ثانيا: الأعذار الخاصة

الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > ثانيا: الأعذار الخاصة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 22 دقيقة قراءة

ثانيا: الأعذار الخاصة - الأقوال والأدلة

في بُيُوتِكُم. قالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ استَنكَرُوا ذَاكَ، فقالَ: أَتَعجَبُونَ من ذَا؟! قد فعلَ ذَا مَنْ هو خَيرٌ مِنِّي، إِنَّ الجمُعَةَ عَزمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهتُ أَنْ أُحرِجَكم فَتَمشُوا في الطِّينِ وَالدَّحضِ» (١).

ثانيًا: الأعذارُ الخاصَّةُ:

أ- المرَضُ: وهو المرَضُ الذي يَشُقُّ معه الإتيانُ إلى المَسجدِ لِصَلاةِ الجَماعةِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ.

وقال ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ أنَّ لِلمَريضِ أن يَتخَلَّفَ عن الجَماعاتِ مِنْ أجلِ المرَضِ؛ ولأنَّ النَّبيَّ لمَّا مَرِضَ تَخلَّف عن المَسجدِ، وقالَ: «مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ بِالنَّاسِ» (٢).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: ومِنَ الأعذارِ في تَركِ الجَماعةِ أن يَكونَ به مرَضٌ يَشُقُّ معه القَصدُ، وإن كانَ يُمكِنُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك وحَرجًا، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ فإن كانَ به مرَضٌ يَسيرٌ لا يَشُقُّ معه القَصدُ: كوَجَعِ ضِرسٍ، وصُداعٍ يَسيرٍ، وحُمَّى

(١) رواه مُسلم (٦٩٩)، وانظر: ابن عابدين (١/ ٣٧٣، ٣٧٤)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٠٠)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٣٩٠)، و «المجموع» (٥/ ٢٥٩)، و «شرح مسلم» (٥/ ٢٠٦)، و «الرَّوضة» (١/ ٢٠٨)، و «مغني المحتاج» (١/ ٢٣٤)، و «المغني» (٢/ ١٨٤)، و «المُبدع» (٢/ ٩٧)، و «الرَّوض المُربع» (٢١/ ٢٦٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٢٨٦)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٩٧).
(٢) رواه البُخاري (٦٦٤)، ومُسلم (٣١٣)، وانظر: «المغني» (١/ ١٨٣).

خَفيفةٍ، فليس بعُذرٍ، وضَبَطوه بأن تَلحَقَه مَشقَّةٌ كمَشقَّةِ المَشيِ في المَطَرِ (١).

ب- الخَوفُ: وهو ثَلاثةُ أنواعٍ: خَوفٌ على النَّفسِ، وخَوفٌ على المالِ، وخَوفٌ على الأهلِ.

فالأوَّلُ: أن يَخافَ على نَفسِه سُلطانًا يَأخُذُه، أو عَدُوًّا أو لِصًّا أو سَبُعًا أو دابَّةً أو سَيلًا، أو نحوَ ذلك ممَّا يُؤذِيه في نَفسِه، وفي مَعنى ذلك أن يَخافَ غَريمًا له يُلازِمُه، ولا شَيءَ معَه يُوَفِّيه، فإن حَبَسَه بدَينٍ فهو مُعسِرٌ به ظالِمٌ له، فإن كانَ قادِرًا على أداءِ الدَّينِ لم يكن عُذرًا له.

النَّوعُ الثَّاني: أن يَخافَ على مالِه مِنْ ظالِمٍ أو لِصٍّ وأشباهِهما، أو يَخافَ أن يُسرَقَ مَنزِلُه، أو يُحرَقَ، أو شَيءٌ منه، أو يَكونَ له خُبزٌ في تَنُّورٍ، أو طَبيخٌ على نارٍ، ويَخافَ حَريقَه باشتِغالِه عنه، أو يَكونَ له غَريمٌ إن تركَ مُلازَمتَه ذَهب مالُه، أو يَكونَ له بِضاعةٌ أو وَديعةٌ عندَ رَجلٍ إن لم يُدرِكه ذَهب، فهذا وأشباهُهُ عُذرٌ في التَّخلُّفِ عن الجمُعةِ والجمُعاتِ.

والنَّوعُ الثَّالثُ: الخَوفُ على وَلَدِه وأهلِه أن يَضيعوا، أو أن يَكونَ وَلَدُه ضائِعًا فيَرجو وُجودَه في تلك الحالِ، أو يَكونَ له قَريبٌ يَخافُ إن تَشاغَلَ بها ماتَ، فلم يَشهَده.

ومِن ذلك القيامُ بتَمريضِ الأجنَبيِّ إذا لم يكن له مَنْ يَقومُ بتَمرِيضِه، وكانَ يُخشَى عليه الضَّياعُ لو تركَه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ المُنذرِ: ثَبت أنَّ ابنَ عمرَ: «استَصرَخَ

(١) «المجموع» (٥/ ٢٦١).

على سَعِيدِ بنِ زَيدٍ بعدَ ارتِفَاعِ الضُّحَى، فَأَتَاهُ بِالعَقِيقِ وَتركَ الجمُعَةَ» (١)، وهو مَذهب عَطاءٍ والحَسنِ والأوزاعِيِّ والشافِعيِّ (٢).

ج- حُضورُ الطَّعامِ:

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا حَضرَ العَشاءُ في وقتِ الصَّلاةِ فالمُستحَبُّ أن يَبدَأَ بالعَشاءِ قَبَل الصَّلاةِ، ليَكونَ أفرَغَ لِقَلبِه، وأحضَرَ لِبالِه، ولا يُستحبُّ أن يَعجَلَ عن عَشائِه أو غَدائِه، فإنَّ أنَسًا رَوى عن النَّبيِّ قالَ: «إذا قُرِّبَ العَشَاءُ وَحَضرَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِه قبلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغربِ، ولَا تَعجَلُوا عن عَشَائِكُم» (٣). وقالَت عائِشةُ رضي الله عنها إنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «لَا صَلاةَ بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ» (٤). رَواهُما مُسلِمٌ وغيرُه، ولا فَرقَ بينَ أن يَحضُرَ صَلاةَ الجَمَاعةِ وهو يَخافَ فَواتَها في الجَماعةِ، أو وهو لا يَخافُ ذلك، فإنَّ في بعضِ ألفاظِ حَديثِ أنَسٍ: «إذا حَضرَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ» (٥). وعنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «إذا وُضِعَ عَشَاءُ أَحدِكُم وَأُقِيمَتِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه عبد الرازق في «مصنَّفه» (٣/ ٢٤٠)، وابن المُنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٣).
(٢) «المغني» (٢/ ١٨٤)، و «المجموع» (٥/ ٢٦٢)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٦٦)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٠٠)، وباقي المَصادِرِ السابقة.
(٣) رواه البُخاري (٦٤١)، ومُسلم (٥٥٧).
(٤) رواه البُخاري (٦٤١)، ومُسلم (٥٦٠).
(٥) رواه البُخاري (٦٤١)، ومُسلم (٥٥٧).

الصَّلاةُ فابدَؤُوا بِالعَشَاءِ، ولا يَعجَلَنَّ حتى يَفرُغَ منه» (١) رواهُما مُسلِمٌ. وقولُه: «وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ»، يَعني الجَماعةَ، وتَعشَّى ابنُ عمرَ وهو يَسمَعُ قِراءةَ الإمامِ.

قالَ أصحابُنا: إنَّما يُقدَّمُ العَشاءُ على الجَماعةِ إذا كانَت نَفسُه تَتُوقُ إلى الطَّعامِ كَثيرًا، وقالَ الشافِعيُّ نحوَ ذلك، وقالَ مالِكٌ: يَبدَؤُونَ بِالصَّلاةِ إلا أن يَكونَ طَعامًا خَفيفًا، وقالَ بظاهِرِ الحَديثِ عمرُ وابنُه وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ، وقالَ ابنُ عباسٍ: لا نَقومُ إلى الصَّلاةِ وفي أنفُسِنا شَيءٌ.

قال ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: أجمَعوا على أَنَّه لو صلَّى بحَضرةِ الطَّعامِ فأكمَلَ صَلاتَه أنَّ صَلاتَه تُجزِئُه (٢).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وحُضورُ الشَّرابِ الذي يَتُوقُ إليه مِنْ ماءٍ وغيرِه كحُضورِ الطَّعامِ (٣).

د- مُدافَعةُ أحَدِ الأخبَثَينِ:

لمَا رَوَت عائِشةُ رضي الله عنها قالَت: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «لَا يُصلِّيَنَّ أحَدُكم بِحَضرَةِ الطَّعامِ، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأَخبَثَانِ».

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذانِ الأمرانِ عُذرانِ، يُسقِطُ كلُّ واحدٍ منهما الجَماعةَ بالاتِّفاقِ، وكذا ما كانَ في مَعناهما، ومُدافَعةُ الرِّيحِ كمُدافَعةِ البَولِ أو الغائِطِ (٤).

(١) رواه البُخاري (٦٤٢)، ومُسلم (٥٥٩).
(٢) «المغني» (١/ ١٨٢)، وباقي المَصادِر السابقة.
(٣) «المجموع» (٥/ ٢٦١).
(٤) رواه مُسلم (٥٦٠).

هـ- أكلُ ذي رائِحةٍ كَريهةٍ:

مَنْ أكلَ ثُومًا أو بَصَلًا أو فِجلًا أو نحوَه، إذا تَعَذَّرَ زَوالُ رائِحَتِه فإنَّ ذلك عُذرٌ يُبيحُ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ حتى لا يَتأَذَّى به النَّاسُ والمَلائِكةُ؛ لِحَديثِ: «مَنْ أَكلَ مِنْ هذه البَقلَةِ، الثُّومِ -وقالَ مرَّةً: مَنْ أَكلَ البَصلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ- فلَا يَقربَنَّ مَسجدَنَا، فإنَّ المَلَائِكَةَ تَتأذَّى ممَّا يَتأذَّى منه بَنُو آدَمَ» (١).

والمُرادُ أكلُ هذه الأشياءِ نَيِّئةً، وكذلك مَنْ كانَت حِرفَتُه لها رائِحةٌ مُؤذِيةٌ، كالجَزَّارِ والزَّيَّاتِ، ومَن له صُنانٌ، وكلُّ مَنْ له رائِحةٌ مُنتِنَةٌ.

ومِثلُ ذلك مَنْ كانَ به مرَضٌ يتَأذَّى به النَّاسُ، كالبَرَصِ والجُذامِ؛ ففي كلِّ ذلك يُباحُ التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (٢).

و- العمى:

ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ -خِلافًا لِأبي حَنِيفَةَ- إلى أنَّ الأعمى إذا وجدَ قائِدًا، فإنَّ هذا ليس بعُذرٍ له أن يَتخلَّفَ عن الجَماعةِ، فإن لم يَجِد قائِدًا، ولم يَهتَدِ للطَّرِيقِ بنَفسِه، فإنَّ هذا عُذرٌ يُبيحُ له التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ.

قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: الأعمى أجمَعوا على أَنَّه إذا لم يَجِد قائِدًا لا تَجِبُ عليه، وإن وجدَ قائِدًا فكذلك عندَ أبي حَنِيفَةَ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ تَجِبُ (٣).

(١) رواه مُسلم (٥٦٤).
(٢) «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٣٩٠)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٣٦)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٩٨)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٠٠).
(٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٤٨٩)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٠٠)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٣٧)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٣٩١)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٩٧).

ز- إرادةُ السَّفرِ:

مَنْ تأهَّبَ لِسَفرٍ مُباحٍ يُريدُه مع رُفقةٍ، ثم أُقيمَتِ الجَماعةُ، وكانَ يَخشى إن حَضرَ الجَماعةَ أن تَفوتَه الرُّفقةُ، فإنَّه يُباحُ له التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (١).

ح- غَلَبةُ النُّعاسِ والنَّومِ:

مَنْ غلَبه النُّعاسُ والنَّومُ إن خَشِي النَّومَ إنِ انتظَرَ صَلاةَ الجَماعةِ فقد عَدَّ الفُقهاءُ هذا عُذرًا مِنْ أعذارِ الصَّلاةِ، وكذلك لو غلَبه النُّعاسُ مع الإمامِ، فله أن يُصلِّيَ وَحدَه.

لمَا رَواه البُخاريُّ (٢) وغيرُه: «أنَّ رَجلًا صلَّى مع مُعاذٍ رضي الله عنه فلمَّا رآه قد أطالَ انفَرَدَ، وصلَّى وَحدَه». ولم يَعِب عليه النَّبيُّ ذلك، قالَ البُهوتيُّ: والصَّبرُ والتَّجلُّدُ على دَفعِ النُّعاسِ ويُصلِّي جَماعةً أفضَلُ؛ لمَا فيه مِنْ نَيلِ فَضلِ الجَماعةِ (٣).

ط- زِفافُ الزَّوجةِ:

ذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ زِفافَ الزَّوجةِ عُذرٌ يُبيحُ لِلزَّوجِ التَّخلُّفَ

(١) ابن عابدين (١/ ٣٧٤)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٠١)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٣٦)، و «المبدع» (٢/ ١٦٨)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٠٣)، و «كشاف القناع» (١/ ٦٠٦).
(٢) رواه البُخاري (٥٧٥٥)، ومُسلم (٤٦٥).
(٣) «المغني» (٢/ ١٨٤)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٩٦)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٣٦).

عن صَلاةِ الجَماعةِ، لكنَّ الشافِعيَّةَ قَيَّدوه بالتَّخلُّفِ عن الجَماعةِ عن الصَّلواتِ اللَّيليَّةِ فقط.

قالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: لا يَتخَلَّفُ بسَببِ حقِّ الزِّفافِ عن الخُروجِ لِلجَماعاتِ ولِسائرِ أعمالِ البرِ، كعيادةِ المَرضى، وتَشييعِ الجَنائِزِ مدَّةَ الزِّفافِ، إلا لَيلًا؛ فيَتخلَّفُ وُجوبًا؛ تَقديمًا للواجبِ.

قالَ الأذرَعِيُّ: وهذه طَريقةٌ شَاذَّةٌ لِبعضِ العِراقيِّينَ، وقَضيةُ نُصوصِ الشافِعيِّ، وكَلامِ القاضي والبغَويِّ وغيرِهما أنَّ اللَّيلَ كالنَّهارِ في استِحبابِ الخُروجِ لذلك، وممَّن صرَّح به مِنْ المَراوِزةِ الجوينِيُّ في تَبصِرَتِه، والغَزالِيُّ في خُلاصَتِه، نَعم، العادةُ جارِيةٌ بزِيادةِ الإقامةِ في مدَّةِ الزِّفافِ على أيَّامِ القَسمِ؛ فيُراعَى ذلك.

وأمَّا لَيالي القَسمِ فتَجِبُ التَّسويةُ بينَهُنَّ في الخُروجِ لذلك وعدمِه، بأن يَخرُجَ في لَيلةِ الجَميعِ، أو لا يَخرُجَ أصلًا؛ فإن خصَّ لَيلةَ بعضِهِنَّ بالخُروجِ إلى ذلك أثِمَ (١).

أمَّا المالِكيَّةُ فلم يَعُدُّوا ذلك عُذرًا، فقالوا: ليس العُرسُ والابتِناءُ بالمرأةِ عُذرًا وسَببًا مِنْ أسبابِ التَّخَلُّفِ عن حُضورِ الجمُعةِ، ولا عن الصَّلواتِ الخَمسِ، فلا يَتخلَّفُ العَروسُ عن حُضورِ الجمُعةِ ولا عن الصَّلواتِ الخَمسِ في جَماعةٍ؛ إذ لا حَقَّ لِلزَّوجةِ في إقامةِ زَوجِها عندَها

(١) «أسنى المطالِب» (٣/ ٢٣٤)، و «البيان» (٩/ ٥٢١)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٣٦)، و (٤/ ٤٢١)، و «الإقناع» (٢/ ٤٣٢)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٩٧).

بحيثُ يُبيحُ ذلك تَخلُّفَه عن الجمُعةِ والجَماعةِ؛ إذ لا مَشقَّةَ في حُضورِه، ولا مَضَرَّةَ عليها؛ فلا وَجهَ لِلتَّخَلُّفِ.

لكنَّ الإمامَ مالِكًا خَفَّفَ لِلزَّوجِ تَركَ بعضِ الصَّلاةِ في الجَماعةِ؛ للاشتِغالِ بزَوجِه، والسَّعيِ إلى تَأنِّيها واستِمالَتِها.

قالَ الإمامُ مالِكٌ: ولا يُعجِبُني تَركُ العَروسِ الصَّلاةَ كلَّها، يَعني في الجَماعةِ، وخُفِّفَ له تَركُ بعضِها للاشتِغالِ بزَوجِه والجَريِ إلى تأنيسِها واستِمالَتِها، هذا فيما عدا الجمُعةَ التي شُهودُها فَرضٌ (١).

قال ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ حَبيبٍ: ويَخرُجُ إلى حَوائِجِه وصَلاتِه بِكرًا كانَت أو ثَيِّبًا، كانَت له زوجةٌ أُخرى أو لا. ورَوى ابنُ أبي أُوَيسٍ عن مالِكٍ، فيمَن دخلَ على امرأتِه لَيلَةَ الجمُعةِ، أيَتخَلَّفُ عن الجمُعةِ؟ قالَ: لا، تَزوَّج أميرُ المُؤمِنينَ المَهدِيُّ بالمَدينةِ، فخرَج إلى الصُّبحِ وغيرِها. ورَوى ابنُ القاسِمِ، عن مالِكٍ في العُتبِيَّةِ، قالَ: لا يَتخَلَّفُ العَروسُ عن الجمُعةِ، ولا عن حُضورِ الصَّلواتِ، وهو قولُ الشافِعيِّ. قالَ سُحنونُ: وقد قالَ بَعضُ النَّاسِ: لا يَخرُجُ، وذلك حَقٌّ لها بالسُّنةِ. قالَ المُؤلِّفُ: هذا على مَنْ تَأَوَّلَ إقامَتَه عندَ البِكرِ والثَّيِّبِ على العُمومِ، ومَن رَأى أن يَخرُجَ إلى الصَّلواتِ، تَأوَّل إقامَتَه عندَها على ما يجبُ لها مِنْ القِسمةِ والمَبيتِ دونَ غيرِها مِنْ أزواجِه، فليس ذلك بمانِعٍ له مِنْ حُضورِ الصَّلواتِ، كما يَفعلُ غيرُ العَروسِ

(١) «البيان والتَّحصيل» (١/ ٣٥٧)، و «التاج والإكليل» (٢/ ١٨٤)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٩٢)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٣٩١)، و «تحبير المُختصر» (١/ ٥٢٤).

في قِسمَتِه بينَ نِسائِه، وليس له التَّخلُّفُ عن الجَماعةِ (١).

قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ فَرحونَ: واختُلِفَ هل يَخرُجُ لِلصَّلاةِ ولِقَضاءِ حَوائِجِه، وأمَّا الجمُعةُ فهي عليه واجِبةٌ. انتَهى.

واختَارَ اللَّخمِيُّ أَنَّه لا يَخرُجُ لِصَلاةٍ ولا لِقَضاءِ حَوائِجِه، ونقلَه عنه ابنُ عَرفةَ فقالَ اللَّخمِيُّ عن ابنِ حَبيبٍ: يَخرُجُ يَتصَرَّفُ في حَوائِجِه، وإلى المَسجدِ، والعادةُ اليومَ ألَّا يَخرُجَ، ولا لِصَلاةٍ، وإن كانَ خلُوًّا مِنْ غيرِها، وعلى المَرأةِ بخُروجِه وَصمٌ، وأرى أن يَلزمَ العادةَ. انتَهى.

وما قالَه ظاهِرٌ، وظاهرُ كَلامِ المُصنِّفِ: كانَت له زَوجةٌ غيرُها أو لا، وهو الذي اختارَه اللَّخمِيُّ، كما تَقدَّم في كَلامِه (٢).

(١) «شَرح صَحيح البُخاري» (٧/ ٣٣٨).
(٢) «مواهب الجليل» (٥/ ٢٢١)، و «حاشية الدُّسوقي» (٣/ ٢٠٦).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 581 - 589

ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده