَ أحَدُ الشَّريكَيْن برِبحِ مالِ أحَدِهما، وهذه الشَّركةُ تُفضي إلى ذلك؛ لأنَّه قد تَزيدُ قيمةُ عَرضِ أحَدِهما، ولا تَزيدُ قيمةُ عَرضِ الآخَرِ، فيُشارِكُه مَنْ لَم تَزِدْ قيمةُ عَرضِه عندَ المُفاصَلةِ، وهذا لا سَبيلَ إليه؛ فإنْ كان لكلِّ واحِدٍ منهما عَبدٌ
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٥٩)، «المبسوط» (١١/ ١٩٦، ١٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢٦، ٤٢٧)، و «اللباب» (١/ ٥٢٧، ٥٢٨).
يُساوي مِئةً، وأرادا الشَّركةَ، باعَ أحَدُهما نِصفَ عَبدِه بنِصفِ عَبدِ صاحبِه، ثم يَتقاصَّانِ، ويأذنُ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحبِه في التَّصرُّفِ، وإنْ كانت قيمةُ أحَدِهما مِئتَيْن، وقيمةُ الآخَرِ مِئةً باعَ مَنْ قيمةُ عَبدِه مِئتانِ ثُلثَ عَبدِه بثُلثَيْ عَبدِ الآخَرِ، وإنً شاءا .. باعَ كلُّ واحِدٍ منهما مِنْ صاحبِه بَعضَ عَرضِه بثَمنٍ في ذِمَّتِه، ثم تَقاصَّا، وإنْ شاءا اشتَريا عَرضًا مِنْ رَجلٍ بثَمنٍ في ذِمَّتِهما، ثم دَفعا عَرضَيْهما عما في ذِمَّتِهما.
وتَصحُّ في المِثليِّ كالبُرِّ؛ والشَّعيرِ، والحَديدِ، كما تَقدَّم (١).
وعلَّل الحَنابِلةُ عَدمَ جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ بأنَّ الشَّركةَ إمَّا أنْ تَقعَ على أعيانِ العُروضِ أو قيمَتِها أو أثمانِها: ولا يَجوزُ وُقوعُها على أعيانِها؛ لأنَّ الشَّركةَ تَقتَضي الرُّجوعَ عندَ المُفاضَلةِ برأسِ المالِ أو بمِثلِه، وهذه لا مِثلَ لها فيُرجَعُ عليه، وقد تَزيدُ قِيمةُ جِنسِ أحَدِهما دونَ الآخَرِ فيَستوعبُ بذلك جَميعَ الرِّبحِ أو جَميعَ المالِ، وقد تَنْقُصُ قيمَتُها فيُؤدِّي إلى أنْ يُشارِكَه في ثَمنِ مِلكِه الذي ليس برِبحٍ، ولا على قيمَتِها، لأنَّ القيمةَ غَيرُ مُتحقَّقةِ القَدْرِ فيُفضي إلى التَّنازُعِ، وقد يَقومُ الشَّيءُ بأكثَرَ مِنْ قيمَتِه، ولأنَّ القيمةَ قد تَزيدُ في أحَدِهما قبلَ بَيعِه فيُشارِكُه الآخَرُ في العَينِ المَملوكةِ له.
ولا يَجوزُ وُقوعُها على أثمانِها؛ لأنَّها مَعدومةٌ حالَ العَقدِ، ولا يَملِكانِها؛ لأنَّه إنْ أراد ثمَنَها الذي اشتَراها به فقد خرَج عن مِلكِه وصار
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٧٤)، و «البيان» (٦/ ٣٦٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٢)، و «الديباج» (٢/ ٢٩٧).
لِلبائعِ، وإنْ أراد ثَمنَها الذي يَبيعُها به فإنَّها تَصيرُ شَركةً مُعلَّقةً على شَرطٍ، وهو بَيعُ الأعيانِ، وهذا لا يَجوزُ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ الشَّركةِ في العُروضِ.
قال المالِكيَّةُ: تَصحُّ الشَّركةُ بعَينٍ مِنْ جانِبٍ وبعَرضٍ مِنَ الآخَرِ، بأنْ يُخرجَ أحَدُهما طعامًا أو عُروضًا، والآخَرُ دَنانيرَ أو دَراهمَ، ويَشتَرِكا على القِيَمِ؛ فإنِ اعتَدلَت قيمةُ الطَّعامِ أو العُروضِ مع المالِ فجائِزٌ على أنَّ الرِّبحَ والوَضيعةَ بينَهما سَواءٌ، والعَملَ أيضًا بينَهما بالسَّويَّةِ على قَدْرِ رُؤوسِ أموالِهما.
وكذا تَصحُّ بعَرضَيْن، مِنْ كلِّ جانِبٍ عَرضٌ، مُطلَقًا، اتَّفقا جِنسًا، أو اختَلفا، كعَبدٍ وحِمارٍ أو ثَوبٍ.
ودخَل فيه طَعامٌ مِنْ جِهةٍ، وعَرضٌ مِنْ أُخرى.
واعتُبِر كلٌّ مِنَ العَرضَيْن أو العَرضِ مع العَينِ بالقيمةِ يَومَ العَقدِ، كالشَّركةِ في العَينِ مع العَرضِ بالعَينِ وقيمةِ العَرضِ؛ فإنْ كانت قيمَتُه قَدْرَ العَينِ فالشَّركةُ بالنِّصفِ، وإنْ كانت قَدْرَها مَرَّتَيْن فبالثُّلثِ والثُّلثَيْن، وفي العَرضَيْن بقيمةِ كلٍّ؛ فإنْ تَساوَيا فبالنِّصفِ، وإنْ تَفاوَتا فبحَسَب كلٍّ إنْ صَحَّت الشَّركةُ.
قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: وإنَّما أجَزْنا الشَّركةَ بالعُروضِ،
(١) «المغني» (٥/ ١٠، ١١)، و «الإنصاف» (٥/ ٤١٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٨٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٤٧)، و «الروض المربع» (٢/ ٦٩).
وصِفتُها: أنْ يُخرجَ أحَدُهما ثَوبًا، والآخَرُ ثَوبًا أو عَرضًا غَيرَه، ويَعقِدا الشَّركةَ بينَهما على أنْ يَكونَ الرِّبحُ بقَدْرِ رأسِ المالِ، فيَصحَّ عندَنا، وإنْ لَم يَذكُرْ أثمانًا، ولا قالا: «إنَّ ثَمنَ هذا الثَّوبِ كذا، وثَمنَ هذا الآخَرِ كذا»، وإذا سكَتا عن ذلك انعَقدتِ الشَّركةُ بينَهما على قيمةِ العُروضِ فيَكونُ رأسُ مالِ كلِّ واحِدٍ قيمةَ عَرضِه، وسَواءٌ كانتِ العُروضُ مما يَتميَّزُ أعيانُها، كالثِّيابِ والدَّراهِمِ السُّودِ مع البِيضِ، أو مما لا يَتميَّزُ، كالحِنطةِ والعَسلِ … ودليلُنا على جَوازِ الشَّركةِ بالعُروضِ على الوَجهِ الذي قَدَّرناه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولأنَّ العُروضَ أعيانُ أموالٍ، فجازتِ الشَّركةُ فيها، وإنْ لَم يُسمِّيا أثمانَها اعتِبارًا بما لا يَتميَّزُ، ولأنَّ حَقيقةَ الشَّركةِ أنْ يُملِّك أحَدُهما الآخَرَ نِصفَ عَرضِه، وتَحصُلَ أيديهما على جَميعِ المالِ، وهذا مَوجودٌ في مَسألتِنا، كما لو صرَّح بأنْ قال له: «بِعتُك نِصفَ ثَوبي بنِصفِ ثَوبِك»، أو إذا كان مما لا يَتميَّزُ (١).
قال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الشَّركةُ بالطَّعامِ مِنْ صِنفٍ واحِدٍ، فأجازَها ابنُ القاسِمِ قياسًا على إجماعِهم على جَوازِها في الصِّنفِ الواحِدِ مِنَ الذَّهبِ أو الفِضَّةِ.
ومنَعها مالِكٌ في أحَدِ قَولَيْه -وهو المَشهورُ- بعَدمِ المُناجَزةِ الذي يَدخلُ فيه، إذْ رأى أنَّ الأصلَ هو ألَّا يُقاسَ على مَوضعِ الرُّخصةِ بالإجماعِ،
(١) «الإشراف» (٣/ ٦٦) رقم (٩٢٥)، و «المعونة» (٢/ ١٤٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٦١)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٣٨، ٢٣٩)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٥)، و «الشرح الصغير مع حاشية الصاوي» (٧/ ٤٨٦).
وقد قيلَ: إنَّ وَجهَ كَراهيةِ مالِكٍ لذلك أنَّ الشَّركةَ تَفتقِرُ إلى الاستِواءِ في القيمةِ، والبَيعَ يَفتقِرُ إلى الاستِواءِ في الكَيلِ، فافتَقرتِ الشَّركةُ بالطَّعامَيْن مِنْ صِنفٍ واحِدٍ إلى استِواءِ القيمةِ والكَيلِ، وذلك لا يَكادُ يُوجدُ، فكَرِه مالِكٌ ذلك (١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا تَجوزُ الشَّركةُ بالطَّعامِ إذا اختلَف مِثلُ القَمحِ والشَّعيرِ، أو صِنفٌ مِنَ القَمحِ بغَيرِه، أو عَدَسٍ بفُولٍ أو تَمرٍ بزَبيبٍ أو زَيتٍ بسَمنٍ أو عَسلٍ أو سَمنِ بَقرٍ بسَمنِ غَنمٍ أو زَيتٍ أحمَرَ بأسوَدَ، أو شَيءٍ بشَيءٍ مِنْ صِنفِه ليس مِثلَه في عَينِه وجَودَتِه وحالِه، ولا تَجوزُ الشَّركةُ بهذا كلِّه وما كان مِثلَه، لا على الكَيلِ ولا على القيمةِ (٢).
وقال الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه في الرِّوايةِ الأخرى -واختارَها كَثيرٌ مِنْ أصحابِه- بأنَّ الشَّركةَ تَصحُّ في العُروضِ؛ لأنَّ مَقصودَ الشَّركةِ جَوازُ تَصرُّفِهما في المالَيْن جَميعًا، وكَونُ الرِّبحِ بينَهما، وهذا يَحصُلُ في العُروضِ مِنْ غَيرِ غَررٍ، كما يَحصُلُ في الأثمانِ، ويُجعَلُ رأسُ المالِ قيمَتَها وَقتَ العَقدِ؛ لِيَتمكَّنَ العامِلُ مِنْ رَدِّ رأسِ المالِ عندَ التَّفاضُلِ، كما أنَّا جَعلنا نِصابَ زَكاتِها قيمَتَها، وسَواءٌ كانت العُروضُ مِنْ ذواتِ الأمثالِ، كالحُبوبِ أو لا (٣).
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٤٠)، و «الذخيرة» (٨/ ٤٢).
(٢) «الكافي» (١/ ٣٩١).
(٣) «المغني» (٥/ ١١)، و «إغاثة اللهفان» (٢/ ٤٤)، و «المبدع» (٥/ ٥)، وقال في «الإنصاف» (٥/ ٤١٠): وعنه: تصحُّ بالعروضِ. قال ابنُ رزين في شَرحِه: وعنه: تصحُّ بالعروضِ وهي أظهرُ. واختارَه أبو بكرٍ، وأبو الخطَّابِ، وابنُ عبدوسَ في تَذكِرته، وصاحبُ الفائقِ. وجزَم به في المنورِ. وقدَّمه في المحرَّرِ، والنظمِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في حكم الشركة
وَلَوْ دَفَعَ دَابَّةً إلَى رَجُلٍ لِيُؤَاجِرَهَا عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، وَالْأَجْرُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ وَلِلْآجِرِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ فَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ وَالْأَجْرُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ عَقَدَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ وَلِلرَّجُلِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَلَوْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الدَّابَّةَ لِيَبِيعَ عَلَيْهَا الطَّعَامَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ كَانَ فَاسِدًا، وَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ، وَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَجْرُ مِثْلِهَا، وَكَذَا الْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ حَصَلَ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الدَّابَّةِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَجْرُهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ اتِّفَاقُ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ إنْ اتَّفَقَتْ أَعْمَالُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ كَالْخَيَّاطِ مَعَ الْقَصَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ إلَّا عِنْدَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ كَالْقَصَّارِينَ وَالْخَيَّاطِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ بِالْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ عِنْدَنَا كَذَا بِالْعَمَلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَعِنْدَهُ لَا تَجُوزُ بِالْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَكَذَا بِالْعَمَلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ بِضَمَانِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا اتَّفَقَ الْعَمَلَانِ أَوْ اخْتَلَفَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الشركة)
(مسألة)
ثَمَّ قَالَ كَمْ يَا سَائِبُ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَعْمَالًا لَا تُقْبَلُ مِنْكَ وَهِيَ اليوم تقبل وكان ذا سلف وصداقة.
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ السَّائِبِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي.
وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا.
وَرَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا " .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي سِهَامِ خَيْبَرَ وَفِي الْأَزْوَادِ فِي السَّفَرِ وَاشْتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فِي أَزْوَادِهِمْ يَخْلِطُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الشَّرِكَةِ فَقَدْ ينقسم ما تكون فيه الشركة أقسام أَرْبَعَةً:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْمَنَافِعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ فِي حُقُوقِ الرِّقَابِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الشركة]
[فصل في بيان أحكام الشركة في الزرع]
فَصْلٌ)
لِكُلٍّ، فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام الشَّرِكَة فِي الزَّرْع
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ (لِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ (فَسْخُ) عَقْدِ (الْمُزَارَعَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْحَرْثِ، وَبِالثَّانِي عَبَّرَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَبَّرَ بِالْأَوَّلِ كَثِيرٌ، سَمَعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى مُزَارَعَةٍ وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ زَرَعْت وَلْيَقُلْ حَرَثْت» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ مُسْلِمٌ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» . الْبُرْزُلِيُّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ زَرَعَتْ وَلْيَقُلْ حَرَثْت فَإِنَّ الزَّارِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى» .
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.