مكان صلاة الجماعة

الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > مكان صلاة الجماعة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 16 دقيقة قراءة

مكان صلاة الجماعة - الأقوال والأدلة

وأقامَ، فإِنَّه يُعَدُّ كالجَماعةِ، فَضلًا وحُكمًا، ويَحصلُ له فَضلُ الجَماعةِ إذا نَوى الإمامةَ؛ لأنَّه لا تَتَمَيَّزُ صَلاتُه مُنفرِدًا عن صَلاتِه إمامًا إلا بالنِّيةِ؛ ولذلك لا يُعيدُ في أُخرى، ولا يُصلِّي بعدَه جَماعةً في مَحَلِّه الذي هو مُرتبٌ فيه، ويُعيدُ معه مَنْ صلَّى فَذًّا، ويَجمَعُ وَحدَه لَيلَةَ المَطَرِ ونحوِه، إن أذَّنَ وأقامَ وانتظَرَ النَّاسَ في وقتِهمُ المُعتادِ، فلَم يَأتِه أحَدٌ (١).

وهذه الأحكامُ إنَّما هي بالنِّسبةِ لِلعددِ الذي تَنعقِدُ به الجَماعةُ في غيرِ الجمُعةِ والعِيدِ، أمَّا في الجمُعةِ والعِيدِ فإنَّ العددَ يختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِآخرَ، كما سيأتي -إن شاءَ اللهُ- في أحكامِ صَلاتَيِ الجمُعةِ والعِيدِ.

مَكانُ صَلاةِ الجَماعةِ:

تَجوزُ إقامةُ صَلاةِ الجَماعةِ في أيِّ مَكانٍ طاهِرٍ، في البَيتِ أو الصَّحراءِ أو المَسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ : «أُعطِيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أَحدٌ قَبلِي». وذَكَر فيها: «وَجُعلت لِيَ الأَرضُ مَسجدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدرَكَتهُ الصَّلاةُ فَليُصلِّ» (٢).

وقالَت عائِشةُ رضي الله عنها: «صلَّى رَسولُ اللهِ في بَيتِه وهو شَاكٍ، فَصلَّى جالسًا، وَصلَّى وَراءَهُ قَومٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيهِم أَنِ اجلِسُوا» (٣)، وقالَ النَّبيُّ لِرَجلَينِ: «إذا صلَّيتُمَا في رِحَالِكُمَا ثم أَتَيتُمَا مَسجدَ

(١) «الشَّرح الكبير» (١/ ٣٢٣)، و «الشرح الصغير» (١/ ٢٨٢)، و «منح الجليل» (١/ ٣٥٦).
(٢) رواه البُخاري (٣٢٨)، ومُسلم (٥٢١).
(٣) رواه البُخاري (٦٥٦).

جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا معَهم؛ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (١).

إلَّا أنَّ الجَماعةَ لِلفَرائِضِ في المَسجدِ أفضَلُ منها في غيرِ المَسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ : «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ في بُيُوتِكُم؛ فإنَّ أَفضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرءِ في بَيتِه، إلا المَكتُوبَةَ» (٢)، أي: فهي في المَسجدِ أفضَلُ؛ لأنَّ المَسجدَ مُشتمِلٌ على الشَّرَفِ والطَّهَارةِ وإظهارِ الشَّعائرِ وكَثرَةِ الجَماعةِ.

وفِعلُ الصَّلاةِ في المَساجِدِ التي يَكثُرُ فيها النَّاسُ أفضَلُ مِنْ الصَّلاةِ في المَساجِدِ التي يَقِلُّ فيها النَّاسُ؛ لقولِ النَّبيِّ : «صَلاةُ الرَّجلِ مع الرَّجلِ أَزكَى مِنْ صَلاتِه وَحدَهُ، وَصَلاتُه مع الرَّجلَينِ أَزكَى مِنْ صَلاتِه مع الرَّجلِ، ومَا كَثُرَ فَهو أَحبُّ إلى اللَّهِ تَعالَى» (٣).

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإن كانَ في جِوارِه أو غيرِ جِوارِه مَسجدٌ لا تَنعقِدُ الجَماعةُ فيه إلا بحُضورِه، ففِعلُها فيه أولى؛ لأنَّه يَعمُرُه بإقامةِ الجَماعةِ فيه، ويُحَصِّلها لِمَنْ يُصلِّي فيه، وإن كانَت تُقامُ فيه، وكانَ في قَصدِه كَسرُ قَلبِ إمامِه أو جَماعتِه، فجَبرُ قُلوبِهم أولى، وإن لم يكن كذلك فهلِ الأفضَلُ قَصدُ الأبعَدِ أو قَصدُ الأقرَبِ؟ فيه رِوايتانِ:

إحداهما: قَصدُ الأبعَدِ؛ لِتَكثُرَ خُطاهُ مِنْ طَلَبِ الثَّوابِ؛ فتكثُرَ حسَناتُه.

والأُخرى: قَصدُ الأقرَبِ؛ لأنَّ له جِوارًا؛ فكانَ أحَقَّ بصَلاتِه، كما أنَّ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه التِّرمذي (٢١٩)، والنسائي (٨٥٨).
(٢) رواه البُخاري (٦٩٨).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٥٥٤)، والنسائي (٨٤٣).

الجارَ أحقُّ بهَديَّةِ جارِه ومَعروفِه مِنْ البَعيدِ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فإن كان هناك مَساجِدُ فذَهابُه إلى أكثَرِها جَماعةً أفضَلُ؛ لِلحَديثِ المَذكورِ، فلو كانَ بجِوارِه مَسجدٌ قَليلُ الجَمعِ، وبالبُعدِ منه مَسجدٌ أكثرُ جَمعًا، فالمَسجدُ البَعيدُ أولى، إلا في حالَتَينِ:

إحداهما: أن تَتعطَّلَ جَماعةُ القَريبِ؛ لِعُدولِه عنه؛ لكَونِه إمامًا، أو لكَونِه يَحضُرُ النَّاسُ بحُضورِه؛ فحينئِذٍ يَكونُ القَريبُ أفضَلَ.

الأُخرى: أن يَكونَ إمامُ البَعيدِ مُبتَدِعًا، كالمُعتزِليِّ أو غيرِه، أو فاسِقًا، أو لا يَعتقدُ وُجوبَ بعضِ الأركانِ؛ فالقَريبُ أفضَلُ.

فإن كان مَسجدُ الجِوارِ لا جَماعةَ فيه، لو حَضرَ هذا الإنسانُ فيه لَم يَحصل جَماعةٌ، ولم يَحضُره غيرُه؛ فالذَّهابُ إلى مَسجدِ الجَماعةِ أفضَلُ بالاتِّفاقِ (٢).

وإذا صلَّى في البَيتِ جَماعةً فهو أفضَلُ مِنْ الانفِرادِ بمَسجدٍ -لِلخَبرِ السابقِ-؛ لأنَّ الفَضيلةَ المُتعلِّقةَ بنَفسِ العِبادةِ أفضَلُ مِنْ الفَضيلةِ المُتعلِّقةِ بمَكانِها أو زَمانِها.

ولو كانَ إذا ذَهب إلى المَسجدِ وتركَ أهلَ بَيتِه لَصَلُّوا فُرادى، أو لتَهاوَنوا، أو بَعضُهم في الصَّلاة، أو لو صلَّى في بَيتِه لَصلَّى جَماعةً، وإذا صلَّى في المَسجدِ صلَّى وَحدَه، فصَلاتُه في بَيتِه أفضَلُ (٣).

(١) «المغني» (٢/ ٣٨١).
(٢) «المجموع» (٥/ ٢٥٢).
(٣) «مغني المحتاج» (١/ ٢٣٠)، و «أسنى المطالب» (١/ ٢١٠).

وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإن كانَ البَلدُ ثَغرًا، فالأفضَلُ اجتِماعُ النَّاسِ في مَسجدٍ واحدٍ؛ ليَكونَ أعلى لِلكَلِمةِ، وأوقَعَ لِلهَيبَةِ، وإذا جاءَهُم خَبرٌ عن عَدُوِّهم سمِعه جَميعُهم، وإن أرادوا التَّشاوُرَ في أمرٍ حَضرَ جَميعُهم، وإن جاءَ عَينُ الكُفَّارِ رآهُم فأخبَرَ بكَثرَتِهم.

وقالَ الأوزاعيُّ: لو كانَ الأمرُ إلَيَّ لسمَّرتُ أبوابَ المَساجِدِ التي في الثَّغرِ أو نحوِ هذا؛ ليَجتَمعَ النَّاسُ في مَسجدٍ واحدٍ (١).

والصَّلاةُ في المَساجِدِ الثَّلاثةِ -المَسجدِ الحَرامِ، والمَسجدِ النَّبَويِّ، والمَسجدِ الأقصى-، وإن قَلَّت، أفضَلُ منها في غيرِها، وإن كَثُرَت، بل قالَ المُتولِّي مِنْ الشافِعيَّةِ: الانفِرادُ فيها أفضَلُ مِنْ الجَماعةِ في غيرِها (٢).

وما سبقَ مِنْ أفضَليَّةِ صَلاةِ الجَماعةِ في المَسجدِ إنَّما هو بالنِّسبةِ لِلرِّجالِ، أمَّا النِّساءُ فالجَماعةُ لَهنَّ في البُيوتِ أفضَلُ منها في المَسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ : «صَلاةُ المَرأَةِ في بَيتِهَا أَفضَلُ مِنْ صَلاتِهَا في حُجرَتِها، وَصَلاتُهَا في مَخدَعِها أَفضَلُ مِنْ صَلاتِهَا في بَيتِهَا» (٣).

(١) «المغني» (١/ ٣٨١).
(٢) «مغني المحتاج» (١/ ٢٣٠).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٥٧٠)، وابن خُزَيمة في «صحيحه» (٣/ ٩٥)، ويُنظر: «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٧٢، ٤٤٣، ٤٧٣)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٠٥)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٨٢، ١١٧)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢٤١)، و «القوانين الفقهية» (٥٥)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٥٦)، وباقي المصادِرِ المَذكورة.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل واجبات الصلاة

لِلْمَسْجِدِ، وَحُكْمُ التَّبَعِ حُكْمُ الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ، وَهَذَا إذَا كَانَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ إمَامِهِ، فَإِنْ كَانَ يَشْتَبِهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ وُقُوفُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِمَامِ لَا يُجْزِئْهُ لِانْعِدَامِ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى سَطْحٍ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، مُتَّصِلٍ بِهِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، فَاقْتَدَى بِهِ - صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَكَانَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.

(وَلَنَا) أَنَّ السَّطْحَ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ كَانَ تَبَعًا لِسَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَتَبَعُ سَطْحِ الْمَسْجِدِ فِي حُكْمِ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ اقْتِدَاؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ كَاقْتِدَائِهِ وَهُوَ فِي جَوْفِ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ حَالُ الْإِمَامِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب المواقيت

باب المواقيتِ

أجْمَعَ المسلمون على أنَّ الصلواتِ الخَمْسَ مُؤَقَتَةٌ بمواقيتَ معلومة محدودة، وقد ورد ذلك في أحاديثَ صِحاحٍ جِيادٍ، نَذْكرُ أكْثَرَهَا في مواضِعها، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

١٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ)

بدأ الخِرَقِىُّ بذِكْرِ صلاةِ الظُّهْرِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ بدأ بها حين أمَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ ابْنِ عبَّاسٍ، وجابرٍ، وبدأ بها -صلى اللَّه عليه وسلم-حين علَّمَ الصَّحابةَ مَوَاقِيتَ الصَّلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَة وغَيْرِه، وبدأ بِها الصَّحابةُ رَضِىَ اللهُ عنهم حين سُئِلُوا عن الأوقاتِ في حديثِ أبى بَرزْةَ وجابرٍ وغيرِهما، تُسَمَّى الأُولَى والهَجِيرَ وَالظُّهْرَ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى الهَجِيرَ التي يَدْعُونَها الأُولَى حين تَدْحَضُ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عليه ، يَعْني حينَ تزُولُ الشَّمْسُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب موقف صلاة المأموم مع الإمام)

(باب موقف صلاة المأموم مع الإمام)

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَإِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا قَامَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلًا أَوِ امْرَأَةً قَامَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا خَلْفَهُ وَحْدَهُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا أَمَّ رَجُلٌ رَجُلًا فَالسُّنَّةُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَقِفُ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يَقِفُ خَلْفَهُ إِلَى أَنْ يَرْكَعَ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ آخَرُ وَقَفَا خَلْفَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ تَقَدَّمَ وَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 556 - 559

ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.9 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده