الأولى: نية الإقامة

الإسلام > الصلاة > الصلاة في السفر > الأولى: نية الإقامة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 23 دقيقة قراءة

الأولى: نية الإقامة - الأقوال والأدلة

ولِلإقامةِ شَرائطُ، هي:

الأُولى: نيَّةُ الإِقامةِ:

صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ نيَّةَ الإِقامةِ أمرٌ لا بدَّ منه. قالَ الكاسانِيُّ: حتى لو دخَلَ مِصرًا، ومكَثَ فيها شَهرًا أو أكثرَ؛ لانتِظارِ القافِلةِ، أو لِحاجةٍ أُخرى، يَقولُ: أَخرُجُ اليومَ أو غَدًا، ولم يَنوِ الإِقامةَ، لا يَصيرُ مُقيمًا، وذلك لإجماعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم؛ فإنَّه رُويَ عن سَعدِ بنِ أَبي وقَّاصٍ رضي الله عنه: «أَنَّه أقامَ بقَريةٍ مِنْ قُرى نَيسابُورَ شَهرَينِ، وكانَ يَقصُرُ الصَّلاةَ» (١).

وعنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه: «أَنَّه أقامَ بأَذرَبِيجانَ شَهرًا، وكانَ يُصلِّي رَكعَتينِ» (٢). وعَن عَلقَمةَ: «أَنَّه أقامَ بخَوارِزمَ سَنتَينِ، وكانَ يَقصُرُ» (٣).

(١) رواه البَيهَقيُّ في المَعرِفة، كما في «نَصب الراية» (٢/ ١٨٥)، و «الدِّراية» للحافظ (١/ ٢١٢) عنِ المِسورِ بنِ مَخرمَةَ قالَ: «كُنا معَ سَعدٍ، يَعنِي ابنَ أَبي وقَّاصٍ، فِي قَريةٍ مِنْ قُرى الشَّامِ، أَربَعينَ لَيلةً، فكُنا نُصلِّي أَربعًا وكانَ يُصلِّي رَكعتَينِ». وأمَّا القَصرُ شَهرَينِ فهو ثَابتٌ من حديثِ أنس، رواه عبد الرزاق في «مُصنَّفه» (٢/ ٥٣٦)، والبَيهَقيُّ في «الكبرى» (٣/ ١٥٢) عن حَفصِ بنِ عُبيدِ الله بن أنسٍ أنَّ أنسًا أقامَ بالشامِ مع عبد الملك بن مَروانَ شَهرَينِ يُصَلِّي رَكعَتينِ، وقالَ النَّوويُّ: وفي سندِه عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاءٍ، مُختلَفٌ فيه، وثَّقَه الأَكثرونَ، واحتَجَّ به مسلم في «صَحيحه»، نقَلَه الزَّيلَعيُّ في «نَصب الراية» (٢/ ١٨٥) عن النَّوويَّ وأقرَّه.
(٢) لم أَجدْه هكذا، ورواه البَيهَقيُّ في «الكبرى» (٣/ ١٥٢) عن نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ أنَّه قالَ: «أُرِيحَ علَينا الثَّلجُ ونحنُ بأَذرَبيجانَ سِتةَ أَشهُرٍ فِي غَزاةٍ، وكُنا نُصلِّي رَكعتَينِ». وقالَ الحافِظُ في «الدِّراية» (١/ ٢١٢): رواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ صحِيح. وقالَ النَّوويُّ: سَنَده على شَرطِ الصَّحيحينِ.
(٣) رواه عبد الرزاق (٢/ ٥٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٨).

ورُويَ عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ رضي الله عنه قالَ: شهِدتُ مع رَسولِ اللهِ عامَ فَتحِ مَكةَ، فَأقامَ بِمَكةَ ثَمانِيَ عَشرَةَ لَيلَةً، لَا يُصلِّي إلَّا الرَّكعَتينِ، ثم قالَ لِأَهلِ مَكةَ: «صَلُّوا أربَعًا فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (١). والقياسُ بمُقابلةِ النَّصِّ والإِجماعِ باطِلٌ.

وأمَّا مدَّةُ الإِقامةِ المُعتبَرةِ، فأقَلُّها خَمسةَ عشَرَ يَومًا؛ لمَا رَوى ابنُ عَباسٍ وابنُ عمرَ رضي الله عنهما أنَّهما قالَا: «إذا دَخَلتَ بَلدَةً وأنتَ مُسافِرٌ وفي عَزمِكَ أَنْ تُقيمَ بها خَمسَةَ عشَرَ يَومًا، فأَكمِلِ الصَّلاةَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدرِي متى تَظعَنُ فاقصُر» (٢)، وهذا بابٌ لا يُوصَلُ إليه بالاجتِهادِ؛ لأنَّه مِنْ جُملةِ المَقاديرِ، ولا يُظنُّ بهما التَّكلُّمُ جُزافًا، فالظَّاهرُ أنَّهما قالاه سَماعًا مِنْ رَسولِ اللهِ (٣).

وعندَ المالِكيةِ: لا بدَّ مِنْ النِّيةِ أيضًا، وأقَلُّ مدَّةِ الإِقامةِ عندَهم أربَعةُ أيَّامٍ صِحاحٍ، مع وُجوبِ عِشرينَ صَلاةً في مدَّةِ الإِقامةِ، فمَن دخَلَ قبلَ فَجرِ السَّبتِ مثَلًا ونَوى أن يُقيمَ إلى غُروبِ يَومِ الثُّلاثَاءِ ويَخرُجَ قبلَ العِشاءِ لم يَنقطِعْ حكمُ سَفرِه؛ لأنَّه -وإن كانَت الأيَّامُ الأربَعةُ صِحاحًا- لم يَجبْ عليه عِشرونَ صَلاةً، ومَن دخَلَ قبلَ عَصرِه، ولم يَكنْ صلَّى الظُّهرَ ونَوى الارتِحالَ بعدَ صُبحِ الخامِسِ، لم يَنقَطِع حكمُ سَفرِه؛ لأنَّه -وإن وجَبَ عليه

(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: تَقدَّمَ.
(٢) ذكره الزَّيلَعيُّ في «نَصب الراية» (٢/ ١٨٣)، وقالَ: رواه الطحاوي.
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٢٣، ٣٢٤)، و «الاختيار» (١/ ٨٥).

عِشرونَ صَلاةً- ليسَ مَعه إلا ثَلاثةُ أيَّامٍ صِحاحٍ، فلا بدَّ مِنْ الأمرَينِ، وعَدَّ سحنُونٌ العِشرينَ صَلاةً فَقط.

ثم إنَّ نيَّةَ الإِقامةِ إمَّا أن تَكونَ في ابتِداءِ السَّيرِ، وإمَّا أن تَكونَ في أثنائِه، فإن كانَت في ابتِداءِ السَّيرِ، وكانَت المَسافةُ بينَ النِّيةِ وبينَ محَلِّ الإِقامةِ مَسافةَ قَصرٍ، قصَرَ الصَّلاةَ حتى يَدخُلَ محَلَّ الإِقامةِ بالفِعلِ، وإلا أتَمَّ مِنْ حِينِ النِّيةِ، أمَّا إن كانَت النِّيةُ في أثناءِ السَّفرِ فإنَّه يَقصُرُ حتى يَدخُلَ محَلَّ الإِقامةِ بالفِعلِ، ولو كانَت المَسافةُ بينَهما دونَ مَسافةِ القَصرِ على المُعتمَدِ، ويُستَثنى مِنْ نيَّةِ الإِقامةِ نيَّةُ العَسكَرِ بمحَلِّ خَوفٍ، فإنَّها لا تَقطَعُ حُكمَ السَّفرِ.

وإذا أقامَ بمحَلٍّ في أثناءِ سَفرِه دونَ أن يَنوِيَ الإِقامةَ به، فإنَّ إقامَتَه به لا تَمنَعُ القَصرَ، ولو أقامَ مدَّةً طَويلةً، إلا أنَّه إذا علِمَ أنَّه سيُقيمُ أربَعةَ أيَّامٍ في مَكانٍ عادَةً، فإنَّ ذلك يَقطعُ حُكمَ السَّفرِ، ولو لم يَنوِ الإِقامةَ؛ لأنَّ العِلمَ بالإِقامةِ كالنِّيةِ، بخِلافِ الشَّكِّ؛ فإنَّه لا يَقطعُ حُكمَ السَّفرِ (١).

أمَّا الشافِعية، فقالَ الخَطيبُ الشِّربِينِيُّ: لو نَوى المُسافِرُ المُستَقلُّ -ولو مُحارِبًا- إقامةَ أربَعةِ أيَّامٍ تامَّةٍ بلَيالِيها، أو نَوى الإِقامةَ، وأطلَقَ بمَوضعٍ -عَيَّنَه- صالِحٍ لِلإقامةِ، و-كذا- غيرِ صالِحٍ، كمَفازةٍ على الأصَحِّ، انقَطعَ

(١) «الشرح الكبير مع حاشِية الدُّسوقي» (١/ ٣٦٤)، و «الشرح الصغير مع بُلغة السَّالك» (١/ ٣١٦، ٣١٧)، و «حاشية العدوي» (١/ ٤٦١)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٦٢، ٦٣).

سَفرُه بوُصولِه -أي: بوُصولِ ذلك المَوضِعِ-، سَواءٌ أكانَ مَقصدُه أم في طَريقِه، أو نَوى بمَوضعٍ وصَلَ إليه إقامةَ أربَعةِ أيَّامٍ انقَطعَ سَفرُه بالنِّيةِ مع مُكثِه إن كانَ مُستَقِلًّا.

ولو أقامَ أربعَةَ أيَّامٍ بلا نيَّةٍ انقَطعَ سَفرُه بتَمامِها؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أباحَ القَصرَ بشَرطِ الضَّربِ في الأرضِ، والمُقيمُ والعازِمُ على الإِقامةِ غيرُ ضارِبٍ في الأرضِ، والسُّنةُ بيَّنت أنَّ ما دونَ الأربَعِ لا يَقطعُ السَّفرَ، ففِي الصَّحيحَينِ: «يُقيمُ المُهاجِرُ بعدَ قَضاءِ نُسكِه ثَلاثًا» (١). وكانَ يَحرمُ على المُهاجِرينَ الإِقامةُ بمَكةَ ومُساكَنةُ الكُفَّارِ، فالتَّرخُّصُ في الثَّلاثةِ يَدلُّ على بَقاءِ حُكمِ السَّفرِ، بخِلافِ الأربَعةِ. ومنَعَ عمرُ أهلَ الذِّمةِ الإِقامةَ في الحِجازِ، ثم أذِنَ للتَّاجرِ منهم أن يُقيمَ ثَلاثةَ أيَّامٍ. رَواه مالِكٌ بإِسنادٍ صَحيحٍ، وفي مَعنى الثَّلاثةِ ما فوقَها، ودُونَ الأربَعةِ، وألحَقَ بإقامَةِ الأربَعةِ بنيَّةِ إقامَتِها.

أمَّا لو نَوى الإِقامةَ وهو سائِرٌ فلا يُؤثِّرُ؛ لأنَّ سَببَ القَصرِ السَّفرُ، وهو مَوجودٌ حَقيقةً. ولا يُحسَبُ منها -أي: الأربَعةِ- يومَا دُخولِه وخُروجِه، إذا دخَلَ نَهارًا، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ في الأوَّلِ الحَطَّ، وفي الآخَرِ الرَّحيلَ، وهُما مِنْ أَشغالِ السَّفرِ.

والثانية: يُحسَبانِ كما يُحسَبُ في مدَّةِ مَسحِ الخُفِّ يَومُ الحَدثِ ويَومُ النَّزعِ، وفَرقُ الأوَّلِ أنَّ المُسافِرَ لا يَستوعِبُ النَّهارَ بالسَّيرِ، وإنَّما يَسيرُ في

(١) رواه البُخاري (٣٧١٨)، ومسلم (١٣٥٢).

بعضِه، وفي يومَيِ الدُّخولِ والخُروجِ سائِرٌ في بعضِ النَّهارِ، بخِلافِ اللُّبثِ، فإنَّه مُستَوعبٌ للمدَّةِ.

وعلى القولِ بأنَّهما يُحسَبانِ إنَّما يُحسَبانِ بالتَّلفيقِ، لا يومَينِ كامِلَينِ، فلو دخَلَ زَوالُ السَّبتِ لِيخرُجَ زَوالُ الأربِعاءِ أتَمَّ، أو قبلَه قصرَ، فإن دخَلَ لَيلًا لم تُحسَب بَقيَّةُ اللَّيلةِ، ويُحسَبُ الغَدُ، ومُقامُه في هذه الحالَةِ دونَ ما يُقيمُه لو دخَلَ نَهارًا.

ولو أقامَ ببَلدٍ مثَلًا بنيَّةِ أن يَرحَلَ إذا حصَلَت حاجَةٌ يَتوقَّعُها كلَّ وَقتٍ، أو حبَسَه الرِّيحُ بمَوضعٍ في البَحرِ، قصَرَ ثَمانيةَ عشَرَ يَومًا غيرَ يومَيِ الدُّخولِ والخُروجِ؛ لأنَّه أقامَها بمَكةَ عامَ الفَتحِ لحَربِ هَوازِنَ يَقصُرُ الصَّلاةَ (١). رَواهُ أبو داودَ … ، وقيلَ: يَقصُرُ أربعَةَ أيَّامٍ غيرَ يومَيِ الدُّخولِ والخُروجِ؛ لأنَّ التَّرخُّصَ إذا امتنَعَ بنيَّةِ إِقامتِها أَولى؛ لأنَّ الفِعلَ أبلَغُ مِنْ النيَّةِ.

وفي قَولٍ: يَقصُرُ أبدًا، أي: بحسَبِ الحاجَةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لو زادَت حاجَتُه على الثَّمانيةَ عشَرَ لَقصَرَ في الزَّائِدِ أيضًا … ولو علِمَ المُسافِرُ بَقاءَ حاجَتِه مدَّةً طَويلةً، وهي الأربَعةُ المَذكورةُ، وما زادَ عليها، كأنْ كانَ يَعلَمُ أنَّه لا يُتنجَّزُ شُغلُه إلا في خَمسةِ أيَّامٍ، فلا قَصرَ له على المَذهبِ؛ لأنَّه ساكِنٌ مُطمَئنٌ بَعيدٌ عن هَيئةِ المُسافِرينَ (٢).

(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: تَقدَّمَ.
(٢) «مُغني المحتاج» (١/ ٢٦٤، ٢٦٦)، و «المجموع» (٥/ ٤٦٥، ٤٧١)، و «روضة الطالبين» (١/ ٣٨٣، ٣٨٠).

وعندَ الحَنابلَةِ: لو نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ أكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً أتَمَّ؛ لحَديثِ جابرٍ وابنِ عَباسٍ رضي الله عنها: «أنَّ النَّبيَّ قدِمَ مَكةَ صَبيحةَ رابِعةِ ذي الحِجةِ، فأقامَ بها الرابِعَ والخامِسَ والسَّادسَ والسابعَ، وصلَّى الصُّبحَ في اليَومِ الثاني، ثم خرَجَ إلى منًى، وكانَ يَقصُرُ الصَّلاةَ في هذه الأيَّامِ، وقد عزَمَ على إقامَتِها».

ولو نَوى المُسافِرُ إقامَةً مُطلَقةً بأن لم يَحُدَّها بزَمنٍ مُعيَّنٍ في بَلدَةٍ أتَمَّ؛ لزَوالِ السَّفرِ المُبيحِ للقَصرِ بنيَّةِ الإِقامةِ، ولو شَكَّ في نيَّتِه هل نَوى إقامةَ ما يَمنَعُ القَصرَ أو لا؟ أتَمَّ لأنَّه الأصلُ؛ فلا يَنتقِلُ عنه مع الشَّكِّ وإن لم يَنوِ إقامةَ أكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً، بأن نَوى عِشرينَ فأقَلَّ قصَرَ لمَا تَقدَّم، ويَومُ الدُّخولِ ويَومُ الخُروجِ يُحسَبانِ مِنْ المدَّةِ، فلو دخَلَ عندَ الزَّوالِ احتَسبَ ما بقِيَ مِنْ اليَومِ، ولو خرَجَ عندَ العَصرِ احتَسبَ ما مَضَى مِنْ اليَومِ.

وإن أقامَ المُسافِرُ لِقَضاءِ حاجةٍ يَرجو نَجاحَها، أو جِهادِ عَدوٍّ، وسَواءٌ غلَبَ على ظَنِّه انقِضاءُ حاجَتِه في مدَّةٍ يَسيرةٍ أو كَثيرةٍ، بعدَ أن يَحتمِلَ انقِضاؤُها في مدَّةٍ لا يَنقطِعُ حكمُ السَّفرِ بها -بلا نيَّةِ إقامَةٍ تَقطَعُ حُكمَ السَّفرِ- وهي إقامةُ أكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً، ولا يَعلَمُ قَضاءَ الحاجَةِ قبلَ المدَّةِ -أي: مُدةَّ أَكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً- ولو كانَ العِلمُ ظَنًّا لِإجرائِه مَجرَى اليَقينِ حيثُ يَتعذَّرُ أو يَتعسَّرُ، أو حُبس ظُلمًا، أو حبَسَه مَطرٌ أو مرَضٌ ونَحوُه، (قصَرَ أبدًا)؛ لأنَّه «أقامَ بتَبوكَ عِشرينَ يَومًا يَقصُرُ الصَّلاةَ» (١)، لمَّا

(١) حَديثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٢٣٥)، وأحمد (٣/ ٢٩٥)، وابن حبَّان في «صحيحه» (٣/ ٤٥٦).

فتَحَ النَّبيُّ مَكةَ أقامَ فيها تِسعَ عَشرَةَ يُصلِّي رَكعَتينِ (١). وقالَ أنَسٌ: «إنَّ أَصحابَ رَسولِ اللهِ أَقاموا بِرامَهرمُزَ تِسعَةَ أَشهُرٍ يَقصُرونَ الصَّلاةَ» (٢).

قالَ ابنُ المنذِرِ رحمة الله عليه: أَجمَعوا على أنَّ المُسافِرَ يَقصُرُ ما لم يَجمَعْ إقامَةً، ولو أتَى عليه سِنُونَ (٣).

وقالَ الإمامُ التِّرمذيُّ رحمة الله عليه: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُسافِرَ يَقصُرُ ما لم يَجمَعْ إقامةً، وإن أَتى عليه سِنونَ (٤).

فإن أقامَ لِحاجةٍ وعلِمَ أو ظَنَّ أنَّها لا تَنقَضي في أربَعةِ أيَّامٍ، لزِمَه الإِتمامُ، كما لو نَوى إقامةَ أكثرَ مِنْ أربَعةِ أيَّامٍ.

وإن نَوى إقامةً بشَرطٍ، كانَ يَقولَ: إن لَقِيتُ فُلانًا في هذا البَلدِ أَقَمتُ فيه، وإلا فلا، فإن لم يَلقَه في البَلدِ فله حكمُ السَّفرِ؛ لِعدمِ الشَّرطِ الذي علَّقَ عليه الإِقامةَ، وإن لقِيَه به صارَ مُقيمًا؛ لاستِصحابِه حُكمَ نيَّةِ الإِقامةِ إن لم يَكنْ فسَخَ نيَّتَه الأُولى لِلإقامةِ، قبلَ لِقائِه أو حالَ لِقائِه، فإن فسَخَها إذَن فله القَصرُ، وإن فسَخَ النِّيةَ بعدَ لِقائِه فهو كمُسافِرٍ نَوى الإِقامةَ المانِعةَ مِنْ القَصرِ، ثم بَدا له السَّفرُ قبلَ تَمامِها؛ فليسَ له أن يَقصُرَ في مَوضِعِ إقامَتِه؛ لأنَّه

(١) رواه البُخاري (١٠٣٠).
(٢) رواه البيهقيُّ (٣/ ١٥٢)، وقالَ النَّوويُّ: إسنادُه صَحيحٌ، «المجموع» (٥/ ٤٦٧)، وضعَّفَه الألباني في «الإرواء» (٥٧٦).
(٣) ينظر: «المغني» (٢/ ٥٣٨).
(٤) «سنن الترمذي» (٢/ ٤٣٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب اختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلك)

(بَابُ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِقَوْمٍ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَجَاءَ قَوْمٌ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ يَنْوُونَ الْعَصْرَ أَجْزَأَتْهُمُ الصَّلَاةُ جَمِيعًا وَقَدْ أَدَّى كُلٌّ فَرْضَهُ وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ بِقَوْمِهِ هِيَ لَهُ نَافِلَةٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ الْقُنُوتَ ثُمَّ يَعْتَدُّ بِهَا مِنَ الْعَتَمَةِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَبَنَى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَتَمَةِ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) وَإِذَا جَازَ أَنْ يَأْتَمَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً خَلْفَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً فَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي فَرِيضَةً خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً وَفَرِيضَةً وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: قَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ لِلْمُتَنَفِّلِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْمُفْتَرِضِ، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُفْتَرِضِ، فِي فَرْضَيْنِ مِثْلَيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، مِثْلُ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ، أَوِ الْعَصْرُ خَلْفَ الظُّهْرِ، وَهَذَا أَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 101 - 107

ارجع إلى الصلاة في السفر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده