الإسلام > الصلاة > صلاة التطوع > استقبال القبلة في صلاة النافلة على الدابة
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 22 دقيقة قراءةبأن يُسلِّمَ مِنْ صَلاتِه، هكذا صرَّح به الشَّيخُ أبو حامِدٍ والشَّيخُ نَصرٌ وآخَرونَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا إن أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وهو في النَّافِلةِ ولم يَخشَ فَواتَ الجَماعةِ أتَمَّها ولم يَقطعها؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وإن خَشِيَ فَواتَ الجَماعةِ فعلى رِوايتَينِ: إحدَاهُما: يُتمُّها لذلك. والأُخرى: يَقطعُها؛ لأنَّ ما يُدرِكُه من الجَماعةِ أعظَمُ أجرًا وأكثرُ ثَوابًا ممَّا يَفوتُه بقَطعِ النَّافِلَةِ؛ لأنَّ صَلاةَ الجَماعةِ تَزيدُ على صَلاةِ الرَّجلِ وَحدَهُ سَبعًا وعِشرينَ دَرجةً (٢).
استِقبالُ القِبلةِ في صَلاةِ النَّافلةِ على الدَّابَّةِ:
اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ استِقبالِ القِبلةِ في صَلاةِ النَّافلةِ على الرَّاحلةِ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّه يجبُ عليه ذلك، وهو إحدَى الرِّوايَتَينِ عن الشافِعيِّ وأحمدَ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ القاضي حُسَينٌ: نصَّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في مَوضعٍ على وُجوبِ الاستِقبالِ، وفي مَوضِعٍ: أنَّه لا يجبُ (٣).
(١) «المجموع» (٤/ ١٨٠)، و «أسنى المطالب» (١/ ٢٣١)، و «مغني المحتاج» (١/ ٢٣١).
(٢) «المغني» (١/ ٢٧٢، ٢٧٣)، و «الكافي» (١/ ١٧٨)، و «الفروع» (١/ ٢٨١)، و «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٧٣، ٧٤)، و «المبدع» (٢/ ٤٧)، و «الإنصاف» (٢/ ٢٢٠)، و «الروض المربع» (١/ ٢٣٩).
(٣) «المجموع» (٣/ ٢٠٨).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ في المُبدِعِ: وإن أمكَنَه (أي: الرَّاكبُ) افتِتاحُ الصَّلاةِ (أي: بالإحرامِ) إلى القِبلةِ بالدَّابَّةِ أو بنَفسِه، كراكِبِ راحِلةٍ مُنفرِدةٍ تُطيعُه، فهَل يَلزمُه ذلكَ؟ على رِوايتَينِ:
إحداهُما: يَلزمُه بلا مَشقَّةٍ، جزمَ به في الوَجيزِ، ونقلَه واختَارَه الأكثرُ، وذكرَه أبُو المَعالي؛ لمَا رَوى أنَسٌ رضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا سَافَر فأرَادَ أَنْ يَتطوَّعَ استَقبَلَ بِنَاقَتِه القِبلَةَ، فَكبَّر ثم صلَّى حيثُ وَجَّهَهُ رِكابُه»، رَوَاه أحمدُ وأبو داودَ (١). وهذا لَفظُه، وهو حَديثٌ حَسَنٌ، ولأنَّه أمكَنَه ابتِداءُ الصَّلاةِ إلى القِبلةِ، فلزِمه، وكراكِبِ السَّفينةِ.
والأُخرى: لا يَلزمُه، اختارَه أبو بَكرٍ ورجَّحه في المُغنِي وغيرِه؛ لمَا فيه مِنْ المَشقَّةِ؛ ولحَديثِ ابنِ عمرَ، ولأنَّه جُزءٌ مِنْ الصَّلاةِ أشبَهَ سائِرَها ويُحمَلُ الخَبرُ الأوَّلُ على الاستِحبابِ (٢).
وقالَ الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه: إذا تطوَّعَ الرَّجلُ على راحِلَتِه يُعجِبُنِي أن يَستقبِلَ القِبلةَ بالتَّكبيرِ على حَديثِ أنَسٍ (٣).
القولُ الآخَرُ: أنَّه لا يجبُ استِقبالُ القِبلةِ لِمَنْ تنَفَّلَ على راحِلَتِه وإنَّما يُستحبُّ، وهو قولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيِّ وأحمدَ في إحدى الرِّوايَتَينِ عنهما.
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١٢٢٥).
(٢) «المُبدِع» (١/ ٤٠٢)، و «المغني» (١/ ٢٦٠).
(٣) «مسائل أبي داود» (١١٠).
قال ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: لا يُشترَطُ استِقبالُ القِبلةِ في الابتِداءِ؛ لأنَّه لمَّا جازَتِ الصَّلاةُ إلى غيرِ جِهةِ الكَعبةِ، جازَ الافتِتاحُ إلى غيرِ جِهَتِها. اه (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: قالَ الحَسنُ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ على دَوابِّهِم حيثُما كانَت وُجوهُهُم، وبه قالَ طاوُسٌ وعَطاءٌ، وهو قولُ مالِكٍ وسُفيانَ الثَّوريِّ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمدَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ، غيرَ أنَّ أحمدَ وأبا ثَورٍ كانا يَستَحبَّانِ لِلمُصلِّي في السَّفرِ على الدَّابَّةِ أن يَستَقبِلَ القِبلَةَ بالتَّكبيرِ؛ لحَديثِ أنَسٍ (٢).
وقالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ صَلاةِ النَّافِلةِ على الدَّابَّةِ حيثُ تَوجَّهَت برِكابِها في السَّفرِ، وقد ذكَرنا حَديثَ جابرٍ قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي أينَما كانَ وَجهُه على الدَّابَّةِ.
وعنِ الحَسنِ قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ في أسفارِهِم على دَوابِّهم أينَما كانَت وُجوهُهم. وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ كلِهم في تَطوُّعِ المُسافرِ على دَابَّتِه، حيثُ تَوجَّهَت بِه لِلقِبلَةِ وغيرِها، يُومِئُ إيماءً يَجعلُ السُّجودَ أخفَضَ من الرُّكوعِ، ويتشهَّدُ ويسلِّمُ، وهو جالِسٌ على دَابَّتِه وفي مَحَلِّه، إلَّا أنَّ بينَهم جَماعةً يَستَحبُّونَ أن يَفتتِحَ المُصلِّي صَلاتَه على القِبلَةِ في تَطوُّعِه على دَابَّتِه مُحرِمًا بها، وهو مُستَقبِلٌ القِبلةَ، ثم لا يُبالِي حيثُ تَوجَّهت بِه.
(١) «رد المحتار» (٢/ ٤٨٧)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ١٥٥).
(٢) «الأوسط» (٥/ ٢٥٠، ٢٥١)، وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٥٧٥).
ومنهُم مَنْ لم يَستَحبَّ ذلك، وقالَ: كمَا يَجوزُ له أن يَكونَ في سائرِ صَلاتِه إلى غيرِ القِبلةِ عامِدًا وهو عالِمٌ بذلك، فكَذلكَ افتِتاحُه لها، وإلى هذا ذَهب مالِكٌ وأصحابُه. وذَهب الشافِعيُّ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ إلى القولِ الأوَّلِ، واحتَجَّ بَعضُهم بحَديثِ أنَسٍ السابقِ.
وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ: هَكذا يَنبَغِي لِمَنْ يَتنفَّلُ على راحِلَتِه في السَّفرِ.
وكانَ عَبد اللهِ بنُ عمرَ يَقولُ في قولِه تَعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. إنَّها نزلَت في صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في سَفرِه التَّطوُّعَ على الرَّاحِلةِ، وهوَ تَأويلٌ حَسَنٌ تُعَضِّدُه السُّنةُ (١).
وما ذكرَه ابنُ عَبد البرِّ عن الشافِعيِّ وأحمدَ هو إحدَى الرِّوايَتَينِ عنهُما كمَا تَقدَّم، إلَّا أنَّ هناكَ تَفصيلًا عندَهم.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وحاصِلُ ما ذكرَهُ الأصحابُ أنَّ المُتنفِّلَ الرَّاكبَ في السَّفرِ إذا لم يُمكِنه الرُّكوعُ والسُّجودُ والاستِقبالُ في جَميعِ صَلاتِه بأن كانَ على سَرجٍ وَقَتبٍ ونحوِهِما، ففي وُجوبِ استِقبالِه القِبلةَ عندَ الإحرامِ أربَعةُ أوجُهٍ:
أصحُّها: إن سَهلَ وجبَ، وإلَّا فلا، فالسَّهلُ أن تَكونَ الدَّابَّةُ واقِفةً وأمكَنَ انحِرافُه عليها أو تَحريفُها، أو كانَت سائِرةً وبيَدِه زِمامُها؛ فهيَ سَهلةٌ. وغيرُ السَّهلةِ أن تَكونَ مُقَطَّرةً أو صَعبةً.
(١) «الاستذكار» (٢/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «التَّمهيد» (١٧/ ٧٢)، و «المدوَّنة» (١/ ٨٠).
والثَّاني: لا يجبُ الاستِقبالُ مُطلَقًا، وصحَّحه المُصَنِّفُ -أي: الشِّيرازيُّ- وشَيخُه القاضِي أبُو الطَّيِّبِ.
والثَّالثُ: يجبُ مُطلَقًا، فإن تَعَذَّرَ لم تَصحَّ صَلاتُه.
الرَّابعُ: إن كانَتِ الدَّابَّةُ عندَ الإحرامِ مُتوَجِّهَةً إلى القِبلةِ أو طَريقِه أحرَم كما هو، وإن كانَت إلى غيرِها لم يَصحَّ الإحرامُ إلَّا إلى القِبلةِ، وقالَ القاضِي حُسَينٌ: نَصَّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في مَوضِعٍ على وُجوبِ الاستِقبالِ، وفي مَوضِعٍ: أنَّه لا يجبُ، فقيلَ: قولَانِ، وقيلَ: حالانِ، ويُفرَّقُ بينَ السَّهلِ وغيرِه، والاعتِبارُ في الاستِقبالِ بالرَّاكبِ دونَ الدَّابَّةِ، فلوِ استَقبَلَ هو عندَ الإحرامِ والدَّابَّةُ مُنحرِفةٌ أو مُستَدِيرةٌ أجزَأَهُ بِلا خِلافٍ، وعَكسُه: لا يَصحُّ إذا شَرَطنَا الاستِقبالَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإن أمكَنَ افتِتاحُها إلى القِبلةِ كرَاكبِ راحِلةٍ مُنفَردةٍ تُطِيعُه، فهل يَلزمُه افتِتاحُها إلى القِبلةِ؟ يُخرَّجُ فيه رِوايتَانِ:
إحداهُما: يَلزمُه لمَا رَوى أنَسٌ … الحَديثَ، ولأنَّه أمكَنَه ابتِداءُ الصَّلاةِ إلى القِبلَةِ، فلزِمه ذلكَ، كالصَّلاةِ كلِّها.
والأُخرى: لا يَلزمُه؛ لأنَّه جُزءٌ مِنْ أجزاءِ الصَّلاةِ، أشبَهَ سائِرَ أجزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخلُو من مَشقَّةٍ، فسقطَ، وخَبرُ النَّبيِّ ﷺ يُحمَلُ على الفَضيلةِ والنَّدبِ (٢).
(١) «المجموع» (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩). و «كفاية الأخيار» (١/ ١٠٠)، و «أسنى المطالب» (١/ ١٣٤)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٤٣). و «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٥/ ٢١١).
(٢) «المغني» (١/ ٢٩٠).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب استقبال القبلة
بابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ
اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا في الحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ. والأصْلُ في ذلك قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} . يَعْنِى نحوهُ، كما أَنْشَدُوا :
ألَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا ... ومَا تُغْنِى الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
أىْ نحوَ عَمْرٍو. وتقولُ العربُ: هؤلاء القومُ يُشَاطِرُونَنا. إذا كانتْ بُيُوتُهم تُقَابِلُ بُيُوتَهم. وقال عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ. وروى عن الْبَرَاءِ قالَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فصَلَّى نحوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنَّهُ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ فمَرَّ رَجُلٌ، وكان يُصَلِّى مع النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على قومٍ، مِنَ الأَنْصَارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكَعْبَةِ. أخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ .
١٣١ - مسألة؛ قال أبو القاسِم: (وإذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى القِبْلَةِ، وصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُومِىءُ إيمَاءًا عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّهُ إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ،
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب استقبال القبلة وأن لا فرض إلا الخمس)
(بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَأَنْ لَا فَرْضَ إِلَّا الخمس)
(مسألة)
: قَالَ الشَّافِعِيُّ: (وَلَا يَجُوزُ لَأَحَدٍ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ، وَلَا نَافِلَةٍ، وَلَا سُجُودُ قُرْآنٍ، وَلَا جِنَازَةٍ، إِلَّا مُتَوَجِّهًا إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَتِهِ إِلَّا فِي حَالَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: النَّافِلَةُ فِي السَّفَرِ رَاكِبًا)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: (وَهَذَا كَمَا قَالَ)
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ فَاسْتَقْبَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْتَ الْمَقْدِسِ
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ هَلِ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِرَأْيِهِ أَوْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْيِيرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} البقرة: ١١٥ فَاخْتَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} البقرة: ١٤٣ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَفِي قَوْله تَعَالَى: {إلا لنعلم من يتبع الرسول} أربعة تأويلات:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل أركان الصلاة
الْمُقِيمِينَ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمِصْرَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ - صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنْ حَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِفِعْلِ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ، فَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَنَعَتْهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ، وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ بِالْمَاءِ أَمَامَهُ، أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَكَانِهِ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَلَوْ مَشَى أَمَامَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ إلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ أَخْرَجَتْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى صلاة التطوع للاطلاع على جميع المسائل.