حكم صلاة الجماعة

الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > حكم صلاة الجماعة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 33 دقيقة قراءة

حكم صلاة الجماعة - الأقوال والأدلة

وعن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «مَنْ صلَّى العِشاءَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما قامَ نِصفَ اللَّيلِ، وَمَنْ صلَّى الصُّبحَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما صلَّى اللَّيلَ كلَّهُ» (١).

ولأهمِّيَّتها قالَ ابنُ العَربيِّ: الصَّلاةُ في جَماعةٍ مَعنى الدِّينِ، وشِعارُ الإسلامِ، ولو تركَها أهلُ مِصرٍ قُوتِلوا، وأهلُ حارَةٍ أُجبِروا عليها وأُكرِهوا (٢).

حكمُ صَلاةِ الجَماعةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَلاةِ الجَماعةِ على ثَلاثةِ أقوالٍ:

القولُ الأوَّلُ: ذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ وابنُ المُنذرِ وابنُ خُزَيمةَ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ صَلاةَ الجَماعةِ واجِبةٌ على الأعيانِ، إلا مِنْ عُذرٍ، وليست شَرطًا لِصحَّةِ الصَّلاةِ، وهو نَصُّ الإمامِ الشافِعيِّ في مُختصَرِ المُزنيِّ (٣) فقالَ: وأمَّا الجَماعةُ فلَا أُرخِّصُ في تَركِها إلا مِنْ عُذرٍ.

واستدَلُّوا على ذلك بالكتابِ والسُّنةِ وتَوارُثِ الأمَّةِ.

أمَّا الكتابُ:

فالدَّليلُ الأوَّلُ: قولُه تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أمرَ اللهُ تَعالى بالرُّكوعِ مع الرَّاكعينَ، وذلك يَكونُ في

(١) رواه مُسلم (٦٥٦).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٨١)، و «الإفصاح» (١/ ٢٠٣).
(٣) «مُختصَر المُزَنيِّ» (١/ ٢١).

حالِ المُشارَكةِ في الرُّكوعِ، فكانَ أمرًا بإقامةِ الصَّلاةِ بالجَماعةِ، ومُطلَقُ الأمرِ لوُجوبِ العملِ (١).

الدَّليلُ الثَّاني: قولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].

والاستِدلالُ بهذه الآيةِ مِنْ وُجوهٍ:

أحَدُها: أَنَّه لو لم تكُن واجِبةً لرَخَّصَ فيها حالةَ الخَوفِ، ولم يَجُزِ الإخلالُ بواجِباتِ الصَّلاةِ مِنْ أجلِها (٢).

الثَّاني: لمَّا أمرَ اللهُ بالجَماعةِ في حالِ الخَوفِ، دلَّ على أنَّ ذلك في حالِ الأمنِ أوجَبُ.

الثَّالثُ: أمرُه لهم بالصَّلاةِ في الجَماعةِ، ثم أعادَ هذا الأمرَ سبُحانَهُ مرَّةً ثانيةً في حقِّ الطَّائِفةِ الثَّانيةِ بقولِه: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، وفي هذا دَليلٌ على أنَّ الجَماعةَ فَرضٌ على الأعيانِ؛ إذ لم يُسقِطها سُبحانَه عن الطَّائِفةِ الثَّانيةِ بفِعلِ الأُولى، ولو كانَتِ الجَماعةُ سُنَّةً لكانَ أولى الأعذارِ بسُقوطِها عُذرُ الخَوفِ، ولو كانَت فَرضَ كِفايَةٍ لسقطَت بفِعلِ الطَّائِفةِ الأُولى؛ ففي الآيَةِ دَليلٌ على وُجوبِها على الأعيانِ؛ فهذه ثَلاثةُ أوجُهٍ أمرَهُ بها أوَّلًا، ثم أمرَه بها

(١) «معاني الآثار» (١/ ٤٨٨).
(٢) «المغني» (٢/ ٣٧٧).

ثانِيًا، وأَنَّه لَم يُرخِّص لهم في تَركِها حالَ الخَوفِ (١).

الدَّليلُ الثَّالثُ: قولُه تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣]، بأن حالَ بينَهم وبينَ السُّجودِ لمَّا دَعاهُم إلى السُّجودِ في الدُّنيا، فأبَوا أن يُجِيبوا الدَّاعيَ.

إذا ثَبت هذا فإجابَةُ الدَّاعي هي إتيانُ المَسجدِ بحُضورِ الجَماعةِ، لا فِعلها في بَيتِه وَحدَه؛ فهَكَذا فسَّر النَّبيُّ الإجابةَ، فرَوى مُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: أتَى النَّبيَّ رَجلٌ أَعمَى، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنَّه ليس لي قائِدٌ يَقودُنِي إلى المَسجدِ. فَسَأَلَ رَسولَ اللهِ أَنْ يُرخِّصَ له فَيُصلِّيَ في بَيتِه، فَرخَّصَ له؛ فلمَّا وَلَّى دَعاهُ فقالَ: «هل تَسمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ فقالَ: نَعم. قالَ: فَأَجِب» (٢)، فلَم يُجعَل مُجيبًا له بصَلاتِه في بَيتِه إذا سمِع النِّداءَ؛ فدلَّ على أنَّ الإجابةَ المَأمورَ بها هي إتيانُ المَسجدِ لِلجَماعةِ. ويدلُّ عليه حَديثُ ابنِ أُمِّ مَكتومٍ قالَ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ المَدِينَةَ كَثِيرَةُ الهَوامِّ وَالسِّباعِ. قالَ: «هَلْ تَسمَعُ حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلَاحِ؟» قالَ: نَعم. قالَ: «فَحَيَّ هَلًا». وَلَم يُرَخِّص له (٣).

وحَيَّ هَلًا اسمُ فِعلِ أمرٍ مَعناه: أقبِل وأجِب، وهو صَريحٌ في أنَّ إجابةَ

(١) «الصَّلاة وحُكم تارِكها» لابن القَيِّم (١٣٨).
(٢) رواه مُسلم (٦٥٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٥٣)، والنسائي (٨٥١).

هذا الأمرِ تَكُونُ بحُضورِ الجَماعةِ، وأنَّ المُتخلِّفَ عنها لَم يُجِبه (١).

وأمَّا السُّنةُ: فمِنها عِدَّةُ أحادِيثَ:

الأوَّلُ: عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «وَالذي نَفسِي بِيَدِه، لَقَدْ هَمَمتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ لِيُحطَبَ، ثم آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثم آمُرَ رَجلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثم أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهم، وَالذي نَفسِي بِيَدِه، لَو يَعلَمُ أَحدُهُم أَنَّه يَجِدُ عَرقًا سَمِينًا، أَوْ مِرمَاتَينِ (٢) حَسَنَتَينِ، لَشَهِدَ العِشاءَ» (٣).

وفي اهتِمامِه بأن يُحرِّقَ على قَومٍ تَخلَّفوا عن الصَّلاةِ في بُيوتِهم أبيَنُ البَيانِ على وُجوبِ فَرضِ الجَماعةِ؛ إذ غيرُ جائِزٍ أن يُهددَ رَسولُ اللهِ مَنْ تَخلَّف عن ذَنبٍ، وعمَّا ليس بفَرضٍ.

ويؤيِّدُه حَديثُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه: «أنَّ رَجلًا خرَج مِنْ المَسجدِ بعدَما أذَّنَ المُؤذِّنُ فقالَ: أَمَّا هذا فقد عَصَى أَبا القاسِمِ » (٤)، ولو كانَ المَرءُ مُخيَّرًا في تَركِ الجَماعةِ وإتيانِها لَم يَجُز أن يَعصيَ مَنْ تَخلَّف عما لا يجبُ عليه أن يَحضُرَه.

الدَّليلُ الثَّاني: ما رَواه مُسلِم عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: أتى النَّبيَّ رَجلٌ أَعمَى، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنَّه ليس لي قائِدٌ يَقودُنِي إلى

(١) «الصَّلاة وحُكم تاركها» (١٣٩).
(٢) ما بَينَ ظِلفَيِ الشَّاةِ مِنَ اللَّحم.
(٣) رواه البُخاري (٦٤٤)، ومُسلم (٦٥١).
(٤) رواه مُسلم (٦٥٥).

المَسجدِ. فَسَأَلَ رَسولَ اللهِ أَنْ يُرخِّصَ له فَيُصلِّيَ في بَيتِه، فَرخَّصَ له، فلمَّا وَلَّى دَعاهُ، فقالَ: «هل تَسمَعُ النِّداءَ بِالصَّلاةِ؟» فقالَ: نَعم. قالَ: «فَأَجِب» (١). وهذا الرَّجلُ هو ابنُ أُمِّ مَكتومٍ، واختُلِفَ في اسمِه، فقِيلَ عَبد اللهِ، وقيلَ: عَمرٌو.

وفي سُننِ أبي داودَ عن عَمرِو بنِ أُمِّ مَكتومٍ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي رَجلٌ ضَرِيرُ البَصرِ، شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِي قائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي؛ فَهَلْ لي رُخصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيتِي؟ قالَ: «هل تَسمَعُ النِّدَاءَ؟» قالَ: نَعم. قالَ: «لَا أَجِدُ لكَ رُخصَةً» (٢).

قال ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: قالَ المُوجِبونَ: الأمرُ مُطلَقٌ لِلوُجوبِ، فكَيفَ إذا صرَّح صاحِبُ الشَّرعِ بأَنَّه لا رُخصَةَ لِلعَبد في التَّخلُّفِ عنه لِضَريرٍ شاسِعِ الدَّارِ، لا يُلائِمُه قائِدُه، فلو كانَ العَبدُ مُخيَّرًا بينَ أن يُصلِّيَ وَحدَه أو جَماعةً، لكانَ أَولى النَّاسِ بهذا التَّخييرِ مِثلُ الأعمى.

قال أبو بَكرِ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: ذكرُ حُضورِ الجَماعةِ على العُميانِ، وإن بَعُدت مَنازِلُهم عن المَسجدِ، ويدلُّ ذلك على أنَّ شُهودَ الجَماعةِ فَرضٌ لا نَدبٌ، وقال: وإذا قالَ لابنِ أُمِّ مَكتومٍ وهو ضَريرٌ: لا أجِدُ لكَ رُخصةً؛ فالبَصيرُ أَولى ألَّا تَكونَ له رُخصةٌ (٣).

(١) رواه مُسلم (٦٥٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٥٢).
(٣) «الصَّلاة وحُكم تارِكها» (١٤٥)، و «الأوسط» لابن المُنذِر (٤/ ١٣٢).

الدَّليلُ الثَّالثُ: ما رَواه مُسلِمٌ في صَحيحِه عن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلقَى اللَّهَ غَدًا مُسلِمًا، فَليُحَافِظ على هَؤُلَاءِ الصَّلواتِ حيثُ يُنَادَى بِهنَّ؛ فإنَّ اللَّهَ شرعَ لِنَبِيِّكُم سُننَ الهُدَى، وَإِنَّهنَّ مِنْ سُننِ الهُدَى، وَلَو أَنَّكُمْ صلَّيتُم في بُيُوتِكُم كما يُصلِّي هذا المُتَخلِّفُ في بَيتِه، لَتَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم، وَلَو تَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم لَضَلَلتُم، ومَا مِنْ رَجلٍ يَتطهَّرُ فَيُحسِنُ الطُّهُورَ، ثم يَعمِدُ إلى مَسجدٍ مِنْ هذه المَساجِدِ، إلا كَتَبَ اللهُ له بِكلِّ خُطوَةٍ يَخطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرفَعُه بها دَرَجةً، وَيَحُطُّ عنه بها سيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ معلومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كان الرَّجلُ يُؤتى بِه يُهَادَى بينَ الرَّجلَينِ حتى يُقامَ في الصَّفِّ». وفي لَفظٍ قالَ: «إِنَّ رَسولَ اللهِ علَّمنَا سُننَ الهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُننِ الهُدَى الصَّلاةَ في المَسجدِ الذي يُؤَذَّنُ فيه» (١).

قال ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: فوَجهُ الدِّلالةِ أَنَّه جعلَ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ مِنْ عَلاماتِ المُنافِقينَ المَعلومِ نِفاقُهم، وعَلاماتُ النِّفاقِ لا تَكونُ بتَركِ مُستحَبٍّ، ولا بفِعلِ مَكروهٍ، ومَنِ استَقرَأَ عَلاماتِ النِّفاقِ في السُّنةِ وجدَها إمَّا تَركَ فَريضةٍ أو فِعلَ مُحَرمٍ، وقد أكَّدَ هذا المَعنى بقولِه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلقَى اللَّهَ غَدًا مُسلِمًا، فَليُحَافِظ على هَؤُلَاءِ الصَّلواتِ حيثُ يُنَادَى بِهنَّ». وسُمِّيَ تاركُها المُصلِّي في بَيتِه مُتَخلِّفًا، تاركًا لِلسُّنَّةِ التي هي طَريقةُ رَسولِ اللهِ التي كانَ عليها، وشَريعَتُه التي شَرَعها لأُمَّتِه، وليس المُرادُ بها السُّنةَ التي مَنْ شاءَ فعلَها،

(١) رواه مُسلم (٦٥٤).

ومَن شاءَ تركَها، فإنَّ تَركَها لا يَكونُ ضَلالًا، ولا مِنْ عَلاماتِ النِّفاقِ، كتَركِ الضُّحَى، وقِيامِ اللَّيلِ، وصَومِ الاثنَينِ والخَميسِ (١).

وأمَّا عن تَوارُثِ الأمَّةِ: فقالَ الكاسانيُّ: فلأنَّ الأُمةَ مِنْ لَدُن رَسولِ اللهِ إلى يَومِنا هذا واظَبَت عليها، وعلى النَّكيرِ على تاركِها، والمُواظَبةُ على هذا الوَجهِ دَليلُ الوُجوبِ، وليس هذا اختِلافًا في الحَقيقةِ مِنْ حيثُ العِبارةُ، لأنَّ السُّنةَ المُؤكَّدةَ والواجِبَ سَواءٌ، خُصوصًا ما كانَ مِنْ شَعائرِ الإسلامِ، ألَا تَرى أنَّ الكَرخِيَّ سَمَّاها سُنَّةً، ثم فسَّرها بالواجِبِ، فقالَ: الجَماعةُ سُنَّةٌ لا يُرخَّصُ لِأحَدٍ التَّأخُّرُ عنها إلا لِعُذرٍ؟ وهو تَفسيرُ الواجِبِ عندَ العامَّةِ.

القولُ الثَّاني: ذَهب المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ صَلاةَ الجَماعةِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ.

واحتَجوا على ذلك بمَا رُويَ عن النَّبيِّ أَنَّه قال: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً، أو بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٢)؛ جعلَ الجَماعةَ لِإحرازِ الفَضلِيَّةِ، وذا آيةُ السُّننِ، أي: عَلامَةُ السُّننِ (٣).

وقالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: لا يَخلُو قولُه : «صَلاةُ الجَمَاعَةِ

(١) «الصَّلاة وحُكم تارِكها» (١٤٦/ ١٤٧)، وهناك باقي الأدِلَّةِ تَرَكتُها للإطالةِ.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقَدَّمَ.
(٣) «معاني الآثار» (١/ ٤٨٧).

تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ»، مِنْ أحَدِ ثَلاثَةِ أوجُهٍ: إمَّا أن يَكونَ المُرادُ بذلك صَلاةَ النافِلةِ، أو يَكونَ المُرادُ بذلك مَنْ تَخلَّف بعُذرٍ، أو يَكونَ المُرادُ بذلك مَنْ تَخلَّف مِنْ غيرِ عُذرٍ.

وقد ثَبت عن النَّبيِّ أَنَّه قال: «صَلاةُ المَرءِ في بَيتِه أَفضَلُ مِنْ صَلاتِه في مَسجدِي هذا، إلا المَكتُوبَةَ»، فعَلِمنا بذلك أَنَّه لم يَرد بحَديثِ هذا البابِ صَلاةُ النَّافِلةِ؛ لأنَّه قد فَضَّلَ صَلاةَ المُنفرِدِ النَّافِلةَ في بَيتِه.

وكذلك لمَا قالَ : «مَنْ كانَ له صَلاةٌ بِلَيلٍ، فَغلَبه عَلَيهَا نَومٌ، كُتِبُ له أَجرُ صَلاتِه، وَكانَ نَومُه عليه صَدَقَةً» (١).

وقالَ : «إِذَا شَغَلَ العَبدَ عَنْ عمَلٍ كانَ يَعمَلُه مرَضٌ ابتَلَاهُ اللَّهُ بِه، كُتِبَ له أَجرُ ذلك العملِ مَا دَامَ في وَثَاقِ مرَضِهِ» (٢)، عَلِمنا بذلك أنَّ مَنْ تَخلَّف مِنْ عُذرٍ لم يَدخُل في مَعنى الحَديثِ، وإذا بطَل هذانِ الوَجهانِ صحَّ أنَّ المُرادَ بذلك هو المُتخَلِّفُ عمَّا نُدِبَ إليه، وجبَ وُجوبَ سُنَّةٍ عليه بغيرِ عُذرٍ، وعَلِمنا أنَّ النَّبيَّ لم يُفاضِل بينَهما إلا وهما جائِزانِ، إلا أنَّ أحَدهما أفضَلُ مِنْ الآخَرِ (٣).

قالوا: ولأنَّ النَّبيَّ لم يُنكِر على اللَّذَينِ قالَا: صلَّينا في رِحالِنا، ولو كانَت واجِبةً لَأنكَرَ عليهما؛ فعَنِ الأسوَدِ بنِ يَزيدَ عن أبيه أَنَّه صلى مع رَسولِ اللهِ وهو غُلَامٌ شَابٌّ، فلمَّا صلَّى إذا رَجلَانِ لم يُصلِّيَا

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (١٧٨٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الطَّبَراني في «الأوسط» (٨٦٠٩).
(٣) «الاستذكار» (٢/ ١٣٨).

في نَاحِيَةِ المَسجدِ، فَدَعا بِهمَا، فَجِيءَ بِهمَا تُرعَدُ فَرائِصُهما، فقالَ: «ما منعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا معَنَا؟ قالَا: قد صلَّينَا في رِحَالِنَا. فقالَ: لَا تَفعَلُوا، إذا صلَّى أحَدُكم في رَحلِه ثم أَدرَكَ الإِمَامَ ولم يُصلِّ، فَليُصلِّ معه، فَإنَّها له نَافِلَةٌ» (١).

القولُ الثَّالثُ: أَنَّها فَرضُ كِفايةٍ، وإلى هذا ذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ، وبَعضُ المالِكيَّةِ، ووَجهٌ لِلحَنَابِلةِ ذكرَه ابنُ مُفلِحٍ عن الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّين -أي: ابنِ تيميَّةَ (٢).

واستدَلُّوا على ذلك بقولِ النَّبيِّ : «ما مِنْ ثَلاثةٍ في قَريَةٍ، ولا بَدوٍ، لَا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ، إلا قدِ استَحوَذَ عليهمُ الشَّيطَانُ؛ فعلَيكَ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإنَّما يَأكُلُ الذِّئبُ القاصِيَةَ» (٣).

قالَ الشافِعيَّةُ: فتَجِبُ بحيثُ يَظهرُ شِعارُ الجَماعةِ بإقامَتِها بمَحَلٍّ في القَريةِ الصَّغيرةِ، وفي الكَبيرةِ، والبَلَدِ، بمَحالَّ يَظهرُ بها الشِّعارُ، وذلك يختلِفُ باختِلافِ البِلادِ وسُكَّانِها فيَكفي في القَريةِ الصَّغيرةِ إقامَتُها في مَوضِعٍ واحدٍ، وفي البَلَدِ الكَبيرِ إقامَتُها في مَحَالَّ، ولا يسقطُ بفِعلِها في البُيوتِ في الأصَحِّ، ولو أظهَرَها طَوائفُ وتَخلَّف عنها الجُمهورُ، حصَلت،

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٧٥)، والتِّرمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨)، ويُنظر: «الشَّرح الكَبير» (١/ ٣١٩) مع «حاشية الدُّسوقي» و «الشرح الصغير» (١/ ٢٧٨)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٨١)، و «كفاية الأخيار» (١٧٦)، و «المجموع» (٥/ ٢٣٦)، و «المُبدع» (٢/ ٤٢)، و «الإفصاح» (١/ ٢٠٣)، و «المغني» (٢/ ٣٧٧).
(٢) «مواهب الجليل» (٢/ ٨١)، و «بُلغة السَّالك» (١/ ٢٧٩)، و «روضة الطالبين» (١/ ٣٣٩)، و «المجموع» (٥/ ٣٨، ٢٣٦)، و «المُبدع» (٢/ ٤٢).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٥٤٧)، والنسائي (٨٤٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان ما يفعل بعد فوات الجماعة

عَلَيْهِ إلَّا بِحَرَجٍ.

(وَأَمَّا) الْأَعْمَى فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ تَجِبُ وَالْمَسْأَلَةُ مَعَ حُجَجِهَا تَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَجِّ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.

فَصْلٌ بَيَانُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ فَأَقَلُّ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ اثْنَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِمَامِ وَاحِدٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» ؛ وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ، وَأَقَلُّ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الِاجْتِمَاعُ اثْنَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ صَبِيًّا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا جَمَاعَةً، وَلِحُصُولِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ بِانْضِمَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إلَى الْإِمَامِ وَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فَكَانَا مُلْحَقَيْنِ بِالْعَدَمِ.

فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَفْعَلُ بَعْدَ فَوَاتِ الْجَمَاعَةِ

(فَصْلٌ) :

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب فضل الجماعة والعذر بتركها)

(بَابُ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَالْعُذْرِ بِتَرْكِهَا)

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بسبع وعشرين درجة ". قال الشافعي: " ولا أُرخِّصُ لمن قدَر على صلاةِ الجماعةِ في تركِ إتيانها إلا من عُذر "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لِلْجُمُعَةِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَمَاعَةُ لَهَا فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ أَمْ سُنَّةٌ؟ فَذَهَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهَا فَرَضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَذَهَبَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ

وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ كَالْجُمُعَةِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منهم معك} النساء: ١٠٢ الْآيَةَ

فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ فِي حَالِ الْخَوْفِ، وَالشِّدَّةِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي تَرْكِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِهَا

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب المواقيت

باب المواقيتِ

أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)

بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها -صلى اللَّه عليه وسلم-حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الهَجِيرَ التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه ، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 543 - 551

ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد