الإسلام > الشركات والإجارات > فيما يجوز لرب المال فعله وما لا يجوز > زكاة مال المضاربة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةفيَعودُ رأسُ المالِ إلى ثلاثةُ وثَمانينَ وثُلثٍ، فلو عاد ما في يَدِه إلى ثَمانينَ لَم يَسقُطْ ما استقَرَّ له، بل يأخُذُ منها دِرهَمًا وثُلثَيْ دِرهَمٍ ويَرُدُّ البَقيَّةَ، وهي ثَمانيةٌ وسَبعونَ دِرهمًا وثُلثُ دِرهَمٍ.
وإنِ استَردَّ المالِكُ بَعضَه بعدَ ظُهورِ الخُسرانِ فالخُسرانُ مُوزَّعٌ على المُسترَدِّ، والبَقيَّةُ بعدَه، وحينَئِذٍ لا يَلزَمُ جَبرُ حِصَّةِ المُسترَدِّ وهو عِشرونَ لو رَبِحَ المالُ بعدَ ذلك؛ لأنَّه لو رَدَّ الجَميعَ بعدَ الخُسرانِ لَم يَلزَمْه شَيءٌ، ويَصيرُ رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وحِصَّتُه مِنَ الخُسرانِ.
مِثالُه: المالُ -أي: رأسُ المالِ- مِئةٌ، والخُسرانُ الحاصِلُ فيه عِشرونَ، ثم استرَدَّ المالِكُ عِشرينَ فرُبعُ العِشرينَ التي هي جَميعُ الخُسرانِ حِصَّةُ المُسترَدِّ منها خَمسةٌ، فكأنَّه استَردَّ خَمسةً وعِشرينَ ويَعودُ بعدَ ذلك رأسُ المالِ المُتبَقِّي بعدَ المُسترَدِّ وبعدَ حِصَّتِه مِنَ الخُسرانِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ؛ لأنَّ الخُسرانَ إذا وَزَّعناه على الثَّمانينَ خَصَّ كلَّ عِشرينَ خَمسةٌ، والعِشرونَ المُسترَدةُ حِصَّتُها خَمسةٌ، فيَبقى ما ذكَره، فلو رَبِح بعدَ ذلك شَيئًا قُسِّم بينَهما رِبحًا على حَسَب ما شَرَطاه (١).
زَكاةُ مالِ المُضاربةِ:
اختلَف الفُقهاءُ فيمَن يُخرِجُ زَكاةَ مالِ المُضاربةِ، ومَتى يُخرِجُ، على أقوالٍ، وتَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ، وهو على التَّفصيلِ الآتي.
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٦١، ٧٦٤)، و «البيان» (٧/ ١٩٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٧، ٣٦٠)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٨٠، ٢٨٣)، و «الديباج» (٢/ ٤٣٩، ٤٤١).
قال الحَنفيَّةُ: يُزكِّي المُضارِبُ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ إذا حالَ الحَولُ وعِندَه نِصابٌ وظهَر الرِّبحُ؛ فإنِ اشتَرى جاريةً قيمَتُها ألفانِ ورأسُ المالِ ألفٌ زَكَّى خَمسَمِئةٍ إذا حالَ الحَولُ ويُزكِّي رَبُّ المالِ ألفَيْنِ وخَمسَمِئةٍ.
ولِلمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ رَبَّ المالِ بالقِسمةِ حتى يَحصُلَ له نَصيبُه مِنَ الرِّبحِ مُميَّزًا مِنْ مِلكِه صَحيحَ المِلكِ يَلزَمُه فيه الزَّكاةُ (١).
قال المالِكيَّةُ: القِراضُ إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا في بَلدِ رَبِّ المالِ أو غائِبًا عنه.
١ - القِراضُ الحاضِرُ ببَلدِ رَبِّ المالِ حَقيقةً أو حُكمًا، كأنْ كان المالُ في غَيرِ بَلدِ رَبِّه لكنْ يَعلَمُ رَبُّه بحالِه: فيُزكِّيه رَبُّه زَكاةَ إدارةٍ، واختَلَفوا مَتى يُزكِّيه على ثَلاثةِ أقوالٍ:
الأولُ: ما رَجَّحه خَليلٌ والدَّرديرُ، وقيلَ: هو ظاهِرُ المَذهبِ أنَّه يُزكِّيه كلَّ عامٍ مِنْ غَيرِ مالِ القِراضِ، لِئلَّا يَنقُصَ على العامِلِ، والرِّبحُ يَجبُرُه، وهو ضَرَرٌ على العامِلِ، إلا أنْ يَرضَى بذلك بشَرطِ أنْ يُديرَه العامِلُ، سَواءٌ كان رَبُّه مُديرًا أو مُحتكِرًا.
والثاني -وهو المُعتمَدُ-: لا يُزكِّيه إلا بعدَ المُفاصَلةِ، ويُزكِّي حينَئذٍ لِلسِّنينِ الماضيةِ كلِّها كالغائِبِ.
والثالِثُ: أنَّه لا يُزكِّي إلا بعدَ المُفاصلةِ، ولكنْ لِسَنةٍ واحِدةٍ كالدَّينِ.
٢ - القِراضُ الغائِبُ عن بَلدِ رَبِّه ولا يُعلَمُ حالُه: لا يُزكِّيه رَبُّه ولو غابَ عنه سِنينَ حتى يَحضُرَ، إلا أنْ يأمُرَ العامِلَ أنْ يُزكِّيَه في حالِ غيابِه في كلِّ
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٤٣٧)، و «البناية شرح الهداية» (١٠/ ١٠٥).
عامٍ، وتُحسَبُ الزَّكاةُ على رَبِّه مِنْ رأسِ المالِ، فإذا لَم يُزكِّه العامِلُ في هذه السِّنينِ زَكَّاه رَبُّه بعدَ حُضورِه عن جَميعِ سِني الغيابِ مُبتَدِئًا بسَنةِ الحُضورِ أوَّلًا، فيُحسَبُ ما عليه مِنْ زَكاةٍ في هذه السَّنةِ الأخيرةِ، ثم يُخرِجُ بمِقدارِها عن كُلٍّ مِنَ السِّنينِ السابِقةِ بعدَ تَنزيلِ ما يُؤخَذُ مِنَ المالِ زَكاةً، هذا إذا كان القِراضُ في كلٍّ مِنَ السِّنينِ السابِقةِ مُساوِيًا لِلسَّنةِ الأخيرةِ أو زائِدًا عليها، أمَّا إنْ كان أقَلَّ زَكَّاه بقَدْرِه بعدَ تَنزيلِ ما أخذَ زَكاةً.
ومثالُ ذلك: مَنْ عِندَه واحِدٌ وعِشرونَ دِينارًا، فغابَ بها العامِلُ خَمسَ سَنواتٍ، ثم وَجَدها بعدَ الحُضورِ كما هي، فعندَ ذلك يَبدأُ بالعامِ الأولِ والذي بعدَه ولا يُزكِّي الثالِثَ؛ لأنَّه قد نَقَص عن النِّصابِ.
أمَّا إنْ كان رَبُّ القِراضِ أو العامِلُ أو هُما معًا مُحتَكِرْن فيُزكِّيه رَبُّه بعدَ قَبضِه بعامٍ واحِدٍ، ولو قامَ عندَ العامِلِ أعوامًا.
وأمَّا الماشيةُ فحُكمُها أنْ تُعجَّل زَكاتُها، حَضرت أو غابَت، وسَواءٌ احتَكَرها العامِلُ أو أدارَها، ومِثلُ الماشيةِ الحَرثُ، وتُحسَبُ الزَّكاةُ على رَبِّ المالِ، فلا تُجبَرُ بالرِّبحِ كالخَسارةِ.
وأمَّا العامِلُ فيُزكِّي حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ -ولو كانت أقَلَّ مِنَ النِّصابِ- لِسَنةٍ واحِدةٍ بعدَ قَبضِها، ولو أقامَ القِراضَ بيَدِه سِنينَ، وسَواءٌ كان العامِلُ ورَبُّ القِراضِ مُديرَيْن أو مُحتَكرَيْن أو مُختلِفَيْن، وذلك بشُروطٍ خَمسةٍ، هي:
١ - إنْ قام القِراضُ بيَدِه حَولًا فأكثَرَ مِنْ يَومِ بَدأ الاتِّجارَ به، أمَّا إنْ كان بَقاؤُه أقَلَّ مِنْ ذلك فلا زَكاةَ عليه.
٢ - وكان العامِلُ ورَبُّ المالِ حُرَّيْن.
٣ - أنْ يَكونا مُسلِمَيْن.
٤ - أنْ يَكونا بلا دَيْنٍ عليهما.
٥ - أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مع الرِّبحِ نِصابًا فأكثَرَ، أو كان رأسُ المالِ مع الرِّبحِ أقَلَّ مِنْ نِصابٍ، ولكِنْ عندَ رَبِّه ما يُكمِلُه؛ لأنَّ زَكاتَه تابِعةٌ لِزَكاةِ رَبِّ المالِ.
فإنْ كان رأسُ المالِ عَشَرةَ دَنانيرَ ودفَعها رَبُّها لِلعامِلِ على أنْ يَكونَ لِرَبِّها جُزءٌ مِنْ مِئةِ جُزءٍ مِنَ الرِّبحِ فرِبحُ المالِ مِئةٌ؛ فإنَّ رَبَّه لا يُزكِّي؛ لأنَّ مَجموعَ رأسِ المالِ وحِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ أحدَ عَشَرَ، وكذلك العامِلُ لا يُزكِّي بل يَستقبِلُ بما خَصَّه وهو تِسعةٌ وتِسعونَ حَولًا مِنْ وَقتِ قَبضِه (١).
وقال الشافِعيَّةُ: إذا دفَع إلى رَجلٍ ألفَ دِرهَمٍ قِراضًا على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفان فحالَ الحَولُ وقد صارتْ ألفَيْن بُنِيت على المُضاربَ، متى يَملِكُ الرِّبحَ؟ وفيه قَولانِ كما تَقدَّم:
أحَدُهما: يَملِكُه بالمُقاسَمةِ، وهو الأظهَرُ في المَذهبِ، فعلى هذا تَكونُ زَكاةُ الجَميعِ على رَبِّ المالِ؛ فإنْ أخرَجَها مِنْ عَينِ المالِ فمِن أينَ تُحسَبُ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ:
(١) «الجامع» لابن يونس (١/ ١٠٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٧٦، ٧٩)، و «الذخيرة» (٣/ ٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ١٩٩، ٢٠١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٢/ ١٧٢، ١٧٥)، و «البهجة في شرح التحفة» (١/ ٥٧٨).
أحَدُها: أنَّه يُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّها مِنْ مُؤنِ المالِ، فتُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ؛ كأُجرةِ النَّقَّالِ، والوَزَّانِ، والكَيَّالِ.
والثاني: تُحسَبُ مِنْ رأسِ المالِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ دَينٌ عليه في الذِّمَّةِ في أحَدِ القَولَيْن؛ فإذا قَضاه مِنَ المالِ حُسِبَ مِنْ رأسِ المالِ كسائِرِ الدُّيونِ.
والثالِثُ: أنَّها تُحسَبُ مِنْ رأسِ المالِ والرِّبحِ جَميعًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في رأسِ المالِ والرِّبحِ، فحَسَبَ المُخرَجِ منهما.
مِثالُه: رأسُ المالِ مِئتانِ والرِّبحُ مِئةٌ فثُلثا المُخرَجِ مِنْ رأسِ المالِ وثُلثُه مِنَ الرِّبحِ.
ومُقابِلُ الأظهَرِ أنَّه يَملِكُ الرِّبحَ بالظُّهورِ، فعلى هذا يَجِبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفٍ وخَمسِمِئةٍ وإخراجُها على ما ذَكَرناه بلا خِلافٍ، ولا يَلزَمُه زَكاةُ حِصَّةِ العامِلِ بلا خِلافٍ.
ثم إنْ أرادَ إخراجَ الزَّكاةِ مِنْ مالِ القِراضِ مِنْ أينَ تُحسَبُ؟ فيه الأوجُهُ الثلاثةُ، هذا حُكمُ المالِكِ.
أمَّا العامِلُ على هذا القَولِ فهل يَلزَمُه زَكاةُ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ؟ فيه ثَلاثُ حالاتٍ: أصَحُّها: تَجِبُ على العامِلِ زَكاةُ خَمسِمِئةٍ؛ لأنَّه مالِكٌ قادِرٌ على الفَسخِ والمُقاسَمةِ في كلِّ وَقتٍ، والتَّصرُّفُ بعدَ القِسمةِ في نَصيبِه، فلَزِمه الزَّكاةُ، غيرَ أنَّه لا يَلزَمُه إخراجُها؛ لأنَّه لا يَدري هل يَسلَمُ له أو لا، فلَم يَلزَمْه إخراجُ زَكاتِه كالمالِ الغائِبِ؛ فإنْ أخرَجَ زَكاتَه مِنْ غَيرِ المالِ جازَ، وإنْ أرادَ إخراجَه مِنَ المالِ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: ليس له ذلك، ولِلمالِكِ مَنعُه؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايةٌ لِرأسِ المالِ، فلَعلَّه يَخسَرُ فلا يُخرِجُ منه الزَّكاةَ.
والآخَرُ: له ذلك بغَيرِ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّهما دَخَلا على حُكمِ الإسلامِ ووُجوبِ الزِّكاةِ.
وبهذا كلِّه إذا كان المالِكُ والعامِلُ مِنْ أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ جَميعًا، فأمَّا إذا كان المالِكُ مِنْ أهلِها دونَ العامِلِ، وقُلنا: الجَميعُ لِلمالِكِ ما لَم يُقسَّمْ، فعليه زَكاةُ الجَميعِ، وإنْ قُلنا بالقَولِ الآخَرِ فعليه زَكاةُ رأسِ المالِ ونَصيبُه مِنَ الرِّبحِ، ولا يَكمُلُ نَصيبُه إذا لَم يَبلُغْ نِصابًا بنَصيبِ العامِلِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ الزَّكاةِ فلا تَصحُّ خُلطَتُه.
وأمَّا إذا كان العامِلُ مِنْ أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ دونَ المالِكِ؛ فإنْ قُلنا: كلُّه لِلمالِكِ قَبلَ القِسمةِ فلا زَكاةَ، وإنْ قُلنا: لِلعامِلِ حِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ السابِقُ؛ فإنْ أوجَبناها فذلك إذا بَلَغت حِصَّتُه نِصابًا، أو كان له ما يَتِمُّ به نِصابٌ ولا تَثبُتُ الخُلطةُ.
وليس له إخراجُ الزَّكاةِ مِنْ غَيرِ المالِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المالِكَ لَم يَدخُلْ في العَقدِ على إخراجِ زَكاةٍ مِنَ المالِ.
والحالةُ الأُخرى: أنَّه على قَولِ المَغصوبِ والمَجحودِ؛ لأنَّه غَيرُ مُتمكِّنٍ في الحالِ مِنْ كَمالِ التَّصرُّفِ.
والحالةُ الثالِثةُ: القَطعُ بعَدمِ الزَّكاةِ عليه لِضَعفِ مِلكِه وعَدمِ استِقرارِه لِاحتِمالِ الخُسرانِ فأشبَهَ المُكاتَبَ.
قال النَّوَويُّ رحمة الله عليه: فحصَل أنَّ المَذهَبَ الإيجابُ على العامِلِ، وفي ابتِداءِ حَولِه في نَصيبِه خَمسةُ أوْجُهٍ أصَحُّها: المَنصوصُ مِنْ حينِ الظُّهورِ؛ لأنَّه مِلكٌ مِنْ حينِئِذٍ.
الثاني: مِنْ حينِ يَقومُ المالُ على المالِكِ لِأجلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه لا يَتحقَّقُ الرِّبحُ إلا بذلك.
والثالِثُ: مِنْ حينِ المُقاسَمةِ؛ لأنَّه لا يَستقِرُّ مِلكُه إلا مِنْ حينِئِذٍ، وهذا غَلطٌ وإنْ كان مَشهورًا؛ لأنَّ حاصِلَه أنَّ العامِلَ لا زَكاةَ في نَصيبِه؛ لأنَّه بعدَ المُقاسَمةِ ليس بعامِلٍ بل مالِكٌ مِلكًا مُستقِرًّا كامِلَ التَّصرُّفِ فيه، والتَّفريعُ على أنَّه يُملِكُ بالظُّهورِ، فالقَولُ بأنَّه لا يَكونُ حَولُه إلا مِنَ المُقاسَمةِ، رُجوعًا إلى أنَّه لا زَكاةَ عليه قبلَ القِسمةِ.
والوَجهُ الرابِعُ: حَولُه حَولُ رأسِ المالِ، وهذا أيضًا غَلطٌ صَريحٌ؛ لأنَّه حينَئِذٍ لَم يَكُنْ مالِكًا، فكيف يَبني مِلكَه وحَولَه على حَولِ غَيرِه ولا خِلافَ أنَّ حَولَ الإنسانِ لا يُبنَى على حَولِ غَيرِه إلا الوارِثَ على قَولٍ ضَعيفٍ، لِكَونِه قائِمًا مَقامَ المُورِّثِ.
الخامِسُ: أنَّه مِنْ حينِ اشتَرى العامِلُ السِّلعةَ، وهو غَلَطٌ.
قال النَّوَويُّ رحمة الله عليه: قال أصحابُنا: ثم إذا تَمَّ حَولُ العامِلِ ونَصيبُه لا يَبلُغُ نِصابًا لكنَّه مع جُملةِ المالِ يَبلُغُ نِصابًا؛ فإنْ أثبَتْنا الخُلطةَ في النَّقدَيْن فعليه الزَّكاةُ وإلا فلا، إلا أنْ يَكونَ له مِنْ جِنسِه ما يُكمِلُ به النِّصابَ، وهذا إذا لَم نَقُلِ ابتِداءُ الحَولِ مِنَ المُقاسَمةِ؛ فإنْ جَعَلناه منها سَقَط اعتِبارُ الخُلطةِ.
قال أصحابُنا: وإذا أوجَبْنا الزَّكاةَ على العامِلِ لَم يَلزَمْه إخراجُها قبلَ القِسمةِ، وهذا هو المَذهَبُ وبه قَطَع المُصنِّفُ وسائِرُ العِراقيِّينَ والجُمهورُ؛ فإذا اقتَسَما زَكَّى ما مَضى، وفيه وَجهٌ أنَّه يَلزَمُه الإخراجُ في الحالِ؛ لِتَمكُّنِه مِنَ القِسمةِ … والصَّوابُ الأولُ؛ لأنَّ المالَ ليس في يَدِه ولا تَصرُّفِه، فلا يَكونُ أكبَرَ مِنَ المالِ الغائِبِ الذي تُرْجَى سَلامَتُه ويُخافُ تَلَفُه (١).
وقال الحَنابِلةُ: لا زَكاةَ في حِصَّةِ مُضارِبٍ مِنْ رِبحٍ قبلَ قِسمةٍ ولو قُلنا إنَّه يَملِكُ حِصَّتَه بالظُّهورِ لِعَدمِ استِقرارِه؛ لأنَّه وِقايةٌ لِرأسِ المالِ فمِلكُه ناقِصٌ ويُزكِّي رَبُّ المالِ حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ نَصَّا كالأصلِ تَبَعًا له لِمِلكِه الرِّبحَ بظُهورِه وتَبعيَّتِه لِمالِه، ولا يَجِبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ حِصَّةِ المُضارِبِ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه غَيرُ مالِكٍ لها، فلو دفَع حُرٌّ مُسلِمٌ إلى رَجُلٍ ألفًا مُضارَبةً على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد رَبِح المالُ ألفَيْن فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفَيْن، رأسِ المالِ وحِصَّتِه مِنَ الرِّبحِ، وإذا أدَّاها -أي: زَكاةَ مالِ المُضاربةِ- رَبُّه مِنْ غَيرِ مالِ المُضاربةِ فرأسُ المالِ باقٍ؛ لأنَّه لَم يَطرَأْ عليه ما يَنقُصُه، وإنْ أدَّى زَكاتَه منه تُحسَبُ زَكاتُه مِنْ أصلِ المالِ، ومَن قَدَّر حِصَّتَه -أي: رَبِّ المالِ- مِنَ الرِّبحِ يُنقِصُ رُبعَ عُشرِ رأسِ المالِ مع رُبعِ عُشرِ حِصةِ رَبِّ المالِ مِنَ الرِّبحِ، ولا تُحسَبُ كلُّها مِنْ رأسِ المالِ وَحدَه ولا مِنَ الرِّبح وَحدَه، فيَكونُ خَمسةً وعِشرينَ، فيَصيرُ رأسُ المالِ تِسعَمِئةٍ وخَمسةً وسَبعينَ.
(١) «المجموع» (٦/ ٦٠)، و «المهذب» (١/ ١٦١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المضاربة
فصل في بيان حكم المضاربة
شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ لَا يَجُوزُ، وَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ نَوْعٌ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهَذَا شَرْطٌ يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَرْبَحَ الْمُضَارِبُ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ، فَلَا يَكُونُ التَّصَرُّفُ مُضَارَبَةً، وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَا: إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ شَرْطٌ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا النِّصْفَ وَمِائَةً، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِائَتَيْنِ، فَيَكُونَ كُلُّ الرِّبْحِ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ، وَإِذَا شَرَطَا لَهُ النِّصْفَ إلَّا مِائَةً، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الرِّبْحِ مِائَةً، فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ.
ارجع إلى فيما يجوز لرب المال فعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.