الحالة السادسة: الاختلاف في صفة الوكالة

الإسلام > الشركات والإجارات > يد الوكيل > الحالة السادسة: الاختلاف في صفة الوكالة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

الحالة السادسة: الاختلاف في صفة الوكالة - الأقوال والأدلة

وحُكيَ عن أبي حَنيفةَ والشَّافِعيِّ أنَّه لا يَلزَمُ الضَّامِن شَيءٌ؛ لأنَّه فَرعٌ عن المَضمونِ عنه، ولَم يَلزَمِ المَضمونَ عنه شَيءٌ، فكَذلك فَرعُه.

ولَنا: أنَّ الوَكيلَ مُقِرٌّ بأنَّ الحَقَّ في ذِمَّةِ المَضمونِ عنه، وأنَّه ضامِنٌ عنه، فلَزِمَه ما أقَرَّ به، كما لو ادَّعى على رَجُلٍ أنَّه ضَمِن له ألْفًا على أجنَبِيٍّ، فأقَرَّ الضَّامِنُ بالضَّمانِ وصِحَّتِه، وثُبوتِ الحَقِّ في ذِمَّةِ المَضمونِ عنه، وكما لو ادَّعى شُفعةً على إنسانٍ في شِقصٍ اشتَراه، فأقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ، فأنكَرَه المُشتَرِي؛ فإنَّ الشَّفِيعَ يَستحقُّ الشُّفعةَ في أصَحِّ الوَجهيْنِ، وإنْ لَم تَدَّعِ المَرأةُ صِحَّةَ ما ذكَره الوَكيلُ فلا شَيءَ عليه، ويُحتمَلُ أنَّ مَنْ أسقَطَ عنه الضَّمانَ أسقَطَه في هذه الصُّورةِ، ومَن أوجَبَه في الصُّورةِ الأُخرَى لا يَكونُ فيها اختِلافٌ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

الحالةُ السَّادِسةُ: الِاختِلافُ في صِفةِ الوَكالةِ:

إذا اختَلفَ المُوكِّلُ والوَكيلُ في صِفةِ الوَكالةِ، بأنْ قالَ المُوكِّلُ: وَكَّلتُكَ في بَيعِ هذا الثَّوبِ، فقالَ: بَلْ وَكَّلتَني في بَيعِ هذه الدَّابَّةِ، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في البَيعِ بألْفَيْنِ، فقالَ: بَلْ بألْفٍ، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في بَيعِه نَقدًا، فقالَ: بَلْ نَسيئةً، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في شِراءِ عَبدٍ، فقالَ: بَلْ في شِراءِ أَمَةٍ، أو قالَ: وَكَّلتُكَ في الشِّراءِ بخَمسةٍ، قالَ: بَلْ بعَشَرةٍ.

(١) «المغني» (٥/ ٦١، ٦٢)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و «المبدع» (٤/ ٣٨٤)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٠٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٩، ٥٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣٥٣٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٨٢).

فاختَلفَ الفُقهاءُ في تَحديدِ مَنْ يَكونُ القَولُ قوله، هَلِ القَولُ قَولُ المُوكِّلِ أو قَولُ الوَكيلِ؟

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ القولَ قَولُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ لِلعَقدِ الذي يَدَّعِيه الوَكيلُ، فأشبَهَ ما لو أنكَرَ أصْلَ الوَكالةِ، فكَذلك، ولأنَّهما اختَلَفا في صِفةِ قَولِ المُوكِّلِ، فكانَ القَولُ قوله، كما لو اختَلفَ الزَّوجانِ في صِفةِ أصْلِ الطَّلاقِ (١).

إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ استَثنَوْا مِنْ هذا الحُكمِ صُورَتَيْنِ، حيثُ يُقبَلُ قَولُ الوَكيلِ فيهِما:

الصُّورةُ الأُولَى: إذا دفَع له ثَمَنًا، وقالَ: اشتَرِ لي به سِلعةً، فاشترَى به سِلعةً غيرَها، وقالَ: بذلك أمَرتَني، وخالَفَه الآمِرُ؛ فإنَّ القولَ قَولُ الوَكيلِ مَع يَمينهِ؛ فإذا حلَف الوَكيلُ لَزِمَتِ السِّلعةُ المُوكِّلَ.

(١) «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٧٤)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٧١)، و «الدر المختار» (٥/ ٥٢٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٣، ٨٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٧٦، ١٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٨، ٢٩٩)، و «العباب» (٧٠١)، و «البيان» (٦/ ٤٦٣، ٤٦٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢١٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٤، ٦٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٧٨١)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٦٦، ٦٧)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٤)، و «المغني» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٥)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٥٠)، و «المبدع» (٤/ ٣٨٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٣٧)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٨٢).

والصُّورةُ الثَّانيةُ: إذا وكَّله في بَيعِ شَيءٍ فباعَه الوَكيلُ بعَشَرةٍ مثلًا، وأشبَهَتْ أنْ تَكونَ ثَمَنًا لِذلك المَبيعِ، وقُلتَ أنتَ: ما أمَرتُكَ أنْ تَبيعَها إلَّا بأكثَرَ مِنْ عَشَرةٍ، والحالُ أنَّ المَبيعَ فاتَ بيَدِ المُشتَرِي بزَوالِ عَينهِ؛ لأنَّ الفَواتَ هُنا كالِاستِحقاقِ، لا تَفوتُ السِّلعةُ إلَّا بزَوالِ عَينِها، فلا تَفوتُ بعِتقٍ ولا بهِبةٍ، وما أشبَهَ ذلك، أوْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ بيَدِ المُشتَرِي، ولَم تَحلِفْ أنتَ يا مُوكِّلُ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ أيضًا، ويَبرَأُ؛ لأنَّه مُدَّعٍ عليه الضَّمانَ، أمَّا إنْ حلَف المُوكِّلُ مَع قيامِ السِّلعةِ؛ فإنَّه يَأخُذُها؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ مِلْكِه على سِلعَتِه فمَن أحَبَّ إخراجَها عن مِلْكِه فهو مُدَّعٍ، ورَبُّ السِّلعةِ مُدَّعًى عليه (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا القَولُ أصَحُّ؛ لوَجهينِ:

أحَدُهما: أنَّهما اختَلَفا في التَّوكيلِ الذي يَدَّعِيه الوَكيلُ، والأصلُ عَدمُه، فكانَ القَولُ قولَ مَنْ يَنفِيه، كما لو لَم يُقِرَّ المُوكِّلُ بتَوكيلِه في غيرِه.

والآخَرُ: أنَّهما اختَلَفا في صِفةِ قَولِ المُوكِّلِ، فكانَ القَولُ قوله في صِفةِ كَلامِه، كما لو اختَلفَ الزَّوجانِ في صِفةِ الطَّلاقِ، فعلى هذا إذا قالَ: اشترَيتُ لكَ هذه الجاريةَ بإذْنِكَ، قالَ: ما أذِنتُ لكَ إلَّا في شِراءِ غيرِها، أو قالَ: اشترَيتُها لكَ بألْفَيْنِ، فقالَ: ما أذِنتُ لكَ في شِرائِها إلَّا بألْفٍ، فالقَولُ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٨٣، ٨٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢١٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ١٧٦، ١٧٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٩٨، ٢٩٩).

قَولُ المُوكِّلِ، وعليه اليَمينُ؛ فإذا حلَف أُبْرِئَ مِنْ الشِّراءِ، ثم لا يَخلو إمَّا أنْ يَكونَ الشِّراءُ بعَينِ المالِ أو في الذِّمةِ:

فَإنْ كانَ بعَينِ المالِ فالبَيعُ باطِلٌ، وتُرَدُّ الجاريةُ على البائِعِ إنِ اعتَرفَ بذلك، وإنْ كذَّبه في أنَّ الشِّراءَ لِغيرِه أو بمالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فالقَولُ قَولُ البائِعِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ما في يَدِ الإنسانِ له، فإنِ ادَّعى الوَكيلُ عِلمَه بذلك حلَفه بأنَّه لا يَعلَمُ أنَّه اشتَراه بمالِ مُوكِّلِه؛ لأنَّه يَحلِفُ على نَفْيِ فِعلِ غيرِه، فكانَتْ يَمينُه على نَفْيِ العِلمِ؛ فإذا حلَف أمضَى البَيعَ، وعلى الوَكيلِ غَرامةُ الثَّمنِ لِمُوكِّلِه، ودَفْعُ الثَّمنِ إلى البائِعِ، وتَبقَى الجاريةُ في يَدِه، ولا تَحِلُّ له؛ لأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ صادِقًا، فتَكونَ لِلمُوكِّلِ، وإمَّا أنْ يَكونَ كاذِبًا فتَكونَ لِلبائِعِ؛ فإذا أرادَ استِحلالَها اشتَراها ممَّن هي له في الباطِنِ، فإنِ امتَنَعَ مِنْ بَيعِه إيَّاها رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكِمِ لِيَرفُقَ به لِيَبيعَه إيَّاها لِيَثبُتَ المِلْكُ له ظاهِرًا وباطِنًا، ويَصيرَ ما ثَبَتَ له في ذِمَّتِه ضِمنًا قِصاصًا بالَّذي أخَذَ مِنه الآخَرُ ظُلمًا، فإنِ امتَنَعَ الآخَرُ مِنْ البَيعِ لَم يُجبَرْ عليه؛ لأنَّه عَقدُ مُراضاةٍ.

وإنْ قالَ: إنْ كانَتِ الجاريةُ لي فقَد بِعتُكَها، أو قالَ المُوكِّلُ: إنْ كُنْتُ أذِنتُ لكَ في شِرائِها بألْفَيْنِ فقَد بِعتُكَها، ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: لا يَصحُّ، وهو قَولُ القاضي، وبعضِ الشَّافِعيَّةِ؛ لأنَّه بَيعٌ مُعلَّقٌ على شَرطٍ.

والآخَرُ: يَصحُّ؛ لأنَّ هذا أمْرٌ واقِعٌ يَعلَمانِ وُجودَه، فلا يَضُرُّ جَعلُه شَرطًا، كما لو قالَ: إنْ كانَتْ هذه الجاريةُ جاريَتي فقَد بِعتُكَها، وكذا كلُّ

شَرطٍ علِما وُجودَه؛ فإنَّه لا يُوجِبُ وُقوعَ البَيعِ ولا شَكًّا فيهِ.

فأمَّا إنْ كانَ الوَكيلُ اشترَى في الذِّمةِ ثم نقَد الثَّمنَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولَزِمَ الوَكيلَ في الظَّاهِرِ، فأمَّا في الباطِنِ فإنْ كانَ الوَكيلُ كاذِبًا في دَعْواه فالجاريةُ له؛ لأنَّه اشتَراها في ذِمَّتِه بغيرِ أمْرِ غيرِه، وإنْ كانَ صادِقًا فالجاريةُ لِمُوكِّلِه؛ فإذا أرادَ إحلالَها له تَوصَّلَ إلى شِرائِها مِنه، كما ذَكَرْنا، وكُلُّ مَوضِعٍ كانَتْ لِلمُوكِّلِ في الباطِنِ، فامتَنَعَ مِنْ بَيعِها لِلوَكيلِ، فقَد حصَلتْ في يَدِ الوَكيلِ، وهي لِلمُوكِّلِ، وفي ذِمَّتِه لِلوَكيلِ ثَمَنُها، فأقرَبُ الوُجوهِ أنْ يَأذَنَ لِلحاكِمِ في بَيعِها وتَوْفِيَةِ حَقِّه مِنْ ثَمَنِها، فإنْ كانَتْ لِلوَكيلِ فقَد أَذِنَ في بَيعِها، وإنْ كانَتْ لِلمُوكِّلِ فقَد باعَها الحاكِمُ في إيفاءِ دَيْنٍ امتَنَعَ المَدينُ مِنْ وَفائِه، وقَد قيلَ غيرُ ما ذَكَرْنا، وهذا أقرَبُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنِ اشتَراها الوَكيلُ مِنْ الحاكِمِ بما له على المُوكِّلِ جازَ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُوكِّلِ في هذا، فأشبَهَ ما لو اشترَى مِنه.

ولو وكَّله في بَيعِ عَبدٍ فباعَه نَسيئةً، فقالَ المُوكِّلُ: ما أذِنتُ في بَيعِه إلَّا نَقدًا، وصدَّقه الوَكيلُ والمُشتَرِي فَسَدَ البَيعُ، وله مُطالَبَةُ مَنْ شاءَ مِنهُما بالعَبدِ إنْ كانَ باقيًا، أو بقِيمَتِه إنْ كانَ تالِفًا؛ فَإنْ أخَذَ القِيمةَ مِنْ الوَكيلِ رجَع على المُشتَرِي بها؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاستَقَرَّ الضَّمانُ عليه، وإنْ أخَذَها مِنْ المُشتَرِي لَم يَرجِعْ على أحَدٍ، وإنْ كَذَّباه وادَّعَيا أنَّه أَذِنَ في البَيعِ نَسيئةً فعلى قَولِ القاضي يَحلِفُ المُوكِّلُ ويَرجِعُ في العَينِ إنْ كانَتْ قائِمةً، وإنْ كانَتْ تالِفةً رجَع بقِيمَتِها على مَنْ شاءَ مِنهُما، فإنْ رجَع على المُشتَرِي رجَع على

الوَكيلِ بالثَّمنِ الذي أخَذَه مِنه لا غيرُ؛ لأنَّه لَم يُسلِّمْ له المَبيعَ، وإنْ ضَمِن الوَكيلُ لَم يَرجِعْ على المُشتَرِي في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ بصِحَّةِ البَيعِ وتَأجيلِ الثَّمنِ، وأنَّ البائِعَ ظَلَمَه بالرُّجوعِ عليه، وأنَّه إنَّما يَستحقُّ المُطالَبةَ بالثَّمنِ بعدَ الأجَلِ؛ فإذا حَلَّ الأجَلُ رجَع الوَكيلُ على المُشتَرِي بأقَلِّ الأمرَيْنِ مِنْ القِيمةِ أوِ الثَّمنِ المُسمَّى؛ لأنَّ القِيمةَ إنْ كانَتْ أقَلَّ فما غُرِّمَ أكثَرُ مِنها، فلا يُرجَعُ بأكثَرَ ممَّا غُرِّمَ، وإنْ كانَ الثَّمنُ أقَلَّ فالوَكيلُ مُعتَرِفٌ لِلمُشتَرِي بأنَّه لا يَستحقُّ عليه أكثَرَ مِنه، وأنَّ المُوكِّلَ ظَلَمَه بأخْذِ الزَّائِدِ على الثَّمنِ، فلا يَرجِعُ على المُشتَرِي بما ظَلَمَه به المُوكِّلُ، وإنْ كذَّبه أحَدُهما دونَ الآخَرِ فله الرُّجوعُ على المُصدَّقِ بغيرِ يَمينٍ، ويُحلَفُ على المُكَذَّبِ، ويُرجَعُ على حَسَبِ ما ذَكَرنا، هذا إنِ اعتَرَفَ المُشتَرِي بأنَّ الوَكيلَ وَكيلٌ في البَيعِ، وإنْ أنكَرَ ذلك، وقالَ: إنَّما بِعتَني مِلكَكَ، فالقَولُ قَولُه مَع يَمينِه أنَّه لا يَعلَمُ كَونَه وَكيلًا، ولا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ (١).

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّهما لو اختَلَفا في صِفةِ الوَكالةِ بأنْ قالَ: أذِنتُ لكَ في البَيعِ نَقدًا، وفي الشِّراءِ بخَمسةٍ، قالَ: بَلْ أذِنتَ لي في البَيعِ نَسيئةً، وفي الشِّراءِ بعَشَرةٍ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ، نَصَّ عليه أحمَدُ في المُضارَبةِ؛ لأنَّه أمينٌ في التَصرُّفِ، فكانَ القَولُ قوله في صِفَتِه، كالخيَّاطِ إذا قالَ: أذِنتَ لي في تَفصيلِه قَباءً، قالَ: بَلْ قميصًا (٢).

(١) «المغني» (٥/ ٦٣، ٦٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٦٣، ٦٤)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٥)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٥٠)، و «المبدع» (٤/ ٣٨٢)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٩٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٦٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٣٧)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٨٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل

اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)

وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.

وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)

يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 541 - 546

ارجع إلى يد الوكيل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله