الإسلام > الصلاة > الصلاة في السفر > الحكم بالنسبة لوسائل السفر الحديثة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 8 دقيقة قراءةواحتَجَّا على ذلك أيضًا بأنَّ النَّبيَّ ﷺ ثبَتَ عنه أنَّه قصَرَ فيما دونَ المَسافاتِ المُحَدَّدةِ، فعَن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا خرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثةِ أَميَالٍ، أو ثَلاثةِ فَراسِخَ، صلَّى رَكعَتينِ» (١)؛ فهو يَدلُّ صَراحةً على أنَّ القَصرَ يتعلَّقُ بمُطلَقِ السَّفرِ، ولو كانَ ثَلاثةَ أميالٍ، أو ثَلاثةَ فَراسِخَ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: هو أصحُّ حَديثٍ ورَدَ في بَيانِ ذلك وأصرَحُه (٢)؛ وعن أنَسٍ أيضًا قالَ: «صلَّيتُ الظُّهرَ مع النَّبيِّ ﷺ بالمَدينَةِ أَربَعًا، والعَصرَ بذِي الحُليفَةِ رَكعَتينِ» (٣)، وبينَهما ثَلاثَةُ أَميالٍ (٤).
الحكمُ بالنِّسبةِ لوَسائلِ السَّفرِ الحَديثةِ:
قد ذكَرْنا فيما سبَقَ أنَّ الفُقهاءَ حَدَّدوا أقَلَّ المَسافةِ التي تُشترطُ لقَصرِ الصَّلاةِ، وأنَّهم عَدُّوا السَّيرَ الوَسَطَ (مَشيَ الأَقدامِ وسَيرَ الإبلِ) هو الأساسَ في التَّقديرِ، وهي ما يَقرُبُ مِنْ (٨٦، ٤) تَقريبًا عندَ الجُمهورِ، والمَقصودُ هنا هو مَعرِفةُ الحُكمِ إذا استُعمِلَت وَسائِلُ السَّفرِ الحَديثةُ، كالقِطاراتِ، والسَّيَّاراتِ والطَّائِراتِ، حيثُ الرَّاحةُ وقِصرُ المدَّةِ.
وقد تَحدَّثَ الفُقهاءُ عن ذلك، فعندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ
(١) «صحيح مسلم» (٦٩١).
(٢) «فتح الباري» (٢/ ٦٦٠).
(٣) رواه البخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠).
(٤) «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٥)، و «المغني» (٢/ ٤٨١)، و «الإنصاف» (٢/ ١٨)، و «نيل الأوطار» (١/ ١٦٧).
كما يتَّضحُ مِنْ أَقوالِهم أنَّ المُسافِرَ لو قطَعَ مَسافةَ السَّفرِ المُحَدَّدةَ في زَمنٍ أقَلَّ؛ لِاستِعمالِه وَسائلَ أسرَعَ، فإنَّه يَقصُرُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه يَصدُقُ عليه أنَّه سافَرَ مَسافةَ القَصرِ.
قالَ الدُّسوقيُّ مِنْ المالِكيةِ: قولُه: (لمُسافِرٍ) أي: ولو كانَ سَفرُه على خِلافِ العادةِ، بأن كانَ بطَيرانٍ أو بخُطوةٍ، فمَن كانَ يَقطعُ المَسافةَ بسَفرِه قصَرَ، ولو كانَ يَقطعُها في لَحظةٍ بطَيرانٍ ونحوِه (١).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا: لو قطَعَ قَدرَ ثَمانيةٍ وأربَعينَ مِيلًا في ساعةٍ أو لَحظَةٍ، جازَ له القَصرُ؛ لأنَّها مَسافةٌ صالِحةٌ للقَصرِ، فلا يُؤثِّرُ قَطعُها في زَمنٍ قَصيرٍ (٢).
وقالَ البُهوتِيُّ رحمة الله عليه: يَقصُرُ المُسافِرُ الرُّباعيَّةَ إلى رَكعَتينِ إِجماعًا، ولو قطَعَ المَسافةَ في ساعَةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه صدَقَ عليه أنَّه سافَرَ أربعَةَ بُرُدٍ (مَسافةَ القَصرِ) (٣).
أمَّا الحَنفيةُ فقدِ اختَلفَ النَّقلُ عندَهم، فنقَلَ الكاسانِيُّ في «البَدائِع» عن أَبي حَنيفةَ رحمة الله عليه: أنَّ المُسافِرَ لو سارَ إلى مَوضعٍ في يَومٍ أو يومَينِ، وأنه بسَيرِ الإبِلِ والمَشيِ المُعتادِ مَسيرةُ ثَلاثةِ أيَّامٍ، فإنَّه يَقصُرُ الصَّلاةَ؛
(١) «حاشِية الدُّسوقي» (١/ ٣٥٨).
(٢) «المجموع» (٥/ ٤٢٣).
(٣) «كشاف القناع» (١/ ٥٠٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٢٩٣)، و «كشف المخدرات» (١/ ١٨٣).
اعتِبارًا للسَّيرِ المُعتادِ، وهذا القولُ يُوافِقُ المَذاهبَ السابقةَ؛ لأنَّ أبا حَنيفةَ عَدَّ العِلةَ هي قَطعُ المَسافةِ.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: عن أَبي حَنيفةَ فيمَن سارَ في الماءِ يَومًا، وذلك في البَرِّ ثَلاثَةُ أيَّامٍ، أنَّه يَقصُرُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه لا عِبرةَ بِالإسراعِ، وكذا لو سارَ في البَرِّ إلى مَوضعٍ في يَومٍ أو يومَينِ، وأنَّه بسَيرِ الإبلِ والمَشيِ المُعتادِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ، يَقصُرُ اعتبارًا لِلسَّيرِ المُعتادِ، وعلى هذا إذا سافَرَ في الجِبالِ والعَقَباتِ أنَّه يُعتبَرُ مَسيرةُ ثَلاثةِ أيَّامٍ فيها، لا في السَّهلِ؛ فالحاصِلُ أنَّ التَّقديرَ بمَسيرةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، أو بالمَراحلِ في السَّهلِ والجَبَلِ والبَرِّ والبَحرِ، ثم يُعتبَرُ في كلِّ ذلك السَّيرُ المُعتادُ فيه، وذلك مَعلومٌ عندَ الناسِ، فيُرجَعُ إليهم عندَ الاشتِباهِ، والتَّقديرُ بالفَراسِخِ غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ ذلك يختلِفُ باختِلافِ الطَّريقِ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ: إذا خرَجَ إلى مِصرٍ في ثَلاثةِ أيَّامٍ، وأَمكَنه أن يَصلَ إليه مِنْ طَريقٍ آخرَ في يَومٍ واحدٍ، قصرَ … ؛ لأنَّ الحُكمَ مُعلَّقٌ بالسَّفرِ، فكانَ المُعتبَرُ مَسيرةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ على قَصدِ السَّفرِ، وقد وُجدَ (١).
لكنَّ الكَمالَ بنَ الهُمامِ رحمة الله عليه عَدَّ العِلةَ لقَصرِ الصَّلاةِ في السَّفرِ هي المَشقَّةُ التي تَلحَقُ بالمُسافرِ، ولذلك يَذكُرُ أنَّ المُسافِرَ لو قطَعَ المَسافَةَ في ساعةٍ صَغيرةٍ، فإنَّه لا يَقصُرُ الصَّلاةَ، وإن كانَ يَصدُقُ عليه أنَّه قطَعَ مَسافَةَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ بسَيرِ الإبلِ؛ لانتِفاءِ مَظِنةِ المَشقَّةِ، وهي العِلةُ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٩٤).
(٢) «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٠، ٣١).
ارجع إلى الصلاة في السفر للاطلاع على جميع المسائل.