اقتداء المقيم بالمسافر

الإسلام > الصلاة > الصلاة في السفر > اقتداء المقيم بالمسافر

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 11 دقيقة قراءة

اقتداء المقيم بالمسافر - الأقوال والأدلة

وقالَ المالِكيةُ: إن دخَلَ مُسافِرٌ مع قَومٍ ظَنَّهم مُسافِرينَ فنَوى القَصرَ ودخَلَ معهم، فظهَرَ خِلافُه وأنَّهم مُقيمُونَ أو لم يَظهَر شَيءٌ، أعادَ أبدًا؛ لمُخالفَتِه إمامَه؛ لأنَّه -أي: الدَّاخِلَ- خالَفَه نيَّةً وفِعلًا؛ لأنَّه إن سلَّمَ مِنْ اثنتَينِ خالَفَه نيَّةً وفِعلًا، وإن أتَمَّ فقد خالَفَه نيَّةً، وفعَلَ خِلافَ ما دخَلَ عليه، فهو كمَن نَوى القَصرَ وأتَمَّ عَمدًا.

وأمَّا إذا لم يَظهَر شَيءٌ بأن ذَهَبوا حينَ سلَّمَ الإمامُ مِنْ رَكعَتينِ، ولم يَدرِ أهي صَلاتُهم، أو أخِيرَتا تَامَّةٍ، فوَجهُ البُطلانِ احتِمالُ حُصولِ المُخالَفةِ، أي أنَّه يَحتمِلُ مُوافَقةَ الجَماعةِ له في كَونِهم مُسافِرينَ، فتَكونُ الصَّلاةُ صَحيحةً، ويَحتمِلُ أنَّهم مُقيمُونَ، فيَلزمُ إمَّا مُخالَفةُ الإمامِ نيَّةً وفِعلًا، إن سلَّمَ مِنْ اثنَتَينِ، وإن أتَمَّ يَلزمُ مُخالفَتُه لِلإمامِ نيَّةً، ومُخالَفةُ نيَّتِه لفِعلِه، فقد حصَلَ الشَّكُّ في الصِّحةِ، وهو يُوجِبُ البُطلانَ (١).

اقتِداءُ المُقيمِ بالمُسافرِ:

إذا اقتَدَى مُقيمٌ خلفَ مُسافِرٍ في صَلاةٍ رُباعِيَّةٍ، فإنَّه يَلزمُه أن يُتمَّ صَلاتَه أربَعًا بعدَ تَسليمِ الإمامِ بإِجماعِ العُلماءِ (٢)، ويُستحبُّ لِلإمامِ بعدَ تَسليمِه أن يَقولَ لهم: «أَتِمُّوا صَلاتَكُم؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ»؛ لمَا رَوى مالِكٌ وغيرُه عن ابنِ

(١) «حاشية الدُّسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٣٦٦، ٣٦٧)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣١٨).
(٢) «الإجماع» لابن المُنذر (٢٧)، والمَصادِر السَّابِقة.

عمرَ أنَّ عمرَ رضي الله عنه كانَ إذا قدِمَ مَكةَ صلَّى بهم رَكعَتينِ، ثم قالَ: «أَتِمُّوا يا أَهلَ مَكةَ صَلاتَكم؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وفيه -أي: حَديثِ عمرَ هذا- أنَّ المُسافِرَ يَؤمُّ المُقيمِينَ، وهذا هو المُستحَبُّ عندَ جَماعةِ العُلماءِ، لا خِلافَ عَلِمتُه بينَهم في أنَّ المُسافِرَ إذا صلَّى بمُقيمِينَ رَكعَتينِ وسلَّمَ قأَموا فأتَمُّوا أربَعًا لِأنفُسِهم أَفرادًا (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إذا سلَّمَ الإمامُ على رَأسِ الرَّكعَتينِ لا يسلِّمُ المُقيمُ؛ لأنَّه قد بقِيَ عليه شَطرُ الصَّلاةِ، فلو سلَّمَ لَفسَدَت صَلاتُه، ولكنَّه يَقومُ ويُتمُّها أربَعًا؛ لقولِه: «أتِمُّوا يا أهلَ مَكةَ؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (٣).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «وإن صلَّى مُسافِرٌ بمُقيمِينَ ومُسافِرينَ فإنَّه يُصلِّي والمُسافِرونَ رَكعَتينِ، ثم يسلِّمُ بهم، وأمرَ المُقيمِينَ أن يُتمُّوا أربَعًا وكلُّ مُسافِرٍ فله أن يُتمَّ، وإنَّما رُخِّصَ له أن يَقصُرَ الصَّلاةَ إن شاءَ، فإن أتَمَّ فله الإِتمامُ، وكانَ عُثمانَ بنُ عفَّانَ يُتمُّ الصَّلاةَ».

قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ إذا اجتَمعَ مُسافِرونَ ومُقيمُونَ فأَرادوا الصَّلاةَ جَماعةً، فإن كانَ فيهم إمامُ الوقتِ أو سُلطانُ البَلدِ، فهو أَولَاهم

(١) إسناده صَحِيحٌ: رواه مالك في «الموطأ» (١٩٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٤١٩)، وعبد الرزاق (٤٣٦٩).
(٢) «الاستذكار» (٢/ ٢٤٩).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ١٠١).

بالإمامةِ، مُقيمًا كانَ أو مُسافِرًا، وإن لم يَكنْ فيهم إمامٌ ولا سُلطانٌ، واستَوَوا في الفِقهِ والقِراءةِ، فإمامةُ المُقيمِ أَولى؛ لأَمرَينِ:

أحدُهما: أن يُتمَّ الصَّلاةَ، والإِتمامُ أفضَلُ.

والآخَرُ: لأنَّه يَستَوي مَنْ خلفَه، فيَكونُ فَراغُهم على سَواءٍ؛ فلهَذينِ كانَت إمامَةُ المُقيمِ أَولى، فإن قدَّموا مُسافِرًا جازَ، وإن كانَ المُقيمُ أَولى، وهل تُكرَهُ إمامَتُه أو لا؟ على قولَينِ: أحدُهما: نصَّ عليه في «الأُمّ» أنَّها مَكروهةٌ لهم؛ لخُروجِه مِنْ الصَّلاةِ قبلَهم، والقولُ الآخَرُ: نصَّ عليه في «الإملاء» لا يُكرَهُ لهم؛ لأنَّ المُسافِرَ بخِلافِ المُقيمِ في إِباحةِ الرُّخصةِ، وليسَ استِباحةُ الرُّخصةِ نَقصًا فيه، فإذا أَمَّهم صلَّى ومَن خلفَه مِنْ المُسافِرينَ رَكعَتينِ إن أحَبُّوا القصرَ، ووجَبَ على مَنْ خلفَه مِنْ المُقيمِينَ أن يُتمُّوا الصَّلاةَ أربَعًا، ولم يَجزْ أن يَقصُروا؛ لأنَّ فَرضَهم الإِتمامُ، وقد رُويَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى بقَومٍ ثم قالَ: «أتِمُّوا يا أهلَ مَكةَ»، ورُويَ عن عمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه: أنَّه صلَّى بقَومٍ، فلمَّا فرغَ قالَ: «أتِمُّوا أيُّها المُقيمُونَ؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ»، ورُويَ نَحوُه عن عُثمانَ رضي الله عنه، فإذا سلَّمَ الإمامُ قالَ الشافِعيُّ: اختِيرَ أن يَأمرَ المُقيمِينَ بإِتمامِ الصَّلاةِ أربَعًا، فلو أمَرَهم بذلك قبلَ إِحرامِهم كانَ أَولى؛ لأنَّه ربَّما جهِلَ بعضُهم فسلَّمَ بسَلامِه، وإن لم يَأمرْهم بشَيءٍ مِنْ ذلك فلا حَرجَ عليه، فإذا أرادَ المُقيمونَ إِتمامَ صَلاتِهم أربَعًا بعدَ فَراغِ الإمامِ، فاستَخلَفَ الإمامُ عليهم واحدًا منهم ليُتمَّ بهم أو قدَّموا أحدَهم -وقيلَ بجَوازِ الاستِخلافِ على قولِه في الجَديدِ-

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب صلاة المسافر

بابُ صلاةِ المُسافِرِ

الأصْلُ في قَصْرِ الصلَاةِ الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتَابُ فَقَوْلُ اللهِ تعَالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال - يَعْلَى بن أُمَيَّةَ - قلتُ لِعمرَ بن الخَطَّابِ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقد أمِن النّاسُ؟ فقال: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وأمَّا السُّنَّةُ، فقد تَوَاتَرَتِ الأخْبَارُ أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَقْصُرُ في أسْفَارِهِ، حَاجًّا، ومُعْتَمِرًا، وغَازِيًا. وقال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللهِ حتى قُبِضَ - يَعْنِى في السَّفَرِ - وكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وأبا بكرٍ حتى قُبِضَ، وكان لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْنِ، وعمرَ، وعُثْمَانَ كذلك. وقال ابنُ مَسْعُودٍ: صَلَّيْتُ مع النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتَيْنِ، ومع أبي بكرٍ رَكْعَتَيْنِ، ومع عمرَ رَكْعَتَيْنِ، ثم تَفَرَّقَتْ بكم الطُّرُقُ. وَوَدَدْتُ أنَّ لي من أَرْبَعٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. وقال أنَسٌ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مَكَّةَ فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حتى رَجَعَ، وأقَمْنَا بمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ حتى

رَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ . وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن سَافَرَ سَفَرًا تُقْصَرُ في مثله الصَّلَاةُ في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو جِهَادٍ، أنَّ له أن يَقْصُرَ الرُّبَاعِيَّةَ فيُصَلِّيَها رَكْعَتَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 95 - 97

ارجع إلى الصلاة في السفر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله