الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة

الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 15 دقيقة قراءة

الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة الجماعة - الأقوال والأدلة

وأمَّا حَديثُ أبي بَكرَةَ فليس فيه أَنَّه صلَّى مُنفرِدًا خلفَ الصَّفِّ قبلَ رَفعِ الإمامِ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ، فقد أدرَكَ مِنْ الاصطِفافِ المَأمُورِ به ما يَكونُ به مُدرِكًا لِلرَّكعةِ، فهو بمَنزِلةِ أن يَقِفَ وَحدَه، ثم يَجيءَ آخَرُ فيُصَافَّه في القِيامِ؛ فإنَّ هذا جائِزٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وحَديثُ أبي بَكرَةَ فيه النَّهيُ بقولِه: «ولا تَعُد»، وليس فيه أَنَّه أمرَه بإعادةِ الرَّكعةِ، كما في حَديثِ الفَذِّ؛ فإنَّه أمرَه بإعادةِ الصَّلاةِ، وهذا مُبيَّنٌ مُفسَّرٌ، وذلك مُجمَلٌ حتى لو قُدِّرَ أَنَّه صرَّح في حَديثِ أبي بَكرةَ بأَنَّه دخلَ في الصَّفِّ بعدَ اعتِدالِ الإمامِ، كما يَجوزُ ذلك في أحَدِ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه؛ لكانَ سائِغًا في مِثلِ هذا دونَ ما أمرَ فيه بالإعادةِ؛ فهذا له وَجهٌ، وهذا له وَجهٌ.

وأمَّا التَّفريقُ بينَ العالِمِ والجاهِلِ، كقَولٍ في مَذهبِ أحمدَ، فلا يَسوغُ؛ فإنَّ المُصلِّي المُنفرِدَ لم يكن عالِمًا بالنَّهي، وقد أمرَه بالإِعادَةِ، كما أمرَ الأعرابِيَّ المُسيءَ في صَلاتِه بالإعادةِ (١).

الأعذارُ التي تُبيحُ التَّخلُّفَ عن صَلاةِ الجَماعةِ:

الأعذارُ التي تُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ منها ما هو عامٌّ، ومنها ما هو خاصٌّ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:

أولًا: الأعذارُ العامَّةُ:

أ- المَطَرُ الشَّديدُ الذي يَشُقُّ معه الخُروجُ لِلجَماعةِ، ويَحمِلُ النَّاسَ على تَغطيةِ رُؤُوسِهم.

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٩٣)، وما بَعدَها.

ب- الرِّيحُ الشَّديدةُ في اللَّيلةِ المُظلِمةِ دونَ النَّهارِ.

ج- البَردُ الشَّديدُ لَيلًا أو نَهارًا، والحَرُّ الشَّديدُ في الظُّهرِ، والمُرادُ البَردُ أو الحَرُّ الذي يَخرُجُ عمَّا ألِفَه النَّاسُ، أو ألِفَه أصحابُ المَناطقِ الحارَّةِ أو البارِدةِ.

د- الوَحلُ الشَّديدُ الذي يَتأَذَّى به الإنسانُ في نَفسِه وثِيابِه، ولا يَأمَنُ معه التَّلوُّثَ.

هـ- الظُّلمةُ الشَّديدةُ، والمُرادُ بها كَونُ الإنسانِ لا يُبصِرُ طَريقَه إلى المَسجدِ.

قال ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: والظَّاهرُ أَنَّه لا يُكلَّفُ إيقادَ نحوِ سِراجٍ، وإن أمكَنَه ذلك.

والدَّليلُ على كَونِ هذه الأعذارِ تُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ ما رَواه نافِعٌ عن ابنِ عمرَ أَنَّه نَادَى بِالصَّلاةِ في لَيلَةٍ ذَاتِ بَردٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فقالَ في آخرِ نِدَائِهِ: ألَا صَلُّوا في رِحَالِكُم، ألَا صَلُّوا في الرِّحَالِ. ثم قالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يَأمُرُ المُؤذِّنَ إذا كانَت لَيلَةٌ بارِدَةٌ، أو ذَاتُ مَطَرٍ في السَّفرِ أَنْ يَقولَ: «ألَا صَلُّوا في رِحَالِكُم» (١).

وعن جابرٍ رضي الله عنه قالَ: خرَجنَا مع رَسولِ اللهِ في سَفرٍ، فَمُطِرنَا، فقالَ: «لِيُصلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ في رَحلِه» (٢). وعن عَبد اللهِ بنِ الحارِثِ عن عَبد اللهِ بنِ عباسٍ أَنَّه قالَ لِمُؤذِّنِه في يَومٍ مَطيرٍ: «إذا قُلتَ: أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ، فلا تَقُلْ: حَيَّ على الصَّلاةِ، قُلْ: صَلُّوا

(١) رواه البُخاري (٦٠٦)، ومُسلم (٦٩٧)
(٢) رواه مُسلم (٦٩٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب فضل الجماعة والعذر بتركها)

(بَابُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَالْعُذْرِ بِتَرْكِهَا)

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بسبع وعشرين درجة ". قال الشافعي: " ولا أُرخِّصُ لمن قدَر على صلاةِ الجماعةِ في تركِ إتيانها إلا من عُذر "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لِلْجُمُعَةِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَمَاعَةُ لَهَا فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ أَمْ سُنَّةٌ؟ فَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهَا فَرَضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ

وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالْجُمُعَةِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منهم معك} النساء: ١٠٢ الْآيَةَ

فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ، وَالشِّدَّةِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي تَرْكِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِهَا

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل صلاة الجمعة

أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى الرُّجُوعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ إنْ ثَبَتَ نَصًّا لِكَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى إصْلَاحِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ وَالْحَاجَةُ هَهُنَا مُتَحَقِّقَةٌ فَيَجُوزُ وَقَوْلُهُ إنَّ بَيْنَ كَوْنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ تَابِعًا وَمَتْبُوعًا مُنَافَاةٌ قُلْنَا: فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مُسَلَّمٌ أَمَّا فِي شَيْئَيْنِ فَلَا وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ مُتَغَايِرَةٌ حَقِيقَةً فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ تَابِعًا فِي بَعْضِهَا وَمَتْبُوعًا فِي بَعْضٍ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَجَزِّئَةٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ مُتَغَايِرَةٌ إلَّا فِي حَقِّ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً فَارْتِفَاعُهُ يَكُونُ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ، وَفِي حَقِّ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ قَامَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ فَغَيَّرَهَا فَلَمْ تَبْقَ مُتَبَعِّضَةً مُتَجَزِّئَةً فِي حَقِّهِمَا، فَأَمَّا فِي حَقِّ التَّبَعِيَّةِ وَالْمَتْبُوعِيَّةِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْحَاجَةِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَفِي أَوَانِ الْحَاجَةِ لَا إجْمَاعَ، وَالْحَقَائِقُ تَتَبَدَّلُ بِقَدْرِ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلتَّغَيُّرِ وَالتَّبَدُّلِ وَلَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ حَيْثُ جَوَّزَ الِاسْتِخْلَافَ فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عِنْدَ الْحَاجَةِ جَائِزٌ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ مَرَّةً تَابِعًا وَمَرَّةً مَتْبُوعًا غَيْرُ مَانِعٍ، وَيُنْظَرُ إلَى الْحَاجَةِ لَا إلَى وُرُودِ الشَّرْعِ فِي…

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب المواقيت

باب المواقيتِ

أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)

بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها -صلى اللَّه عليه وسلم-حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الهَجِيرَ التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه ، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 579 - 580

ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده