د- الذكورة

الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > د- الذكورة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 21 دقيقة قراءة

د- الذكورة - الأقوال والأدلة

أمَّا في صَلاةِ النَّوافِلِ، كالتَّراويحِ وغيرِها، فتَصحُّ إمامةُ المُميِّزِ لِلبالِغِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ في قَولٍ، وبعضِ الحَنفيَّةِ)؛ لأنَّه لا يَلزمُ منها بِناءُ القَويِّ على الضَّعيفِ، ولأنَّ النافِلةَ يَدخلُها التَّخفيفُ، ولذلك تَنعقِدُ الجَماعةُ به فيها إذا كان مَأمومًا.

وذَهب الحَنابلَةُ في رِوايةٍ وهو المُختارُ عندَ الحَنفيَّةِ إلى عدمِ جَوازِ إمامةِ المُميِّزِ لِلبالِغِ مُطلَقًا؛ لأنَّ نَفلَ الصَّبيِّ دونَ نَفلِ البالِغِ؛ حيثُ لا يَلزمُه القَضاءُ بالإفسادِ، ولا يبنى القَويُّ على الضَّعيفِ.

أمَّا إمامةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ لِمِثلِه فجائِزةٌ في الصَّلواتِ الخَمسِ وغيرِها عندَ جَميعِ الفُقهاءِ (١).

د- الذُّكورةُ:

اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنَّه يُشترَطُ لِإمامةِ الرِّجالِ في الفَرضِ الذُّكورةُ؛ فلا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ في الفَرضِ؛ لقولِ النَّبيِّ

(١) «تبين الحقائق» (١/ ١٤٠)، و «البحر الرائق» (١/ ٣٨٠)، و «المبسوط» (٢/ ١٤٩)، و «معاني الآثار» (١/ ٤٩٤)، و «رد المحتار» (١/ ٥٥٠)، و «فتح القدير» (١/ ٣١٠، ٣١١)، والطحطاوي (١٥٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (١/ ٣٦٨) رقم (٢٨٤)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٧٨)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٨٨)، و «تفسير القُرطبي» (١/ ٣٥٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٠٤)، و «الأمُّ» (١/ ١٦٦)، و «كفاية الأخيار» (١٧٩)، و «الثمر الداني» (١/ ١٤٨)، و «حاشية العدوي» (١/ ٣٧٧)، و «المجموع» (٥/ ٣٢٦، ٢٣١)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ١٦٨)، و «المغني» (٢/ ٤٣٨، ٤٣٩)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٨٠)، و «الإنصاف» (٢/ ٢٦٦)، و «فتح الباري» (٢/ ٢١٧)، و «نيل الأوطار» (٣/ ٢٠٣).

: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حيثُ أَخرَهُنَّ اللهُ» (١). والأمرُ بتَأخيرِهنَّ نَهيٌ عن الصَّلاةِ خلفَهنَّ، ولمَا رَوى جابِرٌ مَرفوعًا: «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا» (٢)؛ ولأنَّ في إمامَتِها لِلرِّجالِ افتِتانًا بها.

وقد نقلَ ابنُ حَزمٍ الإجماعَ على عدمِ جَوازِ إمامةِ المَرأةِ لِلرِّجالِ، فقالَ: واتَّفَقُوا أنَّ المَرأةَ لا تَؤُمُّ الرِّجالَ، وهم يَعلَمونَ أنَّها امرأةٌ، فإن فَعَلوا فصَلاتُهم فاسِدةٌ بالإجماعِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ في الفَرائِضِ (٤).

إلا أنَّهم قدِ اختَلَفوا في جَوازِ إمامَتِها بهم في صَلاةِ التَّراويحِ خاصَّةً، فمنعَ ذلك الجُمهورُ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: اتَّفق أصحابُنا على أنَّه لا تَجوزُ صَلاةُ رَجلٍ بالِغٍ، ولا صَبِيٍّ خلفَ امرأةٍ، حَكاه عنهم القاضي أبو الطَّيِّبِ، والعَبدَرِيُّ، ولا خُنثَى خلفَ امرأةٍ، ولا خُنثى، لمَا ذكرَه المُصَنِّفُ، وتَصحُّ صَلاةُ المَرأةِ

(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ح ٥١١٥) موقوفًا على ابن مسعود، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» (١/ ٦٩، ح ١٥٦)، وقالَ: قال في شرح الهداية: لا يَثبُتُ رَفعُه، فَضلًا عن شُهرته، والصَّحِيح أنه موقوف على ابن مسعود، وذكره ابن حجر في «الفتح» (١/ ٢٩٤) موقوفًا على ابن مسعود، وقالَ: قال: إسناده صَحِيح.
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (١٠٨١)، والبَيهَقيُّ (٣٩٠/ ١٧١).
(٣) «مراتب الإجماع» (٢٧).
(٤) «الإفصاح» (١/ ١٣٣).

خلفَ الخُنثَى، وسَواءٌ في مَنعِ إمامةِ المَرأةِ لِلرِّجالِ صَلاةُ الفَرضِ وصَلاةُ التَّراويحِ، وصَلاةُ سائرِ النَّوافِلِ، هذا مَذهبُنا، ومَذهبُ جَماهيرِ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلَفِ، رحمهم الله، وحَكاه البَيهَقيُّ عن الفُقهاءِ السَّبعةِ، فُقهاءِ المَدينةِ التَّابِعينَ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وسُفيانَ وأحمدَ وداودَ. وقالَ أبو ثَورٍ والمُزنيُّ وابنُ جَريرٍ: تَصحُّ صَلاةُ الرِّجالِ وَراءَها، حَكاه عنهم القاضي أبو الطَّيِّبِ والعَبدَرِيُّ، وقالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ: مَذهبُ الفُقهاءِ كافَّةً أنَّه لا تَصحُّ صَلاةُ الرِّجالِ وَراءَها، إلا أبا ثَورٍ، واللهُ أعلَمُ (١).

وذَهب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ عنه إلى جَوازِ إمامَتِها في التَّراويحِ بشَرطِ أن تَكونَ مُتأخِّرةً عن الرِّجالِ وتُصَلِّيَ خلفَهم.

قالَ في «الإنصافِ»: ولا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ لِلرِّجالِ، هذا المَذهبُ مُطلَقًا، وعنه: تَصحُّ في النَّفلِ … وعنه: تَصحُّ في التَّراويحِ، نصَّ عليه، وهو الأشهَرُ عندَ المُتقدِّمِينَ. قالَ الزَّركَشِيُّ: مَنصوصُ أحمدَ واختيارُ عامَّةِ الأصحابِ: يَجوزُ أن تَؤُمَّهم في صَلاةِ التَّراويحِ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ بَعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ في التَّروايحِ، وتَكونُ وَراءَهم؛ لمَا رُويَ عن أُمِّ وَرَقةَ بِنتِ عَبد اللهِ بنِ الحارِثِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ جعلَ لَهَا مُؤذِّنًا يُؤذِّنُ لَهَا، وَأَمرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهلَ دَارِهَا» (٣). وهذا عامٌّ في الرِّجالِ والنِّساءِ.

(١) «المجموع» (٥/ ٣٣٨).
(٢) «الإنصاف» (٢/ ٢٦٣، ٢٦٤).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٥٩٢)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٤٠٣)، والبَيهَقيُّ في «الكبرى» (٣/ ١٣٠).

قالَ -أي: ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه -: ولَنا: قولُ النَّبيِّ : «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا»، ولأنَّها لا تُؤَذِّنُ لِلرِّجالِ، فلم يَجُز أن تؤُمَّهم، كالمَجنونِ، وحَديثُ أُمِّ وَرقةَ إنَّما أذِنَ لها أن تَؤُمَّ نِساءَ أهلِ دارِها. كذا رَواهُ الدَّارقُطنيُّ، وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبولُها، ولو لم يَذكُر ذلك لتَعيَّن حَملُ الخَبرِ عليه؛ لأنَّه أذِنَ لها أن تَؤُمَّ في الفرائِضِ، بدَليلِ أنَّه جعلَ لها مُؤذِّنًا، والأذانُ إنَّما يُشرعُ في الفَرائِضِ، ولا خِلافَ في أنَّها لا تَؤُمُّهم في الفَرائِضِ، ولأنَّ تَخصيصَ ذلك بالتَّراويحِ، واشتِراطَ تأخُّرِها، تَحكُّمٌ يُخالِفُ الأُصولَ بغيرِ دَليلٍ، فلا يَجوزُ المَصيرُ إليه، ولو قُدِّرَ ثُبوتُ ذلك لِأُمِّ وَرَقةَ لكان خاصًّا بها (١).

وقالَ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: (وأمَّا المَرأةُ) فلا يَجوزُ أن تَؤُمَّ رَجلًا، ولا خُنثَى مُشكِلًا؛ لمَا رَوى جابِرٌ عن النَّبيِّ قالَ: «لَا تَؤُمَّنَّ امرَأَةٌ رَجلًا»، رَواهُ ابنُ ماجه، والخُنثَى يَحتَمِلُ أن يَكونَ رَجلًا، ويَصحُّ أن يَؤُمَّ المَرأةَ، كما نصَّ عليه الخرقِيُّ بَعدُ.

وكَلامُه يَشمَلُ الفَرضَ والنَّفلَ، ولا نِزاعَ في الفَرضِ، أمَّا في النَّفلِ فظاهرُ كَلامِ الخرقِيِّ أيضًا المَنعُ، وهو رِوايةٌ حَكاها ابنُ أبي موسى، وهو اختِيارُ أبي الخطَّابِ وأبي مُحمدٍ، عمَلًا بإطلاقِ الحَديثِ، ومَنصوصُ أحمدَ في

(١) «المغني» (٢/ ٤١٤)، و «المبدع» (٢/ ٧٢)، و «الإنصاف» (٢/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٧٩)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥٨)، و «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٢٤٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٩٢)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢٠٥)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٠٤)، و «المجموع» (٥/ ٣٣٨)، و «الإفصاح» (١/ ٢١٠)، و «كفاية الأخيار» (١٨٠)، و «مراتب الإجماع» لابن حزم (٢٧).

رِوايةِ المَروذِيِّ، وهو اختِيارُ عامَّةِ الأصحابِ أنَّها يَجوزُ أن تَؤُمَّهم في صَلاةِ التَّراويحِ، وتَكونُ وَراءَهم.

لمَا رُويَ أنَّ أُمَّ وَرقةَ سألت رَسولَ اللهِ فقالَت: «إنِّي أُصَلِّي ويُصلِّي بصَلاتي أهلُ دارِي ومَوالِيَّ، وفيهم رِجالٌ ونِساءٌ، يُصَلُّونَ بقِراءَتي، ليس معهم قُرآنٌ. فقالَ: «قَدِّمي الرِّجالَ أمامَكِ، وقُومي مع النِّساءِ، ويُصَلُّونَ بصَلاتِكِ»، رَواهُ المَروذِيُّ بإسنادِه، ورَواه أبو داودَ، ولَفظُه: «وكانَت قَرَأتِ القُرآنَ، واستَأذَنَتِ النَّبيَّ أن تَتَّخِذَ في دارِها مُؤذِّنًا، فأذِنَ لها، وأمرَها أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها» مُختصَرٌ.

(وشَرطُ هذه المَسألةِ) أن تَكونَ قارِئةً، وهُم أُمِّيُّونَ، أو يُحسِنونَ الفاتِحةَ أو شَيئًا يَسيرًا معها، وقالَ القاضي في الخِلافِ: إنَّما تَجوزُ إمامَتُها في القِراءةِ خاصَّةً، دونَ بَقيَّةِ الصَّلاةِ. مُعتمِدًا على ما رَواهُ أبو طالِبٍ عنه، قالَ: تَؤُمُّ المَرأةُ الرَّجلَ، والمَرأةُ تَقرَأُ، فإذا قَرَأت رَكَعَ ورَكَعَت، يَكونُ هذا في التَّطوُّعِ، ولا يَكونُ في الفَرضِ. قالَ القاضيِ: فقدَّم رُكوعَه على رُكوعِها، فعُلم أنَّه الإمامُ فيه، وذلك لأنَّ هذا مَقصودُ الرُّخصةِ [انتَهى]. وهل حكمُ غيرِ التَّراويحِ مِنْ النَّفلِ حكمُها، قياسًا عليها، وهو ظاهرُ رِوايةِ أبي طالِبٍ، أو يَختَصُّ ذلك بالتَّراويحِ، وهو ظاهرُ رِوايةِ المَروذِيِّ، واختيارُ القاضي في المُجرَّدِ، لِلحاجةِ إلى استِماعِ القُرآنِ في الصَّلاةِ؟ فيه قَولانِ (١).

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: قد نصَّ أحمدُ على ما مَضَت به

(١) «شرح الزَّركَشي» (١/ ٢٣٩).

السُّنةُ في حَديثِ أُمِّ وَرَقةَ الأنصاريةِ: أنَّ المَرأةَ تَؤُمُّ الرِّجالَ عندَ الحاجةِ، كقيامِ رَمضانَ، إذا كانَت تَقرَأُ وَهُمْ لا يَقرؤُونَ، وتَقِفُ خلفَهم؛ لأنَّ المَرأةَ لا تَقِفُ في صَفِّ الرِّجالِ، ولا تَكونُ أمامَهم (١).

إلاَّ أنَّهم اختَلَفوا في إمامة المرأةِ للنِّساءِ: هل تَصحُّ أو لا؟

فذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في الإمامِ أن يَكونَ ذَكَرًا؛ فلا تَصحُّ إمامةُ المَرأةِ، سَواءٌ أَمَّت رِجالًا أو نِساءً في فَريضةٍ أو نافِلةٍ؛ لأنَّ الإمامةَ مِنْ بابِ الوِلايةِ. وثَبت عنه أنَّه قالَ: «لن يُفلِحَ قَومٌ وَلَّوا أمرَهمُ امرَأةً»؛ ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يَصحَّ أن يَكونَ إمامًا لِلرِّجالِ لم يَصحَّ أن يَكونَ إمامًا لِلنِّساءِ، كالمَجنونِ والصَّبِيِّ (٢).

وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ واللَّخمِيُّ مِنْ المالِكيَّةِ إلى جَوازِ إمامةِ المَرأةِ لِلنِّساءِ، واستدَلُّوا بحَديثِ أُمِّ وَرَقةَ السابقِ، لكن كَرِهَ الحَنفيَّةُ والإمامُ أحمدَ في رِوايةٍ إمامَتَها لَهنَّ؛ لأنَّها لا تَخلو مِنْ نَقصِ واجِبٍ أو مَندوبٍ، فإنَّه يُكرَه لَهنَّ الأذانُ والإقامةُ، ويُكرَهُ تَقدُّمُ المَرأةِ الإمامةِ عليهِنَّ، فإذا صلَّتِ النِّساءُ صَلاةَ الجَماعةِ بإمامةِ امرأةٍ وقفَت وَسَطَهُنَّ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا نَعلمُ فيه خِلافًا بينَ مَنْ رَأى لها أن تَؤمَّهُنَّ، ولأنَّ المَرأةَ يُستحبُّ لها السَّترُ، ولذلك لا يُستحبُّ لها التَّجافي، وكَونُها في وَسَطِ الصَّفِّ أستَرُ لها؛ لأنَّها تَستَتِرُ بهِنَّ مِنْ جانِبَيها؛ فاستُحِبَّ لها

(١) «جامع المسائل» (١/ ٩٢).
(٢) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (١/ ٣٧٠) رقم (٢٨٦)، و «التوضيح» (١/ ٤٥٦)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٢).

ذلك، كالعُريانِ، فإن صلَّت بينَ أيديهِنَّ احتَمَلَ أن يَصحَّ؛ لأنَّه مَوقِفٌ في الجُملةِ، ولهذا كانَ مَوقِفًا لِلرِّجالِ، واحتَمَلَ ألَّا يَصحَّ؛ لأنَّها خالَفَت مَوقِفَها، أشبَهَ ما لو خالَفَ الرَّجلُ مَوقِفَه (١).

وقالَ اللَّخمِيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا إمامَتُها النِّساءَ، فالصَّوابُ جَوازُها ابتِداءً، عندَ عدمِ مَنْ يَؤُمُّهُنَّ مِنْ الرِّجالِ، وذلك أحسَنُ مِنْ صَلاتِهنَّ أفذاذًا، ويُكرَه مع وُجودِ مَنْ يَؤُمُّهُنَّ مِنْ الرِّجالِ، فإن فَعَلنَ أجزَأَت صَلاتُهنَّ؛ لتَساوِي حالِهنَّ؛ ولأنَّه لم يأتِ أثَرٌ عن النَّبيِّ بمَنعِ إمامَتِهنَّ (٢).

وقال ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلَفوا في إمامةِ المَرأةِ، فالجُمهورُ على أنَّه لا يَجوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ، واختَلَفوا في إمامَتِها النِّساءَ، فأجازَ ذلك الشافِعيُّ، ومنعَ ذلك مالِكٌ، وشَذَّ أبو ثَورٍ والطَّبريُّ، فأجازا إمامَتَها على الإطلاقِ، وإنَّما اتَّفق الجُمهورُ على مَنعِها أن تَؤُمَّ الرِّجالَ؛ لأنَّه لو كانَ جائِزًا لَنُقِلَ ذلك عن الصَّدرِ الأوَّلِ، ولأنَّه أيضًا لمَّا كانَت سُنَّتُهنَّ في الصَّلاةِ التأخيرَ عن الرِّجالِ، عُلم أنَّه ليس يَجوزُ لَهنَّ التَّقَدُّمُ عليهم؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: «أخِّرُوهُنَّ حيثُ أخرَهُنَّ اللهُ»، ولذلك أجازَ بَعضُهم إمامَتَها النِّساءَ؛ إذا كُنَّ مُتَساوِياتٍ في المَرتَبةِ في الصَّلاةِ، مع أنَّه أيضًا نُقِلَ ذلك عن بعضِ الصَّدرِ الأوَّلِ.

(١) «المغني» (٢/ ٤١٦، ٤١٧)، ويُنظر: «البحر الرائق» (١/ ٣٧٢)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٨٥)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٨٥)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٢)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٣٥٦)، و «المجموع» (٥/ ٣٣٩)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٧٩)، و «الإنصاف» (٢/ ٢٦٥).
(٢) «التبصرة» (١/ ٣٢٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 599 - 605

ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 21 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.8 / 29.5
الإضاءة 53%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا إله إلا الله