الإسلام > الصلاة > الصلاة في السفر > تحديد أقل مسافة السفر التي يقصر فيها الصلاة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 18 دقيقة قراءةتَحديدُ أقَلِّ مَسافةِ السَّفرِ التي يَقصُرُ فيها الصَّلاةَ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في تَحديدِ المَسافةِ التي يَجوزُ فيها قَصرُ الصَّلاةِ:
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ أقَلَّ مدَّةِ السَّفرِ مَسيرةُ يومَينِ مُعتدلَينِ بلا لَيلةٍ، أو مَسيرةُ لَيلتَينِ بلا يَومٍ، أو مَسيرةُ يَومٍ ولَيلةٍ؛ وذلك لأنَّهم قدَّروا السَّفرَ بالأَميالِ، وعَدُّوا ذلك ثَمانيةً وأربَعينَ مِيلًا، وذلكَ أربَعةُ بُرُدٍ، وتُقدَّرُ بسَيرِ يومَينِ مُعتدلَينِ. وهذه المَسافةُ حَوالَي (٨٦، ٤) كيلو متر؛ لأنَّ «البُرُدَ» جَمعُ بَريدٍ، وهو مَسافةُ أربَعةِ فَراسِخَ، والفَرسَخُ: ثَلاثةُ أميالٍ، والمِيلُ حَوالَي (١، ٨) كيلو متر، فيَكونُ (٨٦، ٤).
واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يا أَهلَ مَكةَ، لَا تَقصُرُوا في أَدنَى مِنْ أربعَةِ بُرُدٍ، مِنْ عُسفانَ إلى مَكةَ» (١)، ولأنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عَباسٍ رضي الله عنهما: «كانَا يَقصُرانِ وَيُفطِرانِ في أربعَةِ بُرُدٍ» (٢)، وهي ستَّةَ عشَرَ فَرسَخًا (٣).
وذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّ أقَلَّ مَسافةٍ مَسيرةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ
(١) موضوع: رواه الدَّارقطنيُّ (١٤٨)، وعنه البيهقيُّ (٣/ ١٣٧).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: عَلَّقه البخاري (١/ ٣٦٨)، ووصله البيهقيُّ (٣/ ١٣٧)، وصححه النووي في «المجموع» (٥/ ٤٣١).
(٣) «الشرح الصغير» (١/ ٣١٢)، و «حاشية الدُّسوقي» (٣/ ٥٩١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٣٨)، و «المجموع» (٥/ ٤٢٤)، و «المغني» (٢/ ٤٧٩، ٤٨١)، و «الإنصاف» (٢/ ٣١٨)، و «الإفصاح» (١/ ٢١٨).
ولَيالِيها؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «يَمسَحُ المُقِيمُ يَومًا ولَيلةً، والمُسافِرُ ثَلاثةَ أيَّامٍ ولَياليهُنَّ» (١).
ووَجهُ التَّمسُّكِ بهذا الحَديثِ أنَّه يَقتَضيَ أنَّ كلَّ مَنْ صدَقَ عليه أنَّه مُسافِرٌ، شُرعَ له مَسحُ ثَلاثةِ أيَّامٍ؛ إذِ اللَّامُ في قولِه: «وللمُسَافرِ»، للِاستِغراقِ، كما في جانِبِ المُقيمِ، ولا يُتصوَّرُ ذلك إلا إذا قدَّرَ أقَلَّ مدَّةِ السَّفرِ بثَلاثةِ أيَّامٍ؛ لأنَّه لو قدَّرَ بأقَلَّ مِنْ ذلك لا يُمكِنُه استِيفاءُ مدَّتِه؛ لانتِهاءِ سَفرِه، فاقتَضى تَقديرَه به ضَرورةً، وإلا لخرَجَ بعضُ المُسافِرينَ عنه. وبقولِ النَّبيِّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِامرَأةٍ تُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ أَنْ تُسافِرَ مَسيرَةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ إلَّا مع زَوجٍ أو ذِي مَحرَمٍ» (٢)، فلو لم تكُنِ المدَّةُ مُقدَّرةً بالثَّلاثةِ لم يَكنْ لتَخصِيصِ الثَّلاثةِ مَعنًى (٣).
وقدِ استَحبَّ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه هذا؛ خُروجًا مِنْ الخِلافِ، فقالَ: وأحِبُّ ألَّا يَقصُرَ في أقَلَّ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ (٤).
والعِبرةُ في السَّيرِ بالسَّيرِ الوَسَطِ، وهو سَيرُ الإبِلِ المُثقلَةِ بالأَحمالِ، ومَشيُ الأَقدامِ على ما يُعتادُ مِنْ ذلك، مع ما يَتخلَّلُه مِنْ نُزولٍ واستِراحةٍ وأكلٍ وصَلاةٍ. والسَّيرُ في البَحرِ يُراعَى فيه اعتِدالُ الرِّياحِ؛ لأنَّه هو الوَسَطُ، وهو ألا تَكونَ الرِّياحُ غالِبةً ولا ساكِنَةً.
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّمَ.
(٢) رواه البُخاري (١٠٨٩)، ومسلم (١٣٣٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٩٣، ٩٤)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٠٩)، و «الاختيار» (١/ ٩٧)، و «مُختصَر القُدوري» (٣٨)، و «الإفصاح» (١/ ٢١٨).
(٤) «المجموع» (٥/ ٤٢٢).
وذهَبَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ وتِلمِيذُه ابنُ القَيمِ إلى أنَّ المُسافِرَ يَقصُرُ الصَّلاةَ في كلِّ ما يُطلَقُ عليه سَفرٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فظاهرُ الآيةِ يَدلُّ على أنَّ القَصرَ يتعلَّقُ بكلِّ ضَربٍ في الأرضِ دونَ تَحديدِ مَسافةٍ مُعيَّنةٍ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ رحمة الله عليه: وقد تَنازَعَ العُلماءُ: هل يَختَصُّ بسَفرٍ دونَ سَفرٍ -أيِ القَصرَ- أو يَجوزُ في كلِّ سَفرٍ؟ وأظهَرُ القولَينِ أنَّه يَجوزُ في كلِّ سَفرٍ، قَصيرًا كانَ أو طَويلًا، كما قصَرَ أهلُ مَكةَ خلفَ النَّبيِّ ﷺ بعَرفةَ ومنًى، وبينَ مَكةَ وعَرفةَ نَحوُ بَريدٍ «أربَعةُ فَراسِخَ».
وأيضًا فليسَ الكتابُ والسُّنةُ يَخُصانِ سَفرًا دونَ سَفرٍ، لا بقَصرٍ ولا بفِطرٍ ولا تَيمُّمٍ، ولم يَحدَّ النَّبيُّ ﷺ مَسافةَ القَصرِ بحَدٍّ، لا زَمانِيٍّ ولا مَكانِيٍّ، والأَقوالُ المَذكورةُ في ذلك مُتعارِضةٌ، ليسَ على شَيءٍ منها حُجةٌ، وهي مُتناقِضةٌ، ولا يُمكِنُ أن يُحَدَّ بحَدٍّ صَحيحٍ.
فإنَّ الأرضَ لا تُذرَعُ بذَرعٍ مَضبوطٍ في عامَّةِ الأسفارِ، وإنَّ حَركةَ المُسافرِ تَختلِفُ، والواجِبَ أن يُطلَقَ ما أطلَقَه صاحِبُ الشَّرعِ، ويُقيَّدَ ما قيَّده، فيَقصُرَ المُسافِرُ الصَّلاةَ في كلِّ سَفرٍ، وكذلك جَميعُ الأَحكامِ المُتعَلِّقةِ بالسَّفرِ مِنْ القَصرِ والصَّلاةِ على الرَّاحِلةِ والمَسحِ على الخُفَّينِ، ومَن قسَّمَ الأسفارَ إلى قَصيرةٍ وطَويلةٍ، وخصَّ بعضَ الأَحكامِ بهذا، وبعضَها بهذا، وجعَلَها مُتعلِّقةً بالسَّفرِ الطَّويلِ، فليسَ معه حُجَّةٌ يَجبُ الرُّجوعُ إليها، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٢، ١٣، ٣٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب صلاة المسافر والجمع في السفر)
(بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ)
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا سَافَرَ الرَّجُلُ سَفَرًا يَكُونُ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ ميلاً بالهاشمي فله أن يقصر الصلاة سافر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أميالاً فقصر وقال ابن عباس أقصر إلى جدة وإلى الطائف وعسفان. قال الشافعي وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي وسافر ابن عمر إلى ريم فقصر قال مالك وذلك نحو من أربعة برذ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، جُمْلَةُ الْأَسْفَارِ عَلَى أربع أَضْرُبٍ، وَاجِبٌ، وَطَاعَةٌ، وَمُبَاحٌ وَمَعْصِيَةٌ
فَالسَّفَرُ الْوَاجِبُ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالطَّاعَةِ، وَالسَّفَرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَزِيَارَةِ الْوَالِدَيْنِ
وَالْمُبَاحُ سَفَرُ التِّجَارَةِ
وَالْمَعْصِيَةُ السَّفَرُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِخَافَةِ السُّبُلِ
فَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصُرَ فِيهِ وَلَا يُفْطِرَ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَأْتِي فِيمَا بَعْدُ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة
الجملة الرابعة في قضاء الصلاة وجبر ما يقع فيها من خلل
الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَقَوْمٌ قَالُوا هُوَ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مِنَ الْمَرَضِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وسبب اختلافهم هو: هَلْ يَسْقُطُ فَرْضُ الْقِيَامِ مَعَ الْمَشَقَّةِ أَوْ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ؟ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ، وَأَمَّا صِفَةُ الْجُلُوسِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَجْلِسُ مُتَرَبِّعًا: (أَعْنِي: الْجُلُوسَ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقِيَامِ) وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْجُلُوسَ مُتَرَبِّعًا، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْبِيعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَمَنْ كَرِهَهُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُلُوسِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا صِفَةُ صَلَاةِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَلَا عَلَى الْجُلُوسِ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصَلِّي كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصَلِّي مُسْتَقْبِلًا رِجْلَاهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى جَنْبِهِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَجَبْرِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ خَلَلٍ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْإِعَادَةِ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَشْتَمِلُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الَّتِي لَيْسَتْ أَدَاءً، وَهَذِهِ هِيَ: إِمَّا إِعَادَةٌ، وَإِمَّا قَضَاءٌ، وَإِمَّا جَبْرٌ لِمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ بِالسُّجُودِ.
فَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِذن ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل أركان الصلاة
الْمُقِيمِينَ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمِصْرَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ - صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنْ حَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِفِعْلِ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ، فَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَنَعَتْهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ، وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ بِالْمَاءِ أَمَامَهُ، أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَكَانِهِ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَلَوْ مَشَى أَمَامَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ إلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ أَخْرَجَتْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى الصلاة في السفر للاطلاع على جميع المسائل.