الإسلام > الصلاة > صلاة التطوع > حكم صلاة الوتر
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 21 دقيقة قراءةوالتَّهَجُّدِ. قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: الصَّحيحُ المَنصوصُ في «الأُمُّ» وَ «المُختَصَرُ» أنَّ الوِترَ يُسمَّى تَهجُّدًا، وفيه وَجهٌ أنَّه لا يُسمَّى تَهجُّدًا، بلِ الوِترُ غيرُ التَّهَجُّدِ (١)، قال الحافِظُ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه: وهذا هو الذي ذكرَه بَعضُ أصحابِنا -أي أنَّه لا يُسمَّى تَهجُّدًا- ويَنبَغي أن يَكونَ مَبنِيًّا على القولِ بأنَّ الوِترَ هو الرَّكعةُ المُنفرِدةُ وَحدَها، فأمَّا إن قُلنا: الوِترُ: الرَّكعةُ بما قبلَها، فالوِترُ هو التَّهجُّدُ وإن لم يَنوِ به الوِترَ (٢).
حكمُ صَلاةِ الوِترِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومحمدُ مِنْ الحَنفيَّةِ وأبو حَنيفةَ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوِترَ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وليس بواجِبٍ، ودَليلُ سُنِّيتِه قولُ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ؛ فَأَوتِرُوا يَا أَهلَ القُرآنِ» (٣)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَه وواظَبَ عليه.
واستدَلُّوا على عدمِ وُجوبِه بما رَواه مالِكٌ في المُوَطَّأِ وأبو داودَ وغيرُهما عن عَبد اللهِ بنِ مُحَيرِيزٍ أنَّ رَجلًا مِنْ بَني كِنانةَ يُدعَى المُخدَجيَّ: سمِع رَجلًا بالشَّامِ يُكَنَّى أبا محمدٍ، يَقولُ: «الوِترُ واجِبٌ». قال المُخدَجيُّ: فَرُحتُ إلى عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه فاعتَرَضتُ له وهو رائِحٌ إلى المَسجدِ، فأخبَرتُه بالَّذي قال أبو مُحمدٍ، فقال عُبادةُ: كَذَبَ أبو مُحمدٍ، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «خَمسُ صَلواتٍ كَتَبَهنَّ اللهُ تَعالَى
(١) «المجموع» (٥/ ٧٢)، و «روضة الطالبين» (١/ ٣٢٩).
(٢) «فتح الباري» لابن رَجَب (٦/ ٢٠٩).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه التِّرمذيُّ (٤٥٣)، وأحمد (١/ ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥).
على العِبادِ، فَمَنْ جاءَ بِهنَّ لم يُضَيِّع مِنهُنَّ شَيئًا استِخفَافًا بِحقِّهِنَّ، كانَ له عندَ اللهِ عَهدٌ أَنْ يُدخِلَه الجَنَّةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهنَّ فليس له عندَ اللهِ عَهدٌ، إن شَاءَ عَذَّبَه، وَإِنْ شَاءَ أَدخَلَه الجَنَّةَ» (١).
وقال عَلِيٌّ رضي الله عنه: الوِترُ ليس بِحَتمٍ كَصَلاتِكُمُ المَكتُوبَةِ، وَلَكِن سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: «إِنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ، فَأَوتِرُوا يا أَهلَ القُرآنِ» (٢).
وبقولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا سألَه الأعرابيُّ عمَّا فَرَضَ اللهُ عليه في اليَومِ واللَّيلةِ؟ فقال: خَمسُ صَلواتٍ. فقال: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تطوَّعَ» (٣)؛ وهذا تَصريحٌ بأنَّه لا يَأثَمُ بتَركِ غيرِ الخَمسةِ.
قالوا: ولأنَّه يَجوزُ فِعلُه على الرَّاحِلةِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، فلَم يكن واجِبًا كالسُّننِ، وقد رَوى ابنُ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعِيرِهِ». (٤) مُتفقٌ عَلَيه، وقال: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُسبِّحُ على الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عليها، غيرَ أَنَّه لَا يُصلِّي عليها المَكتُوبَةَ» (٥)، فلو كان واجِبًا لَمَا صلَّاه على الرَّاحِلةِ كالفَرائِضِ. فبانَ بذلك أنَّه نافِلةٌ وسُنَّةٌ؛ لِإجماعِهم على أنَّه لا يَجوزُ ذلك في المَكتوبةِ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه مالِك في «الموطأ» (٢٦٨)، وأبو داود (٤٢٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه التِّرمذي (٤٥٣)، وابنُ ماجه (١١٦٩).
(٣) رواه البُخاري (٤٦)، ومُسلم (١١).
(٤) رواه البُخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٧٠٠)، واللَّفظ له.
(٥) رواه البُخاري (١٣٣١)، ومُسلم (١٩).
وقد قال النَّبيُّ ﷺ لِمُعاذٍ لمَّا بعَثَه إلى اليَمَنِ، وكان هذا في آخرِ عَهدِ النَّبيِّ ﷺ: «أَعلِمهُم أَنَّ اللَّهَ افتَرَضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ في كلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ» (١). ولو كان الوِترُ واجِبًا لَصارَ المَفروضُ سِتَّ صَلواتٍ في كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، ولأنَّ عَلَاماتِ السُّننِ فيها ظاهِرةٌ؛ فإنَّها تُؤدَّى تَبَعًا لِلعِشاءِ، والفَرضُ ما لا يَكونُ تَبَعًا لِفَرضٍ آخرَ، وليس لها أذانٌ، ولا إقامةٌ، ولا جَماعةٌ، ولِفرائِضِ الصَّلواتِ أذانٌ، وإقامةُ جَماعةٍ، وهذا مِنْ أماراتِ السُّننِ (٢).
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو بَكرِ بنُ جَعفَرٍ مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّ الوِترَ واجِبٌ، وليس بفَرضٍ؛ لأنَّه لا يكفرُ جاحِدُه، واستُدلَّ له برِاويةِ خارِجةَ بنِ حُذافةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَعالَى زادَكُم صَلاةً، أَلَا وَهي الوِترُ؛ فَصَلُّوهَا ما بينَ العِشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ» (٣).
(١) رواه البُخاري (١٣٣١)، ومُسلم (١٩).
(٢) «بَدائع الصَّنائع» (١/ ٢٧٠، ٢٧١)، و «معاني الآثار» (٢/ ٢٢٢، ٢٢٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٦٨)، و «العناية» (٢/ ١٨١)، و «الاستذكار» (٢/ ١١٤، ١١٥)، و «التَّمهيد» (٢٣/ ٢٨٨)، و «شَرح ابن بطال» (٢/ ٥٨٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٣٢)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٢٧٨، ٢٨٠)، و «حِلية العلماء» (٢/ ١١٤)، و «المجموع» (٥/ ٣٤، ٣٩)، و «شرح مسلم» (٥/ ٢١١)، و «فتح الباري» (٢/ ٤٨٩)، و «المغني» (٢/ ٣٥٦، ٣٥٨)، و «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٢١١، ٢٦٦)، و «المُبدع» (٢/ ٣)، و «كشاف القناع» (١/ ٤١٥).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٤١٨)، وابن ماجه (١١٦٨)، وغيرُهما بلفظ: خَرَجَ علينا رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ قد أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ، وَهِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الوِترُ؛ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَينَ العِشَاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ».
والاستِدلالُ به مِنْ وجهَينِ:
أحدُهما: أنَّه أمرَ بها، ومُطلَقُ الأمرِ لِلوُجوبِ.
والآخَرُ: أنَّه سَمَّاها زِيادةً، والزِّيادةُ على الشَّيءِ لا تُتصوَّرُ إلَّا مِنْ جِنسِه، فأمَّا إذا كان غيرَه فإنَّه يَكونُ قِرَانًا، لا زيادةً، ولأنَّ الزيادةَ إنَّما تُتصَوَّرُ على المُقدَّرِ، وهو الفَرضُ، فأمَّا النَّفلُ فليس بمُقدَّرٍ، فلا تَتحقَّقُ الزِّيادةُ عليه، ولا يُقالُ: إنَّها زيادةٌ على الفَرضِ، لكِن في الفِعلِ، لا في الوُجوبِ؛ لأنَّهم كانوا يَفعلونَها قبلَ ذلك، ألَا تَرى أنَّه قال: ألَا وهي الوِترُ؟ ذكرَها مُعرَّفةً بحَرفِ التَّعريفِ، ومِثلُ هذا التَّعريفِ لا يَحصلُ إلا بالعَهدِ؛ ولِذا لم يَستَفسِروها، ولو لم يكن فِعلُها مَعهودًا لاستَفسَروا، فدلَّ على أنَّ ذلك في الوُجوبِ، لا في الفِعلِ، ولا يُقالُ: إنَّها زِيادةٌ على السُّننِ؛ لأنَّها كانت تُؤدَّى قبلَ ذلك بطَريقةِ السُّنةِ.
ورُويَ عن عائِشةَ رضي الله عنها عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «أَوتِرُوا يا أَهلَ القُرآنِ؛ فَمَنْ لم يُوتِر فليس مِنَّا» (١)، ومُطلَقُ الأمرِ لِلوُجوبِ، وكذا التَّوعُّدُ على التَركِ دَليلُ الوُجوبِ، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «الوِترُ حَقٌّ واجِبٌ، فَمَنْ لم يُوتِر فليس مِنَّا» (٢).
ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه سُنَّةٌ -كما تَقدَّم-، وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّه فَرضٌ، لكن قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: «مُرادُه بكَونِه سُنَّةً: أنَّه ثَبت بالسُّنةِ،
(١) هذا الحديث حديثان، رواهما أبو داود (١٤١٦، ١٤١٩)، وغيرُه، وضَعَّفَهما الشيخ الألباني رحمة الله عليه، في ضعيف أبي داود.
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (١٤١٩)، وأحمد (٥/ ٣٥٧)، وغيرُهما.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل في أنواع الصلاة الواجبة ومنها صلاة الوتر
يَكُونَ الْمُقِيمُ لَهَا عَلَى أَحْسَنِ وَصْفٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَوْ قَالَ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» ؛ وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ» ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ فَتَأْوِيلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْرَقُونَ فِيهِ وَالْمَسْجِدُ قَرِيبُ السَّمْكِ فَكَانَ يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ بَعْضٍ فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ لِهَذَا، ثُمَّ اُنْتُسِخَ هَذَا حِينَ لَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَمْ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ، قَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَدَّاةٌ بِشَرَائِطَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا فَلَهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْغُسْلِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ يَصِيرُ مُدْرِكًا لَهَا، وَكَذَا إذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فَأَمَّا إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ…
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب المواقيت
باب المواقيتِ
أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)
بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها -صلى اللَّه عليه وسلم-حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الهَجِيرَ التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه ، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب الثاني في ركعتي الفجر
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ نَامَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ ثَانِيَةً، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا وَتَرَانِ فِي لَيْلَةٍ» . خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَشْفَعُ الْوِتْرَ الْأَوَّلَ بِأَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَيُوتِرَ أُخْرَى بَعْدَ التَّنَفُّلِ شَفْعًا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ التِي يَعْرِفُونَهَا بِنَقْضِ الْوَتْرِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ يَنْقَلِبُ إِلَى النَّفْلِ بِتَشْفِيعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَفُّلَ بِوَاحِدَةٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنَ الشَّرْعِ.
وَتَجْوِيزُ هَذَا وَلَا تَجْوِيزُهُ هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: فَمَنْ رَاعَى مِنَ الْوِتْرِ الْمَعْنَى الْمَعْقُولَ وَهُوَ ضِدُّ الشَّفْعِ قَالَ: يَنْقَلِبُ شَفْعًا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ. وَمَنْ رَاعَى مِنْهُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ قَالَ: لَيْسَ يَنْقَلِبُ شَفْعًا لِأَنَّ الشَّفْعَ نَفْلٌ وَالْوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ
الْبَابُ الثَّانِي
فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ سُنَّةٌ لِمُعَاهَدَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى فِعْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَلِتَرْغِيبِهِ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ قَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ:
ارجع إلى صلاة التطوع للاطلاع على جميع المسائل.