الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > تكرار الجماعة في مسجد واحد
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 12 دقيقة قراءةتَكرارُ الجَماعةِ في مَسجدٍ واحدٍ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى كَراهةِ تَكرارِ الجَماعةِ في مَسجدِ الحَيِّ الذي له إمامٌ راتِبٌ، وجَماعةٌ مَعلومونَ، وليس المَسجدُ مَطروقًا، فإن دخلَ قَومٌ في مَسجدٍ قد صلَّى فيه أهلُه فإِنَّهم يُصَلُّونَ وُحدانًا؛ لمَا رَوى أبو بَكرةَ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَقبَلَ مِنْ نَوَاحِي المَدِينَةِ يُرِيدُ الصَّلاةَ، فَوجدَ النَّاسَ قَدْ صَلوا، فَمَالَ إِلَى مَنزِلِه، فَجَمعَ أَهلَهَ، فَصلَّى بِهم» (١)، فلو كانَ يَجوزُ إعادةُ الجَماعةِ في المَسجدِ لَمَا تركَ الصَّلاةَ في المَسجدِ، والصَّلاةُ فيه أفضَلُ؛ ولأنَّنا مَأمورونَ بتَكثيرِ الجَماعةِ، وفي تَكرارِ الجَماعةِ في مَسجدٍ واحدٍ تَقليلٌ لها؛ لأنَّ النَّاسَ إذا عَرَفوا أَنَّهم تَفوتُهمُ الجَماعةُ يُعجِّلونَ لِلحُضورِ؛ فتَكثُرَ الجَماعةُ، وإذا عَلِموا أَنَّه لا تَفوتُهم، يُؤخِّرونَ؛ فيؤدِّيَ إلى تَقليلِ الجَماعاتِ.
وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنَّ هناكَ بَعضَ التَّفاصيلِ لِكلِّ مَذهبٍ، فالحَنفيَّةُ يُقَيِّدونَ كَراهةَ التَّكرارِ -وهي عندَهم تَحريمِيَّةٌ- فيما إذا صلَّى في مَسجدِ الحَيِّ أهلُه بأذانٍ وإقامةٍ، فإذا صلَّى فيه أوَّلًا غيرُ أهلِه بدُونِ أذانٍ وإقامةٍ لا يُكرَه تَكرارُ الجَماعةِ فيه.
والكَراهةُ عندَ أبي يُوسفَ فيما إذا كانَتِ الجَماعةُ الثَّانيةُ كَثيرةً، فأمَّا إذا كانوا ثَلاثَةً أو أربَعةً فقاموا في زاويةٍ مِنْ زَوايا المَسجدِ وصَلوا بجَماعةٍ، فلا يُكرَه.
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الطَّبَراني في «الأوسط» (٤٦٠١)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ٤٥) رواه الطَّبَراني في «الكبير» و «الأوسط»، ورجاله ثِقات.
وقال ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: وعن أبي يُوسفَ: إذا لم تكُنِ الجَماعةُ على الهَيئةِ الأُولى، لا تُكرَه، وإلَّا تُكرَه، وهو الصَّحيحُ، وبالعُدولِ عن المِحرابِ تَختلِفُ الهَيئةُ.
ورُويَ عن مُحمدٍ أَنَّه إنَّما يُكرَه إذا كانَتِ الثَّانيةُ على سَبيلِ التَّداعي والاجتِماعِ، فأمَّا إذا لم يكن، فلا يُكرَهُ (١).
ويَقولُ المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلإمامِ الرَّاتبِ أن يَجمعَ ثانيًا -يَعني أن يُصلِّيَ جَماعةً- في مَسجدِه، إذا جَمعَ غيرُه -مِنْ مُؤذِّنٍ ونحوِه- قبلَه بغيرِ إذنِه، إلا أن يُؤَخر كَثيرًا؛ بحيثُ يَضُرُّ بهمُ انتِظارُه، ومِثلُه إذا أذِنَ لهمُ الجَمعُ؛ فليس له حينئِذٍ أن يَجَمعَ بعدَهم، أي: يُكرَه له ذلك؛ لِسُقوطِ مُراعاةِ حقِّه.
وإذا دخلَ جَماعةٌ المَسجدَ بعدَ الجَماعةِ يُندَبُ لهمُ الخُروجُ مِنْ المَسجدِ؛ لِيَجمَعوا في خارِجِه، أو مع إمامٍ راتِبٍ، أو في مَسجدٍ لا راتِبَ له، ولا يُصَلُّونَ في المَسجدِ أفذاذًا؛ لِفَواتِ فَضلِ الجَماعةِ، إلا أن يَكونَ اجتِماعُهم بأحَدِ المَساجِدِ الثَّلاثةِ (الحَرامِ، النَّبوِيِّ، الأقصى) فيُصَلُّونَ بها أفذاذًا؛ لِفَضلِ فَذِّها على جَماعةِ غيرِها، هذا إذا دَخَلوها فوَجَدوا إمامَها صلَّى، وأمَّا إن عَلِموا بصَلاتِه قبلَ دُخولِهم فإنَّهم يَجمَعونَ في خارِجِها، ولا يَدخُلونَها لِيُصَلُّوا أفذاذًا (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ١٥٣)، و «المبسوط» (١/ ١٣٥)، وابن عابدين (١/ ٥٥٢، ٥٥٣)، و «درر الحكام» (١/ ٣٦٩)، و «العِناية شَرح الهداية» (١٥/ ٣٤٧)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ١١٥).
(٢) «حاشية الدُّسوقي مع الشَّرح الكبير» (١/ ٣٣٢)، و «المدوَّنة» (١/ ٩٠)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٣٠)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢١٢)، و «التاج والإكليل» (٢/ ١١٣)، و «الكافي» (١/ ٥١).
والشافِعيَّةُ بعدَما ذَكَروا كَراهةَ إعادةِ صَلاةِ الجَماعةِ في المَسجدِ الذي له إمامٌ راتِبٌ قالوا: ومَن حَضرَ ولم يَجِد إلا مَنْ صلَّى، استُحِبَّ لبعضِ مَنْ حَضرَ أن يُصلِّيَ معه؛ لِتَحصُلَ له فَضيلةُ الجَماعةِ؛ لمَا رَوى أبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ رضي الله عنه أنَّ رَجلًا جاءَ وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ، فقالَ: «أَلَا رَجلٌ يَتصدَّقُ على هذا يُصلِّي معَه، فَقامَ رَجلٌ فَصلَّى معه» (١). وهذا بالنِّسبةِ لِمَسجدِ الحَيِّ الذي له إمامٌ راتِبٌ.
أمَّا المَسجدُ الذي ليس له إمامٌ راتِبٌ، أو المَسجدُ الذي في السُّوقِ، أو الطُّرقِ ومَمرِّ النَّاسِ، فلا كَراهةَ في الجَماعةِ الثَّانيةِ والثَّالثةِ، وأكثرَ، قالَ النَّوويُّ: بالإجماعِ (٢).
أمَّا الحَنابلَةُ فقد ذَهَبوا إلى عدمِ كَراهةِ تَكرارِ الجَماعةِ في مَسجدٍ واحدٍ، ولو كان مَسجدَ الحَيِّ، وله إمامٌ راتِبٌ، بل قالوا: إذا صلَّى إمامُ الحَيِّ، وحَضرَ جَماعةٌ أُخرى استُحِبَّ لهم أن يُصَلُّوا جَماعةً؛ لعُمومِ قولِه ﷺ: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٣). وفي رِوايةٍ أُخرى: «بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٤)، ولمَا رَوى أبو
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٧٤)، والتِّرمذي (٢٢٠)، وأحمد (٣/ ٥).
(٢) «المجموع» (٥/ ٢٨٦)، وانظر: «الأم» (١/ ١٣٦).
(٣) رواه البُخاري (٦١٩)، ومُسلم (٦٥٠).
(٤) رواه البُخاري (٦١٩)، ومُسلم (٦٥٠).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره)
(بَابُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ مِنْ مسجدٍ وغيره)
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: وَإِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِقَوْمٍ أَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْعَبَّاسِ " قال المزني " يقول كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد علي فساد إمامي ولو كان معناي في إفساده معناه لما جاز أن يحدث فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته واتباعي له ولم تبطل صلاتي ولا طهارتي بانتقاض طهره "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي إِمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَحْدَهُ فَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ
وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ بِكُلِّ حَالٍ كَالْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ مَعَهُ وغلط عَلَيْهِ فَأَلْزَمَهُ حَدَثَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب الرابع في ركعتي دخول المسجد
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ
الْبَابُ الرَّابِعُ
فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهَا.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلِ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
فَمَنْ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الْأَوَامِرِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى النَّدْبِ، وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ يَنْقُلُ الْحُكْمَ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ وَاجَبَتَانِ.
ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.