الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > صلاة المنفرد خلف الصف
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 26 دقيقة قراءةأتُفسِدُ على أحَدٍ مِنْ الرِّجالِ صَلاتَه في قولِ مالِكٍ؟ قالَ: لا أرَى أن تُفسِدَ على أحَدٍ مِنْ الرِّجالِ، ولا على نَفسِها. (قالَ) وسألتُ مالِكًا عن قَومٍ أتَوُا المَسجدَ فوَجَدوا الرَّحَبةَ، رَحَبةَ المَسجدِ، قدِ امتَلَأت مِنْ النِّساءِ، وقدِ امتَلَأَ المَسجدُ مِنْ الرِّجالِ، فصلَّى الرِّجالُ خلفَ النِّساءِ لِصَلاةِ الإمامِ، (قالَ) صَلاتُهم تَامَّةٌ ولا يُعيدونَ. (قالَ ابنُ القاسِمِ): فهذا أشَدُّ مِنْ الذي يُصلِّي في وَسَطِ النِّساءِ (١).
صَلاةُ المُنفرِدِ خلفَ الصَّفِّ:
الأصلُ في صَلاةِ الجَماعةِ أن يَكونَ المَأمُومونَ صُفوفًا مُتراصَّةً، إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا فيما لو صلَّى إنسانٌ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه، هل تَصحُّ صَلاتُه أو لا؟
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى صحَّةِ صَلاتِه مع الكَراهةِ؛ لمَا رُويَ أنَّ أبا بَكرةَ رضي الله عنه انتَهى إلى النَّبيِّ ﷺ وهو رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قبلَ أَنْ يَصلَ إلى الصَّفِّ، فذكرَ ذلك لِلنَّبِيِّ ﷺ، فقالَ: «زادَكَ اللهُ حِرصًا، ولا تَعُد» (٢)، فقد جوَّز اقتِداءَه به خلفَ الصَّفِّ، ولم يَأمُره بالإعادةِ، وإذا جازَ الرُّكوعُ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه أجزَأَ ذلك عنه، فكَذلك سائِرُ صَلاتِه؛ لأنَّ الرُّكوعَ مِنْ أركانِها، فإذا جازَ لِلمُصلِّي أن يَركَعَ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه، جازَ أن يَسجُدَ، وأن يُتمَّ صَلاتَه، والدَّليلُ عليه أيضًا أَنَّه
(١) «المُدوَّنة الكبرى» (١/ ١٠٦).
(٢) رواه البُخاري (٧٥٠).
لو تَبيَّن أنَّ مَنْ جَنبَه كانَ مُحدِثًا تَجوزُ صَلاتُه بالإجماعِ، وإن كانَ مُنفرِدًا خلفَ الصَّفِّ حَقيقةً.
وحَمَلوا أحاديثَ الأمرِ بالإعادةِ -الآتي ذِكرُها- إن صحَّت على الاستِحبابِ، جَمعًا بينَ الأدلَّةِ.
قالَ ابنُ عَبد البرِّ رحمة الله عليه: الذي عليه جُمهورٌ مِنْ الفُقهاءِ، كمالِكٍ والشافِعيِّ والثَّورِيِّ وأبي حَنِيفَةَ فيمَنِ اتَّبعَهم وسَلكَ سَبيلَهم إجازَةُ صَلاةِ المُنفرِدِ خلفَ الصَّفِّ وَحدَه، وحَديثُ وَابِصةَ مُضطَرِبُ الإسنادِ، لا يُثبِتُه جَماعةٌ مِنْ أهلِ الحَديثِ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: انفِرادُ المُقتَدي خلفَ الإمامِ عن الصَّفِّ لا يَمنَعُ صحَّةَ الاقتِداءِ عندَ عامَّةِ العُلماءِ.
وقالَ أصحابُ الحَديثِ منهم أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يَمنَعُ، واحتَجوا بما رُويَ عن النَّبيِّ أَنَّه قال: «لَا صَلاةَ لِمُنفرِدٍ خلفَ الصَّفِّ»، وعن وابِصةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى رَجلًا يُصلِّي في حُجرةٍ مِنْ الأرضِ، فقالَ: «أعِد صَلاتَكَ؛ فإنَّه لا صَلاةَ لِمُنفرِدٍ خلفَ الصَّفِّ».
ولنا: ما رُويَ عن أنَس بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّه قال: «أقامَني النَّبيُّ واليَتيمَ وَراءَه، وأقامَ أُمِّي أُمَّ سُلَيمٍ وَراءَنا»، فجوَّز اقتِداءَها به عن انفِرادِها خلفَ الصُّفوفِ، ودلَّ الحَديثُ على أنَّ مُحاذاةَ المَرأةِ مُفسِدةٌ صَلاةَ الرَّجلِ؛ لأنَّه أقامَها خلفَهما، مع نَهيِه عن الانفِرادِ خلفَ الصَّفِّ، فعُلم أَنَّه إنَّما فعلَ
(١) «التَّمهيد» (١/ ٢٦٩).
صِيانةً لِصَلاتِهما، ورُويَ أنَّ أبا بَكرةَ رضي الله عنه دخلَ المَسجدَ ورَسولُ اللهِ ﷺ راكِعٌ، فكبَّر ورَكَعَ ودَبَّ، حتى التَحَقَ بالصُّفوفِ، فلمَّا فرغَ النَّبيُّ مِنْ صَلاتِه قالَ: «زادَكَ اللهُ حِرصًا، ولا تَعُد»، أو قالَ: «لَا تَعدُ»، جوَّز اقتِداءَه به خلفَ الصَّفِّ، والدَّليلُ عليه أَنَّه لو تَبيَّن أنَّ مَنْ بجَنبِه كانَ مُحدِثًا تَجوزُ صَلاتُه بالإجماعِ، وإن كانَ هو مُنفرِدًا خلفَ الصَّفِّ حَقيقةً.
والحَديثُ مَحمولٌ على نَفيِ الكَمالِ، والأمرُ بالإعادةِ شَاذٌّ.
ولو ثَبت فيُحتَملُ أَنَّه كانَ بينَه وبينَ الإمامِ ما يَمنَعُ الاقتِداءَ، وفي الحَديثِ ما يدلُّ عليه، فإِنَّه قالَ في حُجرةٍ مِنْ الأرضِ، أي: ناحيةٍ، لكنَّ الأَولَى عندَنا أن يَلتَحِقَ بالصَّفِّ إن وجدَ فُرجةً ثم يُكبِّرَ، ويُكرَهُ له الانفِرادُ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ.
ووَجهُ الكَراهةِ نَذكرُه في بَيانِ ما يُكرَه فِعلُه في الصَّلاةِ.
ولو انفَرَدَ ثم مَشَى لِيَلحَقَ بالصَّفِّ، ذُكر في الفَتاوى عن مُحمدِ بنِ سَلمةَ أَنَّه إن مَشَى في صَلاتِه مِقدارَ صَفٍّ واحدٍ لا تفسُدُ، وإن مَشَى أكثرَ مِنْ ذلك فَسَدَت، وكذلك المَسبوقُ إذا قامَ إلى قَضاءِ ما سبقَ به، فتَقدَّم حتى لا يمُرَّ النَّاسُ بينَ يَديهِ، أَنَّه إن مَشَى قَدرَ صَفٍّ لا تفسُدُ، وإن كانَ أكثرَ مِنْ ذلك فَسَدت، وهو اختيارُ الفَقيهِ أبي اللَّيثِ، سَواءٌ كانَ في المَسجدِ، أو في الصَّحراءِ، ولو مَشَى مِقدارَ صَفٍّ ووقفَ، لا تفسُدُ صَلاتُه، وقدَّرَ بَعضُ أصحابِنا بمَوضِعِ سُجودِه، وبَعضُهم بمِقدارِ الصَّفَّينِ، إن زادَ على ذلك فَسَدت صَلاتُه (١).
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ١٤٦)، ويُنظر: «معاني الآثار» (١/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و «شرح فتح القدير» (١/ ٣٥٧)، وابن عابدين (١/ ٥٧٠)، و «الاستذكار» (٢/ ٢٧١، ٣١٦، ٣١٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢١٠)، و «شرح ابن بطال» (٢/ ٤٠٠)، و «التاج والإكليل» (٢/ ١٣١)، و «المجموع» (٥/ ٣٨٩)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٤٧).
وَذَهب الحَنابلَةُ إلى أنَّ مَنْ صلَّى وَحدَه رَكعةً كامِلةً خلفَ الصَّفِّ لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لمَا رَوى وابِصةُ بنُ مَعبَدٍ: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجلًا يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ وَحدَهُ، فَأَمرَهُ أَنْ يُعِيدَ» (١).
وعن علِيِّ بنِ شَيبانَ: «خرَجنَا حتى قَدِمنَا على النَّبيِّ ﷺ فَبايَعنَاهُ، وَصلَّينَا خلفَه، ثم صلَّينَا وَراءَهُ صَلاةً أُخرَى، فَقَضى الصَّلاةَ، فَرَأى رَجلًا فَردًا يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ، قالَ: فَوقفَ عليه نَبِيُّ اللهِ ﷺ حينَ انصَرفَ قالَ: استَقبِل صَلاتَكَ، لَا صَلاةَ لِلَّذِي خلفَ الصَّفِّ» (٢).
ولأَنَّه خالَفَ المَوقِفَ فلم تَصحَّ صَلاتُه، كما لو وقفَ أمامَ الإمامِ، فأمَّا حَديثُ أبي بَكرةَ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قد نَهاه فقالَ: «لَا تَعُد»، والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ، وعُذرُه فيما فعلَ جَهلُه بتَحريمِه، ولِلجَهلِ تأثيرٌ في العَفوِ (٣).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمة الله عليه: عمَّن صلَّى خلفَ الصَّفِّ مُنفرِدًا، هل تَصحُّ صَلاتُه أو لا؟ والأحاديثُ الوارِدةُ في ذلك هل هي صَحيحةٌ أو لا؟
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٦٨٢)، والتِّرمذي (٢٣٠)، وابن ماجه (١٠٠٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (١٠٠٣)، وابن خُزَيمة في «صحيحه» (٣/ ٣٠)، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» (٥/ ٥٧٩).
(٣) «المغني» (٢/ ٤٢٥)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٩٠)، و «المبدع» (٢/ ٨٧)، و «نَيل الأوطار» (٢/ ٢٤٢).
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، الصَّحيحُ مِنْ قولِ العُلماءِ أَنَّه لا تَصحُّ صَلاةُ المُنفرِدِ خلفَ الصَّفِّ؛ لأنَّ في ذلك حَديثَينِ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه «أَمرَ المُصلِّي خلفَ الصَّفِّ بِالإِعادَةِ» وقالَ: «لَا صَلاةَ لِفَذٍّ خلفَ الصَّفِّ»، وقد صحَّح الحَديثَينِ غيرُ واحدٍ مِنْ أئِمَّةِ الحَديثِ، وأسانيدُهما ممَّا تَقومُ به الحُجَّةُ، بلِ المُخالِفونَ لهما يَعتمِدونَ في كَثيرٍ مِنْ المَسائِلِ على ما هو أضعَفُ إسنادًا منهما، وليس فيهما ما يُخالِفُ الأُصولَ، بل ما فيهما هو مُقتضَى النُّصوصِ المَشهورةِ والأُصولِ المُقرَّرةِ؛ فإنَّ صَلاةَ الجَماعةِ سُمِّيت جَماعةً؛ لِاجتِمَاعِ المُصلِّينَ في الفِعلِ مَكانًا وزَمانًا، فإذا أخَلُّوا بالاجتِماعِ المَكانيِّ، أو الزَّمانيِّ، مثلَ أن يَتقدَّموا -أو بَعضُهم- على الإمامِ، أو يَتخلَّفوا عنه تَخلُّفًا كَثيرًا؛ لغيرِ عُذرٍ، كانَ ذلك مَنهيًّا عنه باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وكذلك لو كانوا مُفترِقينَ غيرَ مُنتَظمِينَ، مثلَ أن يَكونَ هذا خلفَ هذا، وهذا خلفَ هذا، كانَ هذا مِنْ أعظَمِ الأُمورِ المُنكَرَةِ، بل قد أُمِروا بالاصطِفافِ، بل أمرَهمُ النَّبيُّ ﷺ بتَقويمِ الصُّفوفِ وتَعديلِها، وتَراصِّ الصُّفوفِ، وسَدِّ الخَلَلِ، وسَدِّ الأوَّلِ فالأوَّلِ، كلُّ ذلك مُبالَغةٌ في تَحقيقِ اجتِماعِهم على أحسَنِ وَجهٍ بحَسَبِ الإمكانِ، ولو لم يكن الاصطِفافُ واجِبًا لجَازَ أن يَقِفَ واحدٌ خلفَ واحدٍ، وهَلُمَّ جَرًّا، وهذا ممَّا يَعلَمُ كلُّ أحَدٍ عِلمًا عامًّا أنَّ هذه ليست صَلاةَ المُسلِمينَ، ولو كان هذا ممَّا يَجوزُ لَفعلَه المُسلِمونَ، ولو مرَّةً، بل وكذلك إذا جعلوا الصَّفَّ غيرَ مُنتَظِمٍ، مثلَ أن يَتقدَّم هذا على هذا، ويَتأخرَ هذا عن هذا، لكان ذلك شَيئًا قد عُلم نَهيُ النَّبيِّ ﷺ عنه، والنَّهيُ يَقتَضي التَّحريمَ، بل إذا صَلوا قُدَّامَ الإمامِ كانَ
أحسَنَ مِنْ مِثلِ هذا، فإذا كان الجُمهورُ لا يُصَحِّحونَ الصَّلاةَ قُدَّامَ الإمامِ، إمَّا مُطلَقًا، وإمَّا لغيرِ عُذرٍ، فكيفَ تَصحُّ الصَّلاةُ بدُونِ الاصطِفافِ؟ فقياسُ الأُصولِ يَقتَضي وُجوبَ الاصطِفافِ، وأنَّ صَلاةَ المُنفرِدِ لا تَصحُّ، كما جاءَ به هذانِ الحَديثانِ، ومَن خالَفَ ذلك مِنْ العُلماءِ فلا رَيبَ أَنَّه لم تَبلُغه هذه السُّنةُ مِنْ وَجهٍ يَثِقُ به، بل قد يَكونُ لم يَسمَعها، وقد يَكونُ ظَنَّ أنَّ الحَديثَ ضَعيفٌ، كما ذكرَ ذلك بَعضُهم.
والذين عارَضوه احتَجوا بصحَّةِ صَلاةِ المَرأةِ مُنفرِدةً، كما ثَبت في الصَّحيحِ: «أَنَّ أَنَسًا وَاليَتِيمَ صفَّا خلفَ النَّبيِّ ﷺ، وَصفَّتِ العَجوزُ خلفَهمَا»، وقدِ اتَّفق العُلماءُ على صحَّةِ وُقوفِها مُنفرِدةً إذا لم يكن في الجَماعةِ امرأةٌ غيرُها، كما جاءَت به السُّنةُ، واحتَجوا أيضًا بوُقوفِ الإمامِ مُنفرِدًا، واحتَجوا بحَديثِ أبي بَكرةَ لمَّا ركَع دونَ الصَّفِّ، ثم دخلَ في الصَّفِّ فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: «زادَكَ اللَّهُ حِرصًا، ولا تَعُد»، وهذه حُجَّةٌ ضَعيفةٌ لا تُقاوِمُ حُجَّةَ النَّهيِ عن ذلك، وذلك مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ وُقوفَ المَرأةِ خلفَ صَفِّ الرِّجالِ سُنَّةٌ مَأمُورٌ بها، ولو وقفت في صَفِّ الرِّجالِ لَكانَ ذلك مَكروهًا، وهل تبطُلُ صَلاةُ مَنْ يُحاذيها؟ فيه قَولانِ لِلعُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه:
القولُ الأوَّلُ: تبطُلُ، كقولِ أبى حَنِيفَةَ، وهو اختيارُ أبي بَكرٍ، وأبي حَفصٍ، مِنْ أصحابِ أحمدَ.
والقولُ الآخَرُ: لا تبطُلُ، كقولِ مالِكٍ والشافِعيِّ، وهو قولُ ابنِ حامِدٍ
والقاضي، وغيرِهما، مع تَنازُعِهم في الرَّجلِ الواقِفِ معها، هل يَكونُ فَذًّا أو لا؟ والمَنصوصُ عن أحمدَ بُطلانُ صَلاةِ مَنْ يَليها في المَوقِفِ.
وأمَّا وُقوفُ الرَّجلِ وَحدَه خلفَ الصَّفِّ فَمَكروهٌ، وتَركٌ للسُّنَّةِ باتِّفاقِهم، فكيفَ يُقاسُ المَنهيُّ عنه بالمَأمُورِ به؟ وكذلك وُقوفُ الإمامِ أمامَ الصَّفِّ هو السُّنةُ، فكيفَ يُقاسُ المَأمُورُ به بالمَنهيِّ عنه، والقياسُ الصَّحيحُ إنَّما هو قِياسُ المَسكوتِ على المَنصوصِ، أمَّا قياسُ المَنصوصِ على مَنصوصٍ يُخالِفُه فهو باطِلٌ باتِّفاقِ العُلماءِ، كقياسِ الرِّبا على البَيعِ، وقد أحَلَّ اللهُ البَيعَ وحَرمَ الرِّبا.
والوَجهُ الثَّاني: أنَّ المَرأةَ وقفت خلفَ الصَّفِّ؛ لأنَّه لم يكن لها مَنْ تُصَافُّه، ولم يُمكِنها مُصافَّةُ الرِّجالِ، ولهذا لو كانَ معها في الصَّلاةِ امرأةٌ لكانَ مِنْ حقِّها أن تَقومَ معها، وكان حكمُها حُكمَ الرَّجلِ المُنفرِدِ عن صَفِّ الرِّجالِ، ونَظيرُ ذلك ألَّا يَجِدَ الرَّجلُ مَوقِفًا إلا خلفَ الصَّفِّ؛ فهذا فيه نِزاعٌ بينَ المُبطِلينَ لِصَلاةِ المُنفرِدِ، والأظهَرُ صحَّةُ صَلاتِه في هذا المَوضِعِ؛ لأنَّ جَميعَ واجِباتِ الصَّلاةِ تَسقُطُ بالعَجزِ، وطَرَدَ هذا صحَّةُ صَلاةِ المُتقدِّمِ على الإمامِ لِلحاجةِ، كقولِ طائِفةٍ، وهو قَولٌ في مَذهبِ أحمدَ.
وإذا كانَ القيامُ والقِراءةُ وإتمامُ الرُّكوعِ والسُّجودِ والطَّهارةِ بالماءِ وغيرِ ذلك يسقطُ بالعَجزِ، فكذلك الاصطِفافُ وتَركُ التَّقدُّمِ، وطَرَدَ هذا بَقيَّةَ مسائِلِ الصُّفوفِ، كمَسألةِ مَنْ صلَّى ولم يَرَ الإمامَ، ولا مَنْ وَراءَه، مع سَماعِه لِلتَّكبِيرِ، وغيرِ ذلك، وأما الإمامُ فإنَّما قُدِّمَ لِيَراهُ المَأمُومونَ، فيَأتَمُّوا به، وهذا مُنتَفٍ في المَأمُومِ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب استقبال القبلة
بابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ
اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا في الحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيُّ، رَحِمَهُ اللهُ. والأصْلُ في ذلك قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} . يَعْنِى نحوهُ، كما أَنْشَدُوا :
ألَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا ... ومَا تُغْنِى الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
أىْ نحوَ عَمْرٍو. وتقولُ العربُ: هؤلاء القومُ يُشَاطِرُونَنا. إذا كانتْ بُيُوتُهم تُقَابِلُ بُيُوتَهم. وقال عليٌّ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ. وروى عن الْبَرَاءِ قالَ: قَدِمَ رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فصَلَّى نحوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثم إنَّهُ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ فمَرَّ رَجُلٌ، وكان يُصَلِّى مع النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على قومٍ، مِنَ الأَنْصَارِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ. فانْحَرَفُوا إلى الكَعْبَةِ. أخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ .
١٣١ - مسألة؛ قال أبو القاسِم: (وإذَا اشْتَدَّ الخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى القِبْلَةِ، وصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، يُومِىءُ إيمَاءًا عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، ويَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّهُ إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ،
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب موقف صلاة المأموم مع الإمام)
(باب موقف صلاة المأموم مع الإمام)
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا قَامَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلًا أَوِ امْرَأَةً قَامَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا خَلْفَهُ وَحْدَهُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا فَالسُّنَّةُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَقِفُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَقِفُ خَلْفَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ آخَرُ وَقَفَا خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ تَقَدَّمَ وَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان ما يستحب للإمام أن يفعله عقيب الفراغ من الصلاة
مُعَلَّقٍ فِي الْهَوَاءِ فَتَوَضَّأَ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ، فَتَوَضَّأْتُ وَوَقَفْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي - وَفِي رِوَايَةٍ بِذُؤَابَتِي - وَأَدَارَنِي خَلْفَهُ حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَعُدْتُ إلَى مَكَانِي فَأَعَادَنِي ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا غُلَامُ أَنْ تَثْبُتَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَوْقَفْتُكَ فِيهِ؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُسَاوِيَكَ فِي الْمَوْقِفِ فَقَالَ ﷺ : اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ، فَإِعَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْوُقُوفُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا رُوِيَ «عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَوَّلَهُ وَأَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ» ، ثُمَّ إذَا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِمَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَصَابِعُهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْعَوَامّ.
ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.