الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > إقامة جماعتين في مسجد في وقت واحد
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 26 دقيقة قراءةسَعيدٍ أنَّ رَجلًا دخلَ المَسجدَ وقد صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ بِأصحَابِه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يَتصدَّقُ على هذا فيُصلِّيَ معه»، فَقامَ رَجلٌ مِنْ القَومِ فَصلَّى معه (١)، ولِأَنَّه قادِرٌ على الجَماعةِ فاستُحِبَّ له فِعلُها كما لو كانَ المَسجدُ في مَمرِّ النَّاسِ، وهذا في غيرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ.
فأمَّا إعادةُ الجَماعةِ في المَساجِدِ الثَّلاثَةِ فقد رُويَ عن أحمدَ كَراهةُ إعادةِ الجَماعةِ فيها؛ لئلَّا يَتوانَى النَّاسُ في حُضورِ الجَماعةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ فيها إذا أمكَنَتهم الصَّلاةُ في الجَماعةِ مع غيرِه.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وظاهرُ خَبرِ أبي سَعيدٍ وأبي أُمامةَ -أي: الحَديثِ المُتقدِّمِ- أنَّ ذلك لا يُكرَه؛ لأنَّ الظاهِرَ: أنَّ هذا كان في مَسجدِ النَّبيِّ ﷺ، والمَعنى يَقتَضيه أيضًا؛ فإنَّ فَضيلةَ الجَماعةِ تَحصُلُ فيها كحُصولِها في غيرِها (٢).
إقامةُ جَماعتَينِ في مَسجدٍ في وَقتٍ واحدٍ:
ذَهب الفُقهاءُ إلى أَنَّه إذا كانَ لِلمَسجدِ إمامٌ راتِبٌ فأقامَ لِلصَّلاةِ، فلا يَجوزُ لِإمامٍ آخرَ أن يُقيمَ مَعه ويُصلِّيَ بآخَرينَ في الوقتِ نَفسِه، فقد نقلَ الحطَّابُ عن الإمامِ أبي القاسِمِ بنِ عَبد الرَّحمنِ بنِ الحُسَينِ بنِ عَبد اللَّهِ بنِ الحُبابِ أَنَّه قالَ بعدَ أن ذكرَ كَلامًا: وأمَّا حُضورُ جَماعتَينِ أو أكثرَ في مَسجدٍ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: سَبَقَ تخريجه.
(٢) «المغني» (٢/ ٣٨٢)، و «فتح الباري» لابن رجب (٤/ ٢٤، ٢٦)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٥٧)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٦١٧).
واحدٍ، ثم تُقامُ الصَّلاةُ، فيَتقدَّمُ الإمامُ الرَّاتبُ فيُصلِّي وأولئكَ عُكوفٌ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ تَدعوهم إلى ذلك، تاركونَ لِإقامةِ الصَّلاةِ مع الإمامِ الرَّاتبِ، مُتشاغِلونَ بالنَّوافِلِ والحَديثِ حتى تَنقَضيَ صَلاةُ الأوَّلِ، ثم يَقومُ الذي يَليهِ وتَبقى الجَماعةُ الأُخرى على نحوِ ما ذكَرنا، ثم يُصَلُّونَ، أو تَحضُرُ الصَّلاةُ الواحدةُ، كالمَغربِ، فيُقيمُ كلُّ إمامٍ الصَّلاةَ جَهرًا يَسمَعُها الجَميعُ، ووُجوهُهم مُتَرائِيةٌ، والمُقتَدونَ بهم مُختَلِطونَ في الصُّفوفِ، ويَسمَعُ كلُّ واحدٍ مِنْ الأئمَّةِ قِراءةَ الآخَرينَ، ويَركَعونَ ويَسجُدونَ، فَيَكونُ أحَدُهم في الرُّكوعِ والآخَرُ في الرَّفعِ منه، والآخَرُ في السُّجودِ، فالأمَّةُ مُجمِعةٌ على أنَّ هذه الصَّلاةَ لا تَجوزُ، وأقَلُّ أحوالِها أن تَكونَ مَكروهةً.
ثم قالَ في مَوضِعٍ آخرَ: فأمَّا إقامةُ صَلاةٍ واحدةٍ بإمامَين راتِبَينِ يَحضُرُ كلُّ واحدٍ مِنْ الإمامَينِ فيَتقدَّمُ أحَدُهما، وهو الذي رُتِّبَ لِيُصلِّيَ أوَّلَ، وتَجلِسُ الجَماعةُ الأُخرى وإمامُهم عُكوفًا حتى يَفرُغَ الأوَّلُ، ثم يُقيمونَ صَلاتَهم، فهذا ممَّا لم يَقُل به أحَدٌ، ولا يُمكِنُ أحدًا أن يَحكيَ مثلَ هذا القولِ عن أحَدٍ مِنْ الفُقهاءِ، لا فِعلًا ولا قَولًا، فكيف بإمامَينِ يُقيمانِ الصَّلاةَ في وَقتٍ واحدٍ، يَقولُ كلُّ واحدٍ منهما: حَيَّ على الصَّلاةِ، ويُكبِّرُ كلُّ واحدٍ منهما، وأهلُ القُدوةِ مُختَلِطونَ، ويَسمَعُ كلُّ واحدٍ قِراءةَ الآخَرِ، فهؤلاء زادوا على الخِلافِ الذي لِسَلفِ الأمَّةِ وخَلَفِها، وخالَفُوا قولَ رَسولِ اللهِ ﷺ: «لَا يَجهَر بَعضُكُم على بَعضٍ بِالقُرآنِ» (١)، واللهِ لم
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالِك في «الموطأ» (١٧٧)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٣٦، ٦٧)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣٦٠، ٨٠٩١).
يَرضَ هذا رَسولُ اللهِ ﷺ لِلمُتنَفِّلينَ تنَفُّلًا في المَسجدِ، بل لم يَرضَه لِمُقتَدٍ اقتَدَى به فصلَّى خلفَه، فكيفَ يَرضَى ذلك لِلإمامَينِ مُنفرِدَينِ، هذا ممَّا لم نَعلم له نَظيرًا في قَديمٍ ولا حَديثٍ.
ثم قالَ في مَوضِعٍ آخرَ: فأمَّا إقامةُ صَلاةِ المَغربِ وصَلاةِ العِشاءِ في شَهرِ رَمضانَ في وَقتٍ واحدٍ فلم يَستَحسِنها أحَدٌ مِنْ العُلماءِ، بل استَقبَحَها كلُّ مَنْ سُئلَ عَنها، ومنهم مَنْ بادَرَ بالإنكارِ مِنْ غيرِ سُؤالٍ.
ثم قالَ: وأمَّا إذنُ الإمامِ في ذلك فلا يُصَيِّرُه جائِزًا، كما لو أذِنَ الإمامُ لِلمالِكِيِّ في بَيعِ النَّبيذِ، أو التَّوَضِّي به، أو في أن يَؤُمَّ قَومًا ولا يَقرأَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو في النِّكاحِ بغيرِ وَلِيٍّ، وأطالَ في ذلك، وذكرَ أنَّ الشَّيخَ أبا بَكرٍ الطُّرطُوشيَّ، والشَّيخَ يَحيَى الزَّناتِيَّ أنكَرا هذه الصَّلاةَ، وأَنَّهما لم يُصلِّيَا خلفَ إمامِ المالِكيَّةِ في الحَرمِ الشَّريفِ رَكعةً واحدةً.
قالَ: وكانَ إمامُ المالِكيَّةِ في ذلك الوقتِ غيرَ مَغمُوصٍ عليه بوَجهٍ مِنْ وُجوهِ الفَسادِ، وهو رَزينٌ في أيَّامِ الزَّناتيِّ، والقابِسِيُّ في أيَّامِ الطُّرطُوشيِّ.
ثم قالَ: وحالُ هذَينِ الرَّجلَينِ مَشهورٌ عن أقرانِنا، ومَن قبلَنا بيَسيرٍ.
ثم ذكرَ عن جَماعةٍ مِنْ عُلماءِ المالِكيَّةِ والحَنفيَّةِ، وَرَدُوا إلى مَكةَ في سَنَةِ إحدى وخَمسينَ وخَمسِمِئةٍ، أَنَّهم أنكَروا صَلاةَ الأئمَّةِ الأربَعةِ مُتَرَتِّبِينَ على الصِّفةِ المَعهودةِ، وأَنَّه عَرَضَ ما أملَاه في عدمِ جَوازِ هذه الصَّلاةِ، وأنكَرَ إقامَتَها على جَماعةٍ مِنْ العُلماءِ، وأَنَّهم وافَقوه على أنَّ المَنعَ مِنْ ذلك
هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، انتَهى مُختَصَرًا أغلَبُه بالمَعنى.
وقال الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ الغَسانِيُّ رحمة الله عليه: إنِ افتَرَقَ الجَماعةُ عندَ الإقامةِ على أئِمَّةٍ مُتَعَدِّدةٍ، إمامٍ ساجِدٍ، وإمامٍ راكِعٍ، وإمامٍ يَقولُ: سمِع اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، لم يُوجَد مَنْ ذكرَه مِنْ الأئمَّةِ، ولا أذِنَ به أحَدٌ بعدَ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام، لا مَنْ صحَّت عَقيدَتُه، ولا مَنْ فَسَدَت، لا في سَفرٍ، ولا في حَضرٍ، ولا عندَ تَلَاحُمِ السُّيوفِ وتَضامِّ الصُّفوفِ في سَبيلِ اللهِ، ولا يُوجَدُ في ذلك أثَرٌ لِمَنْ تَقدَّم، فيَكونَ له به أُسوةٌ. انتَهى.
وسُئلَ القاضي جَمالُ الدِّينِ بنُ ظُهَيرةَ: عن إقامةِ الأئمَّةِ الأربَعةِ لِصَلاةِ المَغربِ في وَقتٍ واحدٍ، وقالَ القائِلُ في السُّؤالِ: إنَّ ذلك لم يكن في زَمنِ النُّبُوَّةِ، ولا الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، ولا في زَمنِ الأئمَّةِ الأربَعةِ.
فأجابَ: بأنَّ صَلاةَ الأئمَّةِ الأربَعةِ المَغربَ دُفعةً واحدةً مِنْ البِدَعِ الفَظيعةِ، والأُمورِ الشَّنيعةِ التي لم يَزَلِ العُلماءُ يُنكِرُونَها في الحَديثِ والقَديمِ، ويَرُدُّونَها على مُختَرِعِها، القادِمِ منهم والمُقيمِ.
ثم ذكرَ كَلامَ ابنِ الحُبابِ الذي ذكَرناه، وكَلامَ الغَسانيِّ، ثم قالَ: وقد كَفانا هذانِ الرَّجلانِ في هذه المَسألةِ، وفيما نقلَه الأوَّلُ منهما مِنْ إجماعِ الأمَّةِ وكَلامِ الأئمَّةِ كِفايةٌ.
قالَ: وقد أخبَرَني بَعضُ أهلِ العِلمِ أَنَّه اجتَمعَ مع الشَّيخِ الإمامِ العَلَّامةِ عالِمِ المَغربِ في وقتِه المُجمَعِ على عِلمِه ودِينِه وفَضيلَتِه، أبي عَبد اللهِ بنِ عَرَفةَ في حَجَّتِه عامَ اثنَينِ وتِسعِينَ وسَبعِمِئةٍ بالمَسجدِ الحَرامِ، فإِنَّه لمَّا رَأى اجتِماعَ الأئمَّةِ الأربَعةِ في صَلاةِ المَغربِ أنكَرَ ذلك، وقالَ: إنَّ ذلك لا يَجوزُ
بإجماعِ المُسلِمينَ، لا أعلَمُ بينَهم في ذلك اختِلافًا. انتَهى. وقالَ الحَطَّابُ بعدَ أن ذكرَ باقيَ كَلامِه نَقلًا عن والِدِه: فإنَّه لمَّا سُئلَ عن ذلك بما صُورتُه: أمَّا اجتِماعُ إمامَينِ بجَمَاعَتَينِ في صَلاةٍ واحدةٍ وفي وَقتٍ واحدٍ في مَسجدٍ واحدٍ فهذا لا يَجوزُ … إلخ (١).
وجاءَ في كِفايةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ: (ويُكرَهُ) كَراهةَ تَنزيهٍ (في كلِّ مَسجدٍ له إمامٌ راتِبٌ أن تُجمعَ فيه الصَّلاةُ مرَّتينِ) قبلَ الإمامِ الرَّاتبِ، أو معَه، أو بعدَه؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى التَّباغُضِ والتَّشاجُرِ بينَ الأئمَّةِ.
قالَ العدويُّ في «حاشِيَتِه»: قولُه: (أو معَه) ضَعيفٌ؛ لمَا ذكرَه (أي: الشَّيخُ علِيُّ بنُ مُحمدٍ الجَوهَريُّ) مِنْ أنَّ المَذَهب أَنَّه يَحرمُ أن يُصلِّيَ أحَدٌ صَلاةً حالَ صَلاةِ الإمامِ الرَّاتبِ لها، سَواءٌ صلَّاها مُنفرِدًا، أو جَماعةً. أه (٢).
وقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: إذا أقامَ أحَدُهمُ الصَّلاةَ مع صَلاةِ الآخَرِ فهذا لا نِزاعَ في حُرمَتِه (٣).
وما ذكرَه هؤلاء العُلماءُ مِنْ عدمِ جَوازِ جَماعتَينِ في وَقتٍ واحدٍ في مَسجدٍ واحدٍ، إنَّما ذلك إذا كانَ لِلمَسجدِ إمامٌ راتِبٌ، أو كانتِ الجماعَتانِ عن قَصدٍ، وهُما يَعلَمانِ ذلك، أمَّا إذا كانتِ الجماعَتانِ في مَسجدٍ ليس له إمامٌ راتِبٌ أو كانَتا مِنْ غيرِ قَصدٍ، أو كانَ المَسجدُ مَطروقًا؛ فإنَّ لِلعُلماءِ في ذلك أقوالًا.
(١) «مواهب الجليل» (٢/ ١٠٩، ١١٢).
(٢) «حاشية العدوي» (١/ ٣٨٨)، و «الثمر الداني» (١/ ١٥٧).
(٣) «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٣٣٢)، و «بُلغة السالك» (١/ ٢٩١).
فقد قالَ الحطَّابُ: لو صلَّى جَماعتانِ بإمامَينِ في مَسجدٍ واحدٍ أساؤُوا، وصحَّت صَلاتُهم، قالَه في التَّوضيحِ (١).
وقالَ أيضًا: قالَ البُرزُلِيُّ في مسائِلِ الصَّلاةِ في سُؤالِ قَصرِ المَسيرِ، وجَوابِ أبي مُحمدٍ لِأهلِه … فمِن جُملةِ ذلك.
وأمَّا الذين يُصَلُّونَ في وَقتٍ واحدٍ بإمامَينِ، ويَتبَعُ كلَّ إمامٍ طائِفةٌ، وهُما مُتقارِبانِ، فيُشكِلُ على كلِّ طائِفةٍ هل يَتبَعُونَ إمامَهم أو غيرَه فيما يَسمَعونَ مِنْ التَّكبيرِ وغيرِه، فهذا لا يَجوزُ، وصَلاةُ مَنْ صلَّى ممَّن صارَ في شَكٍّ: هلِ اتَّبعَ إمامَه أو غيرَه، فاسِدةٌ، ولو أيقَنَ أَنَّه اتَّبعَ إمامَه إلا أَنَّه في شُغُلٍ عن مُراعاةِ ذلك، قد شَغَلَه التَّكلُّفُ فيه، فهذا لا يَنبَغي، ولكلِّ إمامٍ أن يَتحَرجَ مِنْ هذا، إن تَعيَّن بفِعلِه في فَسادِه لِصَلاةِ النَّاسِ، ولكِن يُقدَّمُ أحَدُهما فيُصلِّي قبلَ الآخَرِ، ثم يُصلِّي الآخَرُ إن كانَ في الوقتِ سَعَةٌ، وإن كانَ في الوقتِ ضِيقٌ مثلَ صَلاةِ المَغربِ وكان يُشكِلُ عليهم ذلك فلا يَنبَغي ذلك، وليَنضَمُّوا إلى إمامٍ واحدٍ، ويَتحَاشَوا إلى المَسجدِ الكَبيرِ، ولا تُدخِل نَفسَكَ فيما تَشُكُّ فيه، انتَهى. قُلتُ: أي: الحَطَّابُ: وهذا في غيرِ المَسجدِ الذي له إمامٌ راتِبٌ، واللهُ أعلَمُ (٢).
أمَّا الشافِعيَّةُ فقد سُئلَ شِهابُ الدِّينِ الرَّملِيُّ رحمة الله عليه: هل تُكرَهُ إقامةُ جَماعتَينِ في حالةٍ واحدةٍ في مَسجدٍ مَطروقٍ، إذا كانَ له إمامٌ راتِبٌ بغيرِ إذنِه أو لا؟
(١) «مواهب الجليل» (٢/ ١١٢).
(٢) «مواهب الجليل» (٢/ ١١٣).
فأجابَ: لا تُكرَهُ، وهو مَفهومٌ بالأَولى مِنْ نَفيِ كَراهةِ إقامةِ جَماعةٍ فيه قبلَ إمامِه، وعِبارةُ التَّحقيقِ إن كانَ لِلمَسجدِ إمامٌ راتِبٌ وليس مَطروقًا كُرِهَ لغيرِ إمامِه إقامةُ الجَماعةِ فيه، ويُقالُ: لا، إن أُقيمَت بعدَ فَراغِ الإمامِ، وإلَّا فلا، وعِبارةُ الرَّوضِ: ويُكرَهُ أن تُقامَ جَماعةٌ في مَسجدٍ بغيرِ إذنِ إمامِه، إلا إذا كانَ مَطروقًا، وعبارةُ جامِع المُختصَراتِ: وتُكرَهُ الجَماعةُ بذي راتِبٍ لا يُطرَقُ، ولو بعدَه في الأصَحِّ. اه.
ومَا صرَّح به في التَّتمَّةِ مِنْ كَراهةِ عَقدِ جَماعتَينِ في حالةٍ واحدةٍ مَحَلُّه في غيرِ المَطروقِ؛ فإنَّ أكثرَهم صرَّح بكَراهةِ القَبليَّةِ والبَعدِيَّةِ، وسكتَ عن المُقارَنةِ (١).
(١) «فتاوى الرَّملي» (٢/ ٩٦)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ١٤١)، و «حاشية الجمل» (١/ ٥٠٥) قُلتُ: وقد سُئِلَ الشَّيخ ابنُ عُثَيمينَ رحمة الله عليه في «مَجموع فتاويه» (١٥/ ٤٢): ما حُكمُ مَنْ يُقيمُ جَماعةً ثانيةً في المَسجِدِ، عِلمًا بأنَّ الجَماعةَ الأُولى لم تَنْتَهِ مِنَ الصَّلاةِ؟ وهل تُعَدُّ صَلاتُهم باطِلةً؟ فأجابَ رحمة الله عليه بقَولِه: الأولى إذا جِئتَ والإمامُ في التَّشَهُّدِ الأخِيرِ وأنتَ مَعَكَ جَماعةٌ، ألَّا تَبدَؤُوا بالصَّلاةِ حتى تَتِمَّ الجَماعةُ، والأولَى لِئَلَّا يَجتَمِعَ جَماعَتانِ في آنٍ واحِدٍ، ولكِن إذا فَعَلوا ذلك، وكانوا بَعيدينَ مِنَ الجَماعةِ الأُولى، لا يُشَوِّشونَ عليهم، فلا بَأسَ بهذا. انتَهَى كَلامُه رحمة الله عليه.
أقولُ وباللهِ تَعالى التَّوفيقُ: أمَّا إذا كانت كِلتَا الجَماعَتَينِ جَماعةً ثانيةً، وليسَت إحداهما الجماعةَ الأصليةَ لِلمَسجِدِ، وفُوجِئَت كُلُّ منهما بأنَّ هناكَ جَماعةً أُخرى في المَسجِدِ، وكانَ هذا مِنْ غَيرِ قَصدٍ، فعلى كِلتا الجَماعَتَينِ أن تُتِمَّ كُلُّ واحِدةٍ منهما صَلاتَها، ولا يَقطَعَ إمامُ واحِدةٍ منهما صَلاتَه، حتى لو تأكَّد أنَّ الجَماعةَ الأُخرى أسبَقُ مِنْ جَماعَتِه؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وليس هُناكَ نَصٌّ صَريحٌ يَمنَعُ مِنْ إقامةِ جَمَاعَتَينِ في وَقتٍ واحِدٍ، إذا كانَتا بهذه الكَيفيَّةِ، بل لقد جاءَ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو ما رَوَته عائِشةُ رضي الله عنها قالَت: «كانَ الناسُ يُصَلُّونَ في مَسجِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ في رَمَضَانَ بِاللَّيلِ أَوزَاعًا، يَكُونُ مع الرَّجُلِ شَيءٌ مِنَ القُرآنِ، فَيَكُونُ معه النَّفَرُ الخَمسَةُ أَوِ السِّتَّةُ أو أَقَلُّ مِنْ ذلك أو أَكثَرُ، فيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ». رواه أحمد في «المسند» (٦/ ٢٦٧)، واللَّفظ له، وأبو داود (١٣٧٤)، وصَحَّحَه الألباني في «صَلاة التَّراويح» (١/ ١١).
ورَوى البخاري (١٩٠٦) عن عبد الرحمن بنِ عَبد القارِيِّ قالَ: «خَرَجتُ مع عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه لَيلَةً في رَمَضَانَ إلى المَسجِدِ، فإذا الناسُ أَوزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهطُ … » الحَديثَ. فهذانِ الدَّليلانِ يَدُلَّانِ على جَوازِ أكثَرَ مِنْ جَماعةٍ في مَسجِدٍ واحِدٍ، واللهُ تَعالى أعلَمُ، ولكِن لا يُتَعَمَّدُ إنشاءُ جَماعةٍ أُخرى مع وُجودِ جَماعةٍ؛ لِمَا في ذلك مِنْ تَفريقِ الصُّفوفِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره)
(بَابُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ مِنْ مسجدٍ وغيره)
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: وَإِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِقَوْمٍ أَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْعَبَّاسِ " قال المزني " يقول كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد علي فساد إمامي ولو كان معناي في إفساده معناه لما جاز أن يحدث فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته واتباعي له ولم تبطل صلاتي ولا طهارتي بانتقاض طهره "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي إِمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَحْدَهُ فَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ
وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ بِكُلِّ حَالٍ كَالْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ مَعَهُ وغلط عَلَيْهِ فَأَلْزَمَهُ حَدَثَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب الرابع في ركعتي دخول المسجد
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ
الْبَابُ الرَّابِعُ
فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهَا.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلِ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
فَمَنْ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الْأَوَامِرِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى النَّدْبِ، وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ يَنْقُلُ الْحُكْمَ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ وَاجَبَتَانِ.
ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.