الإسلام > الشركات والإجارات > يد الوكيل > الحالة الثانية: الاختلاف في التلف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالمُوكِّلَ أمَرَه، فالمَشهورُ أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ، وقَد قيلَ: إنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ أنَّه قَدْ أمَرَهُ؛ لأنَّه قَدِ ائتَمَنَه على الفِعلِ (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: الِاختِلافُ في التَّلَفِ:
إذا اختَلفَ الوَكيلُ والمُوكِّلُ في تَلَفِ ما في يَدِ الوَكيلِ، فقالَ الوَكيلُ: تَلِفَ مالُكَ في يَدِي، أو الثَّمنُ الذي قَبَضتُه -ثَمَنُ مَتاعِكَ- تَلِفَ في يَدي، فيُكَذِّبُه المُوكِّلُ.
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ (٢) والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه. قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينهِ؛ لأنَّه أمينٌ، وهذا ممَّا يَتعذَّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليه، فلا يُكلَّفُ ذلك، كالمُودَعِ، وكَذلك كلُّ مَنْ كانَ في يَدِه شَيءٌ لِغيرِه على سَبيلِ الأمانةِ، كالأبِ والوَصِيِّ وأمينِ الحاكِمِ والشَّريكِ والمُضارِبِ والمُرتهَنِ والمُستأجِرِ والأجيرِ المُشترَكِ، وإنَّما كانَ كَذلك لأنَّه لو كُلِّفَ ذلك مَع تَعَذُّرِه عليه لَامتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخولِ في الأماناتِ مَع الحاجةِ إليها، فلَحِقَهُمُ الضَّرَرُ.
قالَ القاضي رحمة الله عليه: إلَّا أنْ يُدَّعى التَّلَفُ بأمْرٍ ظاهِرٍ، كالحَريقِ والنَّهبِ وشِبْهِهما، فعليه إقامةُ البيِّنةِ على وُجودِ هذا الأمْرِ في تلك النَّاحيةِ، ثم يَكونُ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٨).
(٢) «المبسوط» (١٩/ ٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٤)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٥١٥)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٣٣٩)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٨٢) «العناية في شرح الهداية» (١١/ ١١٩).
القَولُ قوله في تَلَفِها بذلك، وهذا قَولُ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّ وُجودَ الأمْرِ الظَّاهِرِ ممَّا لا يَخفَى، فلا تَتعذَّرُ إقامةُ البيِّنةِ عليه (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: يُصدَّقُ الوَكيلُ في التَّلَفِ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَدَّعيَ تَلَفَ الثَّمنِ أو المُشترَى -بالفَتحِ- أو البَيعَ، سَواءٌ أسلَفَ الثَّمنَ الذي وقَع به الشِّراءُ أو لا.
فَفي ابنِ يُونُسَ قالَ مالِكٌ فيمَن أمَرَ رَجُلًا يَشترِي له لُؤلُؤًا مِنْ مَكَّةَ، ويَنقُدُ عنه، فقدِم، وزَعَمَ أنَّه ابتاعَه له، ونقَد فيه، ثم تَلِفَ اللُّؤلُؤُ، فيَحلِفُ أنَّه قَدِ ابتاعَ له ما أمَرَه به، ونقَد عنه، ويَرجِعُ بالثَّمنِ على الآمِرِ؛ لأنَّه أمينُه.
ولو ادَّعى أنَّه أخرَجَ الثَّمنَ فضاعَ قبلَ شِرائِه له لَم يَضمَنْ إلَّا ببيِّنةٍ، ولو كانَ السَّلَمُ ممَّا يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، فوكَّله على بَيعِه، فقالَ: أنا بِعتُه وضاعَ الثَّمنُ، فهَهُنا يُصدَّقُ مَع يَمينِه، كَمَسألةِ اللُّؤْلُؤِ (٢).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنِ ادَّعى الوَكيلُ أنَّ العَينَ التي في يَدِه لِمُوكِّلِه تَلِفَتْ مِنْ غيرِ تَفريطٍ، وأنكَرَ المُوكِّلُ تَلَفَها، فإنِ ادَّعى تَلَفَها بسَبَبٍ ظاهِرٍ لَم يُقبَلْ
(١) «المغني» (٥/ ٦٠)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٤٧)، و «العدة شرح العمدة» (١/ ٢٣٨)، و «المبدع» (٤/ ٣٨١)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٣٥).
(٢) «البهجة في شرح التحفة» (١/ ٣٤٦)، (٢/ ٤٦٤)، و «المدونة» (٤/ ١٩١)، و «تهذيب المدونة» (٢/ ٥٣)، و «الذخيرة» (٤/ ٢٢٩)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٧٥)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٢٨).
قَولُه حتى يُقيمَ البيِّنةَ على السَّبَبِ الظَّاهِرِ؛ لأنَّه يُمكِنُه إقامةُ البيِّنةِ عليه، فإذا أقامَ البيِّنةَ على السَّبَبِ الظَّاهِرِ، أوِ ادَّعى تَلَفَها بسَبَبٍ خَفِيٍّ فالقَولُ قَولُه مَع يَمينهِ بأنَّها تَلِفَتْ؛ لأنَّه يَتعذَّرُ عليه إقامةُ البيِّنةِ على تَلَفِها، فقُبِلَ قَولُه في ذلك.
ولو قالَ قَبَضتُ الثَّمنَ -حيثُ يَجوزُ له قَبْضُه بأنْ وُكِّلَ في البَيعِ مُطلَقًا، أو مَع قَبضِ الثَّمنِ- وتَلِفَ في يَدِي، أو دَفَعتُه إلَيكَ، وأنكَرَ المُوكِّلُ قَبضَ الوَكيلِ له، صُدِّقَ المُوكِّلُ إنْ كانَ الِاختِلافُ قبلَ تَسليمِ المَبيعِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ حَقِّه وعَدمُ القَبضِ.
وإنْ كانَ الِاختِلافُ بعدَ تَسليمِ البَيعِ فالوَكيلُ هو المُصَدَّقُ بيَمينِه على المَذهبِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَنسُبُه إلى تَقصيرٍ وخِيانةٍ بتَسليمِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، والأصْلُ عَدمُه.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وفي وَجهٍ أنَّ المُصدَّق المُوكِّلُ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ حَقِّه.
والطَّريقُ الآخَرُ في المُصَدَّقِ مِنهُما في الحالَتَيْنِ القَولانِ في دَعوَى الوَكيلِ التَصرُّفَ، وإنكارِ المُوكِّلِ، فلَو أَذِنَ له في التَّسليمِ قبلَ القَبضِ، أو في البَيعِ بمُؤجَّلٍ، أو في القَبضِ بعدَ الأجَلِ، فهو كما قبلَ التَّسليمِ؛ إذْ لا خِيانةَ بالتَّسليمِ، وإذا صَدَّقْنا الوَكيلَ فحلَف ففي بَراءةِ المُشتَرِي وَجهانِ، أصَحُّهما -كما قالَ البَغَويُّ- لا يَبرَأُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ القَبضِ.
وَإنَّما قَبِلْنا قولَ الوَكيلِ في حَقِّه لِائتِمانِه إيَّاه، وعلى نَقْلِ هذا اقتَصَرَ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المضاربة
فصل في شرائط ركن المضاربة
مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لِيَّ نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه ، وَلَكِنَّهَا جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا، وَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ النِّصْفُ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُضَارِبِ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا سَمَّى لِنَفْسِهِ النِّصْفَ فَقَطْ، وَتَسْمِيَتُهُ لِنَفْسِهِ لَغْوٌ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَكَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى التَّسْمِيَةِ فِي حَقِّ الْمُضَارَبَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ، فَكَانَ تَسْمِيَةُ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ لِنَفْسِهِ تَسْمِيَةَ الْبَاقِي لِلْمُضَارِبِ، كَأَنَّهُ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لَكَ النِّصْفَ كَمَا فِي مِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﷾ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ النساء: ١١ لَمَّا كَانَ مِيرَاثُ الْمَيِّتِ لِأَبَوَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﷿ لِلْأُمِّ مِنْهُ الثُّلُثَ كَانَ ذَلِكَ جَعَلَ الْبَاقِي لِلْأَبِ كَذَا هَذَا.
وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَكَ ثُلُثُهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، فَالثُّلُثُ لِلْمُضَارِبِ وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُضَارِبِ الرِّبْحَ بِالشَّرْطِ، وَاسْتِحْقَاقَ رَبِّ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَاءِ مَالِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْمَشْرُوطَ لِلْمُضَارِبِ بِالشَّرْطِ يُسَلِّمُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ، وَهُوَ الْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَاءِ مَالِهِ.
ارجع إلى يد الوكيل للاطلاع على جميع المسائل.