الإسلام > الشركات والإجارات > يد الوكيل > الحالة الرابعة: الاختلاف في الرد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةفي البَيعِ، ولأنَّه أمينٌ في الشِّراءِ، فكانَ القَولُ قوله في قَدْرِ ثَمَنِ المُشترَى، كالمَضارِبِ، وكما لو قالَ له: اشترَى بألْفٍ، عندَ القاضي (١).
الحالةُ الرَّابِعةُ: الِاختِلافُ في الرَّدِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ادَّعى الوَكيلُ الرَّدَّ على المُوكِّلِ، فأنكَرَه المُوكِّلُ، بأنْ وُكِّلَ على بَيعِ شَيءٍ، أو على شِرائِه، فباعَه وقبَض ثَمَنَه وقالَ: دَفَعتُه إلى مُوكِّلي، أو قالَ: اشترَيتُه ودَفَعتُه إلى مُوكِّلي، فأنكَرَه المُوكِّلُ، فلا يَخلو حالُه مِنْ أمرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكونَ بغيرِ جُعْلٍ فيُقبَلَ قَولُ الوَكيلِ بيَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشَّافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّه أمينٌ قبَض المالَ لِنَفْعِ مالِكِه، فكانَ القَولُ قوله، كالمُودَعِ.
وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: لا يُقبَلُ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ.
والآخَرُ: أنْ يَكونَ وَكيلًا بجُعلٍ، فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه على قولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: ذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه، سَواءٌ كانَ بجُعلٍ أو بغيرِ جُعلٍ؛ لأنَّه وَكيلٌ، فكَانَ القَولُ قوله؛ لأنَّه إنْ كانَ بجُعلٍ فقَد أخَذَ العَينَ بمَحضِ غَرَضِ المالِكِ فأشبَهَ المُودَعَ، وإنْ كانَ بجُعلٍ؛ فلأنَّه إنَّما أخَذَ العَينَ لِنَفْعِ المالِكِ، وانتِفاعُه إنَّما هو بالعَملِ في العَينِ، لا بالعَينِ نَفْسِها.
(١) «المغني» (٥/ ٦٠، ٦١)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٤٨)، و «المبدع» (٤/ ٣٨١)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٦).
والقَولُ الثَّاني: أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ، إلَّا أنْ يَأتيَ الوَكيلُ ببيِّنةٍ، وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وقَولٌ لِلشَّافِعيةِ؛ لأنَّه قبَض المالَ لِنَفْعِ نَفْسِه، فلَمْ يُقبَلْ قَولُه في الرَّدِّ، كالمُستَعيرِ، وسَواءٌ اختَلَفا في رَدِّ العَينِ، أو في رَدِّ ثَمَنِها (١).
وقالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه مِنْ المالِكيَّةِ: وفي المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ، ذكَرها ابنُ رُشدٍ في كِتابِ الوَديعةِ مِنْ المُقدِّماتِ في الرَّسمِ المَذكورِ، ونقَله ابنُ عَرفةَ وابنُ عَبدِ السَّلامِ والمُصنِّفُ في «التَّوضيحِ».
وَنَصُّ كَلامِ ابنِ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختُلِفَ في الوَكيلِ يَدَّعِي أنَّه دفَع إلى مُوكِّلِه ما قبَض له مِنْ الغُرَماءِ، أو ما باعَ به مَتاعَه، على أربَعةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ القولَ قَولُه مَع يَمينِه، جُملةً مِنْ غيرِ تَفصيلٍ، وهو قَولُه في هذه الرِّوايةِ، وفي رَسمِ البَزِّيِّ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ المِدْيانِ والتَّفليسِ، وفي آخِرِ الوَكالةِ مِنْ المُدوَّنةِ.
والثَّاني: أنَّه إنْ كانَ بقُربِ ذلك بالأيَّامِ اليَسيرةِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ أنَّه
(١) «روضة القضاة» (٢/ ٦٥٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٦)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٤، ٢١٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٧٢)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٦، ٢٩٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٢)، و «البهجة في شرح التحفة» (١/ ٣٤٤)، و «البيان» (٦/ ٤٦٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٣٥) «مغني المحتاج» (٣/ ٢٢١)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٨)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٧٥، ٨٧٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٧٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٨)، و «المغني» (٥/ ٦٠، ٦١)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٤٩)، و «المبدع» (٤/ ٣٨٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٧).
ما قبَض شَيئًا، وعلى الوَكيلِ البيِّنةُ، وإنْ تَباعَدَ الأمْرُ، كالشَّهرِ ونحوِه، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينِه، وإنْ طالَ الأمْرُ جِدًّا لَم يَكُنْ على الوَكيلِ بيِّنةٌ، فهو قَولُ مُطَرِّفٍ.
والثَّالثُ: إنْ كانَ بحَضرةِ ذلك في الأيَّامِ اليَسيرةِ صُدِّقَ الوَكيلُ مَع يَمينِه، وإنْ طالَ الأمرُ جِدًّا صُدِّقَ دونَ يَمينٍ، وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ وابنِ عَبدِ الحَكَمِ.
والرَّابِعُ: تَفرِقةُ أصبَغَ بينَ الوَكيلِ على شَيءٍ بعَينِه، فهو غارِمٌ حتى يُقيمَ البيِّنةَ، وإنْ طالَ الأمْرُ، والوَكيلُ المُفَوَّضُ يُصدَّقُ في القُربِ مَع يَمينِه، وفي البُعدِ دونَ يَمينٍ. انتَهَى.
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه في «شَرحِ قَولِ الرِّسالةِ»: ومَن قالَ: رَدَدتُ إلَيكَ ما وَكَّلتَني عليه هذا؛ لأنَّ الوَكيلَ والمُودَعَ والرَّسولَ مُؤتمَنونَ فيما بينَهم وبينَ المُوكِّلِ والمُودَعِ والمُرسِلِ؛ فإذا ذَكَروا أنَّهم رَدُّوا ما دُفِعَ إليهم إلى أربابِه، قُبِلَ ذلك مِنهُم؛ لأنَّ أربابَ الأموالِ قَدِ ائتَمَنوهم على ذلك، فكانَ قَولُهم مَقبولًا فيما بينَهم وبينَهم، وكَذلك العامِلُ في القِراضِ مُؤتمَنٌ في رَدِّ القِراضِ ما بينَه وبينَ المالِكِ، إلَّا أنْ يَكونَ واحِدٌ مِنهم أخَذَ المالَ ببيِّنةٍ، فلا تُبْرِئُه دَعوَى رَدِّه، إلَّا أنْ يَكونَ له بيِّنةٌ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ حينَئذٍ لو لَم يَأتَمِنْه لَمَا استَوثَقَ مِنه بالبيِّنةِ. انتَهَى.
تَنبيهاتٌ: الأوَّلُ: قَولُ المُصنِّفِ: كالمُودَعِ، يُشيرُ به -واللَّهُ أعلَمُ- إلى أنَّ الوَكيلَ إنَّما يُصدَّقُ في رَدِّ ما وُكِّلَ عليه إلى رَبِّه إذا قَبَضَه بغيرِ إشهادٍ، وأمَّا
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ركن التوكيل
لِأَنَّهُ أَدَّى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ رُكْنِ التَّوْكِيلِ.
فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَالْإِيجَابُ مِنْ الْمُوَكِّلِ أَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ بِكَذَا " أَوْ " افْعَلْ كَذَا " أَوْ " أَذِنْتُ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا " وَنَحْوُهُ.
وَالْقَبُولُ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَقُولَ: " قَبِلْتُ " وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا بِقَبْضِ دَيْنِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ الْوَكِيلُ فَقَبَضَهُ لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَبْلَ وُجُودِ الْآخَرِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
ثُمَّ رُكْنُ التَّوْكِيلِ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا؛ وَقَدْ يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: " إنْ قَدِمَ زَيْدٌ؛ فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ " وَقَدْ يَكُونُ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ بِأَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ غَدًا " ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا فِي الْغَدِ فَمَا بَعْدَهُ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ الْغَدِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَالْإِضَافَةَ إلَى الْوَقْتِ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَإِذْنِ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدُّيُونِ، وَالتَّقْيِيدَاتُ كَعَزْلِ الْوَكِيلِ، وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالرَّجْعَةُ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ فِي شَرَائِط الْوَكَالَة
ارجع إلى يد الوكيل للاطلاع على جميع المسائل.