الإسلام > الشركات والإجارات > فيما يجوز لرب المال فعله وما لا يجوز > دفع مالين من المالك لعامل واحد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالرِّبحِ نِصفُه، ونَصيبَ هذا العامِلِ رُبعُه، فيُقسَّمُ بينَهما بَقيَّةُ الرِّبحِ على ثَلاثةٍ، وما أخَذَه الحالِفُ فيما زادَ على قَدْرِه نَصيبُه كالتالِفِ منهما، والتالِفُ يُحسَبُ في المُضاربةِ مِنَ الرِّبحِ، قال ابنُ قُدامةَ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَتعدَّدَ العامِلُ في القِراضِ بأنْ أخَذَ اثنان أو أكثَرَ مالًا قِراضًا مِنْ واحِدٍ، وجعَل لَهما مَثَلًا نِصفَ الرِّبحِ، فالرِّبحُ الذي لَهما يُفَضُّ عليهما ويُقسَّمُ على حَسَبِ عَملِهما إذا تَفاوَتا في العَملِ بالقِلَّةِ والكَثرةِ ولا يُقسَّمُ بينَهما بالسَّويَّةِ فلا يَجوزُ أنْ يَتَّحِدا في الرِّبحِ ويَختلِفا في العَملِ، كشَركةِ الأبدانِ؛ لأنَّ أحدَهما يأخُذُ بَعضَ رِبحِ صاحِبِه بغَيرِ شَيءٍ، كما لو أخذَ اثنانِ مالًا واحِدًا وجُعِل لِواحِدٍ نِصفُ الرِّبحِ ولِلآخَرِ ثُلثُه؛ فإنَّ كلَّ واحِدٍ يَكونُ عليه مِنَ العَملِ قَدْرُ ما جُعِل له مِنَ الرِّبحِ، ولا يَكونُ العَملُ عليهما بالسَّويَّةِ (٢).
٥ - دَفعُ مالَيْن مِنَ المالِكِ لِعامِلٍ واحِدٍ:
نَصَّ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَدفعَ مالَيْن معًا لِعامِلٍ واحِدٍ يَعملُ في كلِّ مالٍ على حِدَةٍ سَواءٌ كان في وَقتٍ واحِدٍ أو في وَقتَيْن.
قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَدفعَ مالَيْن معًا لِعامِلٍ واحِدٍ يَعمَلُ في كلِّ مالٍ على حِدَةٍ، وسَواءٌ كانا مُتَّفقَيْن، كمِئةٍ مِنَ الذَّهبِ، ومِثلِها مِنَ
(١) «المغني» (٥/ ١٩، ٤٥، ٤٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦١٤).
(٢) «مواهب الجليل» (٧/ ٣٥١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٠٠)، و «التاج والإكليل» (٤٤/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٢٤)، و «حاشية الصاوي» (٨/ ٤١٩).
الذَّهبِ، أو مُختلِفَيْن، كمِئةٍ مِنَ الذَّهبِ ومِئةٍ مِنَ الفِضَّةِ، وسَواءٌ كانَ الجُزءُ فيهما مُتَّفقًا كالنِّصفِ مِنْ رِبحِ كلٍّ منهما، أو مُختلفًا كالنِّصفِ مِنْ رِبحِ هذه، والثُّلثِ مِنْ رِبحِ الأُخرى، وسَواءٌ كان الرِّبحُ فيهما لَهما أو رِبحُ إحداهما لِأحَدِهما بعَينِه ورِبحُ الأُخرى لَهما مَعًا أو رِبحُ هذه لِرَبِّ المالِ، ورِبحُ الأُخرى لِلعامِلِ، كلُّ ذلك جائِزٌ إنْ شرَطا خَلطَ المالَيْن عندَ الدَّفعِ، أي: عندَ العَقدِ فيهما؛ لأنَّ ذلك يَرجعُ إلى جُزءٍ واحِدٍ مَعلومٍ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ؛ فإنْ لَم يَشتَرِطا الخَلطَ لَم يَجُزِ في المُختلِفِ الجُزءُ، ويَجوزُ في المُتَّفِقِ الجُزءُ؛ إذْ لا تُهمةَ في أنْ يَعملَ في أحدِ المالَيْن أكثَرَ مِنَ الآخَرِ، بخِلافِ المُختَلِفَيْن في الجُزءِ؛ فإنَّه يُتَّهمُ أنْ يَعملَ في أكثَرِ الجُزأَيْن دونَ الآخَرِ عَملًا كَثيرًا.
وكذلك يَجوزُ لِمُريدِ القِراضِ أنْ يَدفَعَ مالَيْن مُتعاقِبَيْن في عَقدَيْن، أي: واحدًا بعدَ واحِدٍ، لِعامِلٍ واحِدٍ، لكنْ دَفعَ الآخَرُ قبلَ شُغلِ المالِ الأولِ لِيَعملَ في كلِّ مالٍ على حِدَتِه، وسَواءٌ اتَّفقَ رأسُ المالِ أو اختلَف، وسَواءٌ اتَّفقَ الجُزءُ أو اختَلَف، كأنْ يَكونَ له في هذا نِصفُ الرِّبحِ وفي الآخَرِ ثُلثُه على ما مَرَّ، ومَحلُّ الجَوازِ في المالَيْن مَعًا أو مُتعاقِبَيْن اتَّفقا في الجُزءِ أو اختَلَفا، إنْ شرَطا خَلطَ المالَيْن عندَ دَفعِ الآخَرِ قبلَ شُغلِ الأولِ؛ لأنَّه يَرجعُ حينَئذٍ إلى جُزءٍ واحِدٍ مَعلومٍ، ولا تُهمةَ.
فإنْ لمَ يَشترِطا الخَلطَ لَم يَجُزْ في المُختلِفِ الجُزءُ، ويَجوزُ في المُتَّفِقِ كما مَرَّ.
فلو كان دَفعُ المالِ الثاني بعدَ شُغلِ المالِ الأولِ ولَم يَنِضَّ؛ فإنَّه يَجوزُ بشَرطِ عَدمِ الخَلطِ ولو مع اختِلافِ الجُزأَيْن؛ لأنَّه حينَئذٍ إذا خَسِر في
أحَدِهما ليس عليه أن يَجبُرَه برِبحِ الآخَرِ، أمَّا إنْ شرَطا الخَلطَ بعدَ شُغلِ الأولِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ، وسَواءٌ اتَّفَق الجُزآنِ أو اختَلَفا وعَلَّلوا عَدمَ الجَوازِ بأنَّه قد يَخسَرُ في الآخَرِ فيَلزَمُه أنْ يَجبُرَه برِبحِ الأولِ.
وكذلك يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَدفعَ إليه مالًا آخَرَ لِيَعملَ فيه مع الأولِ بعدَ نُضوضِ الأولِ -أي: صَيرورةِ المالِ دَراهمَ ودَنانيرَ، وذلك ببَيعِ السِّلعِ وقَبضِ ثَمنِها دَراهمَ ودَنانيرَ- بشَرطَيْن:
أوَّلُهما: أنْ يَكونَ الأولُ قد نَضَّ مِنْ غَيرِ رِبحٍ فيه ولا خَسارةٍ، كما لو اشتَرى بمِئةٍ وباعَ أيضًا بمِئةٍ؛ فإنْ نَضَّ برِبحٍ أو خَسارةٍ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه إنْ نَضَّ برِبحٍ قد يَضيعُ على العامِلِ رِبحُه، وإنْ نَضَّ بخَسارةٍ قد يَجبُرُ القِراضُ الآخَرُ خَسارةَ الأولِ.
والآخَرُ: أنْ يَتَّفقَ جُزؤُهما بأنْ يَكونَ الرِّبحُ لِلعاملِ في المالِ الآخَرِ كالرِّبحِ في المالِ الأولِ، كالثُّلثِ مِنْ رِبحِ كلٍّ منهما.
فإنِ اختَلَف جُزءُ الرِّبحِ المَشروطِ لِلعاملِ في الآخَرِ عما كان مَشروطًا له في الأولِ فلا يَجوزُ، وهذان الشَّرطانِ ذكَرهما خَليلٌ.
إلا أنَّ الدَّرديرَ والدُّسوقيُّ -رحمهما الله- قالا: الحَقُّ أنَّه إذا نَضَّ الأولُ بمُساوٍ جازَ الدَّفعُ مُطلَقًا، سَواءٌ اتَّفقَ جُزؤُهما -أي: الرِّبحُ- أو اختلَف إنْ شرَطا الخَلطَ، وإلا مُنِع مُطلَقًا، اتَّفَق جُزؤُهما أو اختلَف (١).
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٤، ٢٩٥)، و «شرح مختصر خليل» للخرشي (٦/ ١٢، ١٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥١٧، ٥١٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٤٢٢، ٤٢٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في بيان شرائط جواز أنواع الشركة
وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا … وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ.
(وَأَمَّا) .
الْمُفَاوَضَةُ: فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا الْمُسَاوَاةُ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْقَائِلُ وَهُوَ الْعَبْدِيُّ:
تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ … فَإِنْ تَوَلَّتْ فَبِالْأَشْرَارِ تَنْقَادُ
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةٌ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الشَّرِكَةِ مُفَاوَضَةً؛ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَالتَّصَرُّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ.
وَقِيلَ هِيَ مِنْ التَّفْوِيضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضُ التَّصَرُّفَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي شَرِكَةِ الْأَعْمَالِ وَالْوُجُوهِ (فَوَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه أَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنْ الِاخْتِلَاطِ، وَلِهَذَا شَرَطَ الْخَلْطَ لِجَوَازِ الشَّرِكَةِ؛ وَلَا يَقَعُ الِاخْتِلَاطُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ، وَكَذَا مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ وَالنَّاسُ فِي الِاهْتِدَاءِ إلَى التِّجَارَةِ مُخْتَلِفُونَ، بَعْضُهُمْ أَهْدَى مِنْ الْبَعْضِ، فَشُرِعَتْ الشَّرِكَةُ؛ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاسْتِنْمَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ يُسْتَنْمَى، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَلَا يَحْصُلُ مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةُ فَلَا يَجُوزُ.
(وَلَنَا) : أَنَّ النَّاسَ يَتَعَامَلُونَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَدٍ.
ارجع إلى فيما يجوز لرب المال فعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.