فيما يفسد الجعالة

الإسلام > الشركات والإجارات > فيما يفسد الجعالة

مسائلُ فقهيةٌ في فيما يفسد الجعالة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

تعريف فيما يفسد الجعالة وحكمها

فصل فيما يُفسِدُ الجَعالةَ

تَفسُدُ الجَعالةُ بأمور، هي:

١ - تَوقيتُ العَملِ بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ (الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَعالةِ هَلْ يَصحُّ اشتِراطُ التَّأْقِيتِ فيها بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ أو لا؟

فَذهَب المالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ عَقدِ الجَعالةِ عَدمُ تَأْقِيتِ العَملِ بمُدَّةٍ مُحَدَّدةٍ، فلَو قالَ الجاعِلُ: مَنْ رَدَّ ضالَّتي أو عَبدي اليَومَ فله كذا، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ فله كذا، لَم يَصحَّ، وفَسَدَتِ الجَعالةُ؛ لأنَّه يَكثُرُ بذلك الغَرَرُ، حيثُ قدَّره بمُدَّةٍ مَعلومةٍ، وهذا يُخِلُّ بمَقصودِ العَقدِ؛ لأنَّه رُبَّما لَم يَظفَرْ به فيه، ويَضيعُ عَملُه، ولا يَحصُلُ غَرَضُ المالِكِ، ولِهذا امتَنَعَ تَأْقِيتُ القِراضِ، فلا يَصحُّ تَأْقِيتُها ولا الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ.

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ويُؤخَذُ مِنْ التَّشبيهِ بالقِراضِ أنَّه لا يَصحُّ تَعليقًا، وهو ظاهِرٌ، وإنْ لَم أرَ مَنْ تَعرَّض له (١).

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٥٤٢)، و «البيان» (٧/ ٤٠٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٩٤، ٩٥)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٩١)، و «حاشية قليوبي» (٣/ ٣٢٣).

وقالَ المالِكيَّةُ: يُشترَطُ لصحَّةِ الجَعالةِ عَدمُ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ؛ لأنَّ العَملَ لا يَستحقُّ الجُعلَ إلَّا بالعَملِ، فقَد يَنقَضي الزَّمَنُ قبلَ التَّمامِ، فيَذهبُ عَملُه باطِلًا، ففيه زِيادةُ غَرَرٍ، مَع أنَّ الأصلَ فيها الغَرَرُ؛ وإنَّما أُجيزَتْ لِإذْنِ الشَّارِعِ فيها، والدَّليلُ على عَدمِ صِحَّةِ التَّأْقِيتِ قَولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، ولَم يُقدِّرْ أجَلًا.

وَمَحَلُّ كَونِ شَرطِ تَعيينِ الزَّمَنِ مُفسِدًا ما إذا لَم يَشترِطِ العامِلُ أنَّ له التَّركَ متى شاءَ، فإنْ شرَط ذلك بأنَّ له التَّركَ متى شاءَ، أو شرَط له ذلك لَم تَفسُدْ، ووَجهُ ذلك أنَّه قَدْ رجَع فيها حينَئذٍ لِأصْلِها مِنْ عَدمِ تَعيينِ الزَّمانِ، أي: مِنْ حيثُ إنَّه صارَ تَعيينُه مُلْغًى.

وَمِثلُ شَرطِ التَّركِ متى شاءَ إذا جعَل له الجُعلَ بتَمامِ الزَّمَنِ، تَمَّ العَملُ أو لا، فيَجوزُ، إلَّا أنَّه قَدْ خرَج حينَئذٍ مِنْ الجَعالةِ إلى الإجارةِ؛ فإذا قالَ له: أُجاعِلُكَ على أنْ تَأتِيَني بعَبدِي في شَهرٍ بدِينارٍ، عَمِلتَ أو لا، انقَلَبَتِ الجَعالةُ إجارةً، ويُنظَرُ حينَئذٍ إذا لَم يَأتِ به، فإنْ عمِل استَحقَّ بقَدْرِ عَملِه، وإنْ لَم يَعمَلْ فلا شَيءَ له.

قالَ الخَرَشيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قِيلَ: شَأنُ هذا العَقدِ التَّركُ فيه متى شاءَ، فلِمَ كانَ العَقدُ غيرَ جائِزٍ عندَ عَدمِ الشَّرطِ؟ أُجيبَ بأنَّ المَجعولَ له عندَ عَدمِ الشَّرطِ دخَل على التَّمامِ، وإنْ كانَ له التَّركُ، وحينَئذٍ فغَرَرُه قَويٌّ، وأمَّا عندَ

الشَّرطِ فقَد دخَل ابتِداءً على أنَّه مُخيَّرٌ، فغَرَرُه خَفيفٌ (١).

وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الجَعالةِ بمُدَّةٍ، كَأنْ قالَ: إنْ وَجَدتَها في شَهرٍ، أو مَنْ رَدَّ عَبدي مِنْ البَصرةِ في هذا الشَّهرِ، فله كذا، ويَصحُّ الجَمعُ بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ، كَأنْ قالَ: مَنْ خاطَ قَميصي في هذا اليَومِ فله دِرهَمٌ، أو مَنْ بَنَى لي هذا الحائِطَ في هذا اليَومِ فله دِينارٌ، ونحوَ ذلك، صَحَّ؛ نَظَرًا لِإطلاقِ كَلامِه؛ لِاحتِمالِ الغَرَرِ فيها، بخِلافِ الإجارةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجهولةً فمَع التَّقديرِ أَوْلَى، فإنْ أتَى به في المُدَّةِ استَحقَّ الجُعلَ، ولَم يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها، فلا يَلزَمُه شَيءٌ له. وإذا أتَمَّ العَملَ قبلَ انقِضاءِ المُدَّةِ؛ لَم يَلزَمْه العَملُ في بَقيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبلَ مُدَّتِه، فلَمْ يَلزَمْه شَيءٌ آخَرُ، كَقَضاءِ الدَّيْنِ قبلَ أجَلِه، وإنْ مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَملِ؛ فلِلمُستأجِرِ فَسخُ الإجارةِ؛ لأنَّ الأجيرَ لَم يَفِ له بشَرطِه، فإنْ رَضيَ بالبَقاءِ عليه لَم يَملِكِ الأجيرُ الفَسخَ؛ لأنَّ الإخلالَ بالشَّرطِ مِنه، فلا يَكونُ ذلك وَسيلةً إلى الفَسخِ، فإنِ اختارَ إمضاءَ العَقدِ طالَبَه بالعَملِ، لا غيرُ؛ كالمُسلِّمِ إذا صَبَرَ عندَ تَعَذُّرِ المُسلَّمِ فيه إلى حِينِ وُجودِهِ؛ لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ المُسلَّمِ فيه، وإنْ فسَخ العَقدَ قبلَ العَملِ؛ سقَط

(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٦٢)، و «المختصر الفقهي» (١٢/ ٣٩٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤٣٢، ٤٣٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٤٢)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٣١٣)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٦١٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ١٠٧).

الأجرُ والعَملُ، وإنْ كانَ بعدَ عَملِ بعضِهِ؛ فله أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ العَقدَ قَدِ انفسَخ، فسقَط المُسمَّى، ورجَع إلى أجْرِ المِثلِ.

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يَجوزُ في الإجارةِ، فكَيفَ أجَزتُموه في الجَعالةِ؟ قُلْنا: الفَرقُ بينَهما مِنْ وُجوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الجَعالةَ يُحتمَلُ فيها الغَرَرُ، وتَجوزُ جَهالةُ العَملِ والمُدَّةِ، بخِلافِ الإجارةِ.

الثَّاني: أنَّ الجَعالةَ عَقدٌ جائِزٌ، فلا يَلزَمُه بالدُّخولِ فيها مَع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلافِ الإجارةِ، فإنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فإذا دخَل فيها مَع الغَرَرِ لَزِمَه ذلك.

الثَّالثُ: أنَّ الإجارةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدَّةٍ لَزِمَه العَملُ في جَميعِها، ولا يَلزَمُه العَملُ بعدَها؛ فإذا جَمَع بينَ تَقديرِ المُدَّةِ والعَملِ فرُبَّما عمِله قبلَ المُدَّةِ، فإنْ قُلْنا: يَلزَمُه العَملُ في بَقيَّةِ المُدَّةِ فقَد لَزِمَه مِنْ العَملِ أكثَرُ مِنْ المَعقودِ عليه، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه فقَد خَلَا بعضُ المُدَّةِ مِنْ العَملِ، فإنِ انقَضَتِ المُدَّةُ قبلَ عَملِه فألزَمْناه إتمامَ العَملِ فقَد لَزِمَه العَملُ في غيرِ المُدَّةِ المَعقودِ عليها، وإنْ قُلْنا: لَا يَلزَمُه العَملُ فما أتَى بالمَعقودِ عليه مِنْ العَملِ بخِلافِ مَسألَتِنا، فإنَّ العَملَ الذي يَستحقُّ به الجُعلَ هو عَمَلٌ مُقيَّدٌ بمُدَّةٍ، إنْ أتَى به استَحقَّ الجُعلَ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ آخَرُ، وإنْ لَم يَفِ به فيها فلا شَيءَ له (١).

(١) «المغني» (٦/ ٢١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٣٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٥٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٨٤).

مسائل فيما يفسد الجعالة الفقهية

ارجع إلى الشركات والإجارات للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله