الشرط الثالث: ألا تعدد الجمعة في المصر الواحد مطلقا

الإسلام > الصلاة > صلاة الجمعة > الشرط الثالث: ألا تعدد الجمعة في المصر الواحد مطلقا

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 34 دقيقة قراءة

الشرط الثالث: ألا تعدد الجمعة في المصر الواحد مطلقا - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الثَّالثُ: ألاَّ تُعدَّدَ الجمُعةُ في المِصرِ الواحدِ مُطلَقًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إقامةِ الجمُعةِ في أكثرَ مِنْ مَكانٍ في البَلدِ الواحدِ: هل تَصحُّ أو لا؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وقَولٌ لِلحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في أكثرَ مِنْ مَكانٍ في البَلدِ الواحدِ، وقالَ أحمدُ في المَشهورِ عنه: يَجوزُ أن تُقامَ في المِصرِ الواحدِ في مَواضعَ، إذا كانَ كَبيرًا، واحتِيجَ إلى ذلك، وسَواءٌ كانَ البَلدُ جانِبًا واحدًا أو جانبَينِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ في الصَّحيحِ عنهما: يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مِصرٍ واحدٍ في مَوضعَينِ وأكثرَ مِنْ ذلك؛ لأنَّ في عدمِ تَعدُّدِ جَوازِها حَرجًا، والحَرجُ مَدفُوعٌ، وفي القولِ بأنَّه لا تَجوزُ إِقامتُها إلا في مَوضعٍ واحدٍ مَعنى الحَرجِ، ومَعنى تَهييجِ الفِتنةِ، فقد يَكونُ بينَ أهلِ مِصرٍ واحدٍ اختِلافٌ على وَجهٍ لو اجتَمَعوا في مَوضعٍ كانَ ذلك سَببًا لتَهييجِ الفِتنةِ، وقد أُمِرنا بتَسكينِها؛ فلِهذا جَوَّزنا إِقامتَها في مَوضعَينِ وأكثرَ مِنْ ذلك.

وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَ المِصرُ له جانِبانِ كبَغدادَ، يَجوزُ. وقالَ الطَّحاوِيُّ رحمة الله عليه: والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِنا أنَّه لا يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في أكثرَ مِنْ مَوضعٍ واحدٍ مِنْ المِصرِ؛ إلا أن يَشُقَّ الاجتِماعُ؛ لكِبَرِ المِصرِ، فيَجوزُ في مَوضعَينِ، وإن دَعَتِ الحاجةُ إلى أكثرَ جازَ (١).

(١) «الإفصاح» (١/ ٢٤٢)، و «الاختيار» (١/ ١٠٣)، و «ابن عابدين» (٢/ ١٤٥)، و «الإشراف» (١/ ١٣٥)، و «المجموع» (٥/ ٧٧١)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٥)، و «المغني» (٣/ ٥٣، ٥٥)، والدُّسوقي (١/ ٣٧٤).

وقالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: واختلَفتِ الرِّواياتُ في إقامةِ الجمُعةِ في مَوضعَينِ في مِصرٍ واحدٍ، فالصَّحيحُ مِنْ قولِ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ -رحمهما الله- أنَّه يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مِصرٍ واحدٍ في مَوضعَينِ وأكثرَ مِنْ ذلك.

وعن أَبي يُوسفَ رحمة الله عليه فيه رِوايَتانِ، في إحدى الرِّوايَتينِ: تَجوزُ في مَوضعَينِ ولا تَجوزُ في أكثرَ مِنْ ذلك، وفي الرِّوايةِ الأُخرى: لا يَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مِصرٍ واحدٍ في مَوضعَينِ إلا أن يَكونَ في وسَطِ المِصرِ نَهرٌ عَظيمٌ، كما هو ببَغدادَ، فحينَئذٍ يَكونُ كلُّ جانِبٍ في حُكمِ مِصرٍ على حِدَةٍ (١).

وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: لا تَنعقِدُ الجمُعةُ في المِصرِ الواحدِ إلا في مَوضعٍ واحدٍ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فكانَ هذا مُجمَلًا، فبيَّنه النَّبيُّ بفِعلِه، فأقامَ الجمُعةَ في مَوضعٍ واحدٍ، مُفتتِحًا لها، مُبتدِئًا، أُقيمَت في خَمسةِ مَواضعَ وأكثرَ، ولأنَّ السَّعيَ إلى الأُولى قد وجَبَ بالنِّداءِ إليها، والثانيةِ يَقعُ مَنهيًّا عنها؛ لأنَّ على مَنْ يُقيمُها أن يَسعَى إلى الأُولى ويَتركَ ما هو فيه؛ ولأنَّها لو جازَت في مَوضعَينِ لكانَ مَنْ سمِعَ النِّداءَ فيهما لا يَخلُو مِنْ أن يُجيبَهما، ولا يُمكِنُ ذلك، أو أن يَكونَ مُخيَّرًا، وليسَ في ذلك تَخييرٌ؛ فلم يَبقَ إلا المَنعُ، ولأنَّها لا يَخلُو أن تَكونَ كسائرِ الجَماعاتِ أو بخِلافِها، فإن كانَت كسائرِ

(١) «المبسوط» (٢/ ١٢٠).

الجَماعاتِ جازَت في كلِّ مَسجدٍ، ولم يَقفْ على مَوضعَينِ وثَلاثةٍ، وإن كانَت مُختصَّةً فذلك ما قُلناه (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: «ولا يُجمَّعُ في مِصرٍ وإن عظُمَ وكَثُرت مَساجدُه إلا في مَسجدٍ واحدٍ منها». قالَ الماوَرديُّ: وهذا كَما قالَ. لا تَنعقِدُ جمُعتانِ في مِصرٍ، ولا يَجوزُ إِقامتُها إلا في مَسجدٍ واحدٍ، وهو قولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ.

وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَ البَلدُ حارَتينِ انعَقدَت فيه جمُعتانِ.

وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: تَنعِقُد جمُعتانِ في كلِّ بَلدٍ، ولا تَنعقِدُ ثَلاثُ جُمعٍ. وأَجرَوا ذلك مَجرَى صَلاةِ العِيدِ، وهذا غَلطٌ.

والدِّلالةُ على صحَّةِ ما ذهَبنا إليه: أنَّ الجمُعةَ وشَرائطَها مُرتبطةٌ بفِعلِ النَّبيِّ ومَحدودةٌ فيه، فلا يَتجاوَزُ حكمُها عن شَرطِه وفِعلِه، فكانَ ممَّا وصَفَ به الجمُعةَ وجعَلَه شَرطًا لها أن عطَّلَ لها الجَماعاتِ، وأَقامَها في مَسجدٍ واحدٍ، في أوَّلِ الأمرِ، وعندَ انتِشارِ المسلِمينَ وكَثرَتِهم، ثم جَرى عليه الخُلفاءُ رضي الله عنهم بعدَه، ولو جازَت في مَوضعَينِ لَأبانَ ذلك ولو مرَّةً واحدةً، إمَّا بقولِه أو بفِعلِه، ولأنَّها لا تَخلو مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أن يَصحَّ انعِقادُها في كلِّ مَسجدٍ؛ إلحاقًا بصَلاةِ الجَماعةِ، أو ألَّا يَصحَّ انعِقادُها إلا في مَسجدٍ واحدٍ؛ اختِصاصًا لها بتَعطيلِ الجَماعةِ؛ إذ ليسَ هناك أصلٌ ثابِتٌ تُردُّ إليه، فلمَّا لم يَصحَّ انعقادُها في كلِّ مَسجدٍ، ثبَتَ أنَّه

(١) «الإشراف على نُكت مسائل الخلاف» (٢/ ٢٥، ٢٦) رقم (٣٥٤).

لا يَصحُّ انعِقادُها إلا في مَسجدٍ واحدٍ. ولأنَّه مِصرٌ انعَقدَت فيه الجمُعةُ، فوجَبَ ألَّا يَنعقِدَ فيه غيرُها، كالجمُعةِ الثَّالثةِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالسَّعيِ عندَ إِقامتِها، فلو جازَت إِقامتُها في مَوضعَينِ لوجَبَ عليه السَّعيُ إليهما؛ إذ ليسَ أحدُهما أَولى بالسَّعيِ إليه مِنْ الآخَرِ، وسَعيُه إليهما مُستَحيلٌ، وإلى أَحدِهما غيرُ جائِزٍ، فدلَّ على فَسادِه، ولأنَّ الجمُعةَ مِنْ الأُمورِ العامَّةِ التي شُرِطَ فيها العددُ والجَماعةُ، فوجَبَ ألَّا تَنعقِدَ في مَوضعَينِ، كما لا تَنعقِدُ البَيعَةُ لِإمامَينِ.

إذا ثبَتَ ما ذكَرْنا فالبِلادُ على ثَلاثةِ أضرُبٍ:

أحدُها: ما كانَ مُدنًا مُتقارِبةً وقُرًى مُتَدانِيةً، اتَّصلَ بُنيانُها، واجتَمعَت مَساكِنُها كبَغدادَ؛ فيَجوزُ أن تُقامَ فيه الجمُعةُ في مَوضعَينِ وأكثرَ اعتِبارًا بحُكمِ أهلِها، وقد دخَلَ الشافِعيُّ بَغدادَ، فلم يُنكِرْ ذلك عليهم.

والضَّربُ الثاني مِنْ البِلادِ: ما كانَ مِصرًا لم يُضمَّ إليه غيرُه، ويُمكِنُ جَميعَهم إقامةُ الجمُعةِ في مَوضعٍ منه كالكُوفةِ، فهذا الذي لا يَجوزُ أن تُقامَ الجمُعةُ في مَوضعَينِ منه.

والضَّربُ الثَّالثُ مِنْ البِلادِ: ما كانَ مِصرًا لم يُضَمَّ إليه غيرُه، ولكِن لا يُمكِنُ جَميعَهم إقامةُ الجمُعةِ في مَوضعٍ واحدٍ منه؛ لسَعتِه وكَثرةِ أهلِه كالبَصرةِ؛ فقدِ اختَلفَ أَصحابُنا في إقامةِ الجمُعةِ في مَوضعَينِ منه على وجهَينِ:

أحدُهما: لا يَجوزُ؛ لمَا سبَقَ مِنْ الدِّلالةِ، ويُصلِّي الناسُ إذا ضاقَ بهم في الشَّوارِعِ والأفنِيةِ.

والوَجهُ الآخَرُ قالَه أبو إِسحاقَ المَروزِيُّ، وأَفتى به أبو إِبراهيمَ المُزنِيُّ: تَجوزُ إقامةُ الجمُعةِ في مَواضعَ، بحَسبِ الحاجةِ الدَّاعِيةِ إليه؛ لأنَّه لو لم يَجزْ لِأهلِ هذا المِصرِ العَظيمِ أن يُصلُّوا إلا في مَوضعٍ واحدٍ، لَطالَ اتِّصالُ الصُّفوفِ، ولَخرَجَ عن حَدِّ المُتعارَفِ، وخفِيَ عليه اتِّباعُ الإمامِ؛ لأنَّ الإمامَ إن كبَّرَ على العادةِ لم يَصلِ التَّكبيرُ إلى آخرِهم إلا بعدَ تَكبيرِه لِرُكنٍ ثَانٍ، فيَلتبِسَ عليهمُ التَّكبيرُ، وتَختلِطَ عليهم الصَّلاةُ، وإن كبَّرَ وانتظَرَ بُلوغَ التَّكبيرِ إلى آخرِهم، طالَ الزَّمانُ وتَفاحَشَ الانتِظارُ، فدَعتِ الضَّرورةُ إلى إِقامتِها في مَواضعَ، فزعَمَ بعضُ البَصريِّينَ أنَّ الجَوينَ غيرُ البَصرةِ، وأنَّها كانَت في الأصلِ دَسكِرةَ، وأُضيفَت إلى البَصرةِ، وإن كانَ ذلك جازَ إقامةُ الجمُعةِ بها، وَجهًا واحدًا، واللهُ أعلَمُ.

مَسألةٌ: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وأيُّها جُمِّعَ فيه فبَدأَ بها بعدَ الزَّوالِ فهي الجمُعةُ، وما بعدَها فإنَّما هي ظُهرٌ، يُصلُّونَها أربَعًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ومَن بعدَه صَلوا في مَسجدِه، وحولَ المَدينةِ مَساجدُ لا نَعلمُ أَحدًا منهم جمَّعَ إلا فيه، ولو جازَ في مَسجدَينِ لَجازَ في مَساجدِ العَشائرِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: وإذا كانَ البَلدُ كَبيرًا يَحتاجُ إلى جَوامعَ، فصَلاةُ الجمُعةِ في جَميعِها جائِزةٌ.

وجُملتُه أنَّ البَلدَ متى كانَ كَبيرًا يَشقُّ على أهلِه الاجتِماعُ في مَسجدٍ واحدٍ ويَتعذَّرُ ذلك؛ لتَباعُدِ أَقطارِه، أو ضِيقِ مَسجدِه عن أهلِه، كبَغدادَ

(١) «الحاوي الكبير» (٢/ ٤٤٧، ٤٤٩).

وأصبَهانَ، ونحوِهما مِنْ الأَمصارِ الكَبِيرةِ، جازَت إقامةُ الجَماعةِ فيما يُحتاجُ إليه مِنْ جَوامعِها، وهذا قولُ عطاءٍ، وأجازَهُ أبو يُوسفَ في بَغدادَ دونَ غيرِها؛ لأنَّ الحُدودَ تُقامُ فيها في مَوضعَينِ، والجمُعةُ حيثُ تُقامُ الحُدودُ، ومُقتضَى قولِه أنَّه لو وجَدَ بَلدًا آخرَ تُقامُ فيه الحُدودُ في مَوضعَينِ جازَت إقامةُ الجمُعةِ في مَوضعَينِ منه؛ لأنَّ الجمُعةَ حيثُ تُقامُ الحُدودُ، وهذا قولُ ابنِ المُبارَكِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: لا تَجوزُ الجمُعةُ في بَلدٍ واحدٍ في أكثرَ مِنْ مَوضعٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ لم يَكنْ يُجمِّعُ إلا في مَسجدٍ واحدٍ وكذلك الخُلفاءُ بعدَه، ولو جازَ لم يُعطِّلوا المَساجدَ، حتى قالَ ابنُ عمرَ: «لا تُقامُ الجمُعةُ إلا في المَسجدِ الأكبَرِ الذي يُصلِّي فيه الإمامُ».

ولنا: أنَّها صَلاةٌ شُرعَ لها الاجتِماعُ والخُطبةُ، فجازَت فيما يُحتاجُ إليه مِنْ المَواضعِ كصَلاةِ العِيدِ، وقد ثبَتَ أنَّ علِيًّا رضي الله عنه كانَ يَخرجُ يومَ العِيدِ إلى المُصلَّى، ويَستخلِفُ على ضَعفَةِ النَّاسِ أبا مَسعودٍ البَدرِيِّ، فيُصلِّي بهم، فأمَّا تَركُ النَّبيِّ إقامةَ جمُعتَينِ، فلغِناهُم عن إحداهُما، ولأنَّ أَصحابَه كانوا يُؤثِرونَ سَمَاعَ خُطبَتِه وشُهودَ جمُعتِه، وإن بَعُدت مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبلِّغُ عن اللهِ تَعالى، وشارِعُ الأَحكامِ، ولمَّا دعَتِ الحاجَةُ إلى ذلك في الأَمصارِ، صُلِّيَت في أَماكنَ ولم يُنكَر، فصارَ إِجماعًا.

وقولُ ابنِ عمرَ يَعني أنَّها لا تُقامُ في المَساجدِ الصَّغِيرةِ، وتُتركُ الكَبيرةُ، وأمَّا اعتِبارُ ذلك بإقامةِ الحُدودِ، فلا وَجهَ له.

قالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يَقولُ: أيُّ حَدٍّ كانَ يُقامُ بالمَدينةِ؟ قدِمَها مُصعَبُ بنُ عميرٍ وهم مُختبِئونَ في دارٍ، فجمَّعَ بهم وهُم أربَعونَ.

فَصلٌ: فأمَّا مع عدمِ الحاجةِ فلا يَجوزُ في أكثرَ مِنْ واحدٍ، وإن حصَلَ الغِنَى باثنَينِ لم تَجُزِ الثَّالثةُ، وكذلك ما زادَ لا نَعلمُ في هذا مُخالِفًا إلا أنَّ عطاءً قيلَ له: إنَّ أهلَ البَصرةِ لا يَسَعُهم المَسجدُ الأكبَرُ، قالَ: «لكلِّ قَومٍ مَسجدٌ يُجمِّعونَ فيه، ويُجزِئُ ذلك مِنْ التَّجميعِ في المَسجدِ الأكبَرِ»، وما عليه الجُمهورُ أَولى؛ إذ لمْ يُنقلْ عن النَّبيِّ وخُلفائِه أنَّهم جَمَّعوا أكثرَ مِنْ جمُعةٍ؛ إذ لمْ تَدعُ الحاجةُ إلى ذلك. ولا يَجوزُ إثباتُ الأَحكامِ بالتَّحكُّمِ بغيرِ دَليلٍ.

فإن صَلوا جمُعتَينِ في مِصرٍ واحدٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ، وإحداهُما جمُعةُ الإمامِ فهي صَحيحةٌ -تَقدَّمت أو تَأخَّرت- والأُخرى باطِلةٌ؛ لأنَّ في الحُكمِ ببُطلانِ جمُعةِ الإمامِ افتِئاتًا عليه، وتَفويتًا له الجمُعةَ، ولمَن يُصلِّي معه، ويُفضِي إلى أنَّه متى شاءَ أربَعونَ أن يُفسِدوا صَلاةَ أهلِ البَلدِ أمكَنَهم ذلك، بأن يَجتَمِعوا في مَوضعٍ، ويَسبِقوا أهلَ البَلدِ بصَلاةِ الجمُعةِ، وقيلَ: السابقةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّها لم يَتقدَّمْها ما يُفسِدُها، ولا تفسُدُ بعدَ صحَّتِها بما بعدَها.

والأوَّلُ أصحُّ؛ لمَا ذكَرْنا، وإن كانَت إحداهُما في المَسجدِ الجامِعِ، والأُخرى في مَكانٍ صَغيرٍ لا يَسعُ المُصلِّينَ، أو لا يُمكِنُهم الصَّلاةُ فيه؛ لاختِصاصِ السُّلطانِ وجُندِه به أو غيرِ ذلك، أو كانَ أحدُهما في قَصَبةِ البَلدِ، والآخَرُ في أقصَى المَدينةِ، كانَ مَنْ وُجِدت فيه هذه المَعاني صَلاتُهم صَحيحةٌ

دونَ الآخَرينَ، وهذا قولُ مالِكٍ؛ فإنَّه قالَ: لا أَرى الجمُعةَ إلا لِأهلِ القَصَبةِ، وذلك لأنَّ لِهذه المَعاني مَزيَّةً تَقتَضي التَّقديمَ؛ فقُدِّمَ بها كجمُعةِ الإمامِ، ويُحتَملُ أن تَصحَّ السابقةُ منها دونَ الأُخرى؛ لأنَّ إذنَ الإمامِ آكَدُ، ولذلك اشتُرِطَ في إحدى الرِّوايتَينِ، وإن لم يَكنْ لإحداهُما مَزيَّةٌ لكَونِهما جَميعًا مَأذونًا فيهما، أو غيرَ مَأذونٍ في واحدةٍ منهما وتَساوَى المكانانِ في إِمكانِ إقامةِ الجمُعةِ في كلِّ واحدةٍ منهما، فالسابِقةُ هي الصَّحيحةُ؛ لأنَّها وقَعَت بشُروطِها، ولم يُزاحِمها ما يُبطِلُها، ولا سبَقَها ما يُغنِي عنها، والثانيةُ باطِلةٌ؛ لكَونِها واقِعةً في مِصرٍ أُقيمت فيه جمُعةٌ صَحيحةٌ تُغنِي عمَّا سِواها.

ويُعَدُّ السَّبقُ بالإِحرامِ؛ لأنَّه متى أَحرمَ بإحداهُما حرُمَ الإِحرامُ بغيرِها؛ للغِنى عنها، فإن وقَعَ الإِحرامُ بهما معًا فهُما باطِلتَانِ معًا؛ لأنَّه لا يُمكِنُ صحَّتُهما معًا، وليسَت إحداهُما بالفَسادِ أَولى مِنْ الأُخرى، فبطَلَتا، كالمُتزوِّجِ أُختَينِ، أو إذا زوَّجَ الوَلِيَّانِ رَجلَينِ، وإن لم تُعلَمِ الأُولى منهما، أو لم يُعلَمْ كَيفيَّةُ وُقوعِهما بطَلَتا أيضًا؛ لأنَّ إحداهُما باطِلةٌ ولم تُعلَمْ بعَينِها، وليسَت إحداهُما بالإبطالِ أَولى مِنْ الأُخرى؛ فبطلَتَا كالمَسألتَينِ.

ثم إن عَلِمنا فَسادَ الجمُعتَينِ لوُقوعِهما معًا، وجَبَ إعادةُ الجمُعةِ إن أمكَنَ ذلك؛ لبَقاءِ الوقتِ؛ لأنَّه مِصرٌ ما أُقيمَت فيه جمُعةٌ صَحيحةٌ، والوقتُ مُتَّسعٌ لإقامَتِها؛ فلزِمَتهم، كما لو لم يُصَلُّوا شَيئًا، وإن تَيقَّنا صحَّةَ إحداهُما لا بعَينِها، فليسَ لهُم أن يُصَلُّوا إلا ظُهرًا؛ لأنَّه مِصرٌ تَيقَّنَّا سُقوطَ فَرضِ الجمُعةِ فيه بالأُولَى منهما؛ فلم يَجزْ إقامةُ الجمُعةِ فيه، كما لو عَلِمناها، وقالَ القاضي: يُحتَملُ أنَّ لهم إقامةَ جمُعةٍ أُخرى؛ لأنَّنا حَكَمنا بفَسادِهما

معًا، فكأنَّ المِصرَ ما صُلِّيَت فيه جمُعةٌ صَحيحةٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الصَّحيحةَ لم تَفسُد، وإنَّما لم يَكنْ إثباتُ حُكمِ الصِّحةِ لها بعَينِها؛ لجَهلِها؛ فيَصيرُ هذا كلُّه كما لو زوَّجَ الوَليَّانِ أحدُهما قبلَ الآخَرِ، وجُهلَ السابقُ منهما؛ فإنَّه لا يثبُتُ حكمُ الصِّحةِ بالنِّسبةِ إلى واحدٍ بعَينِه، وثبَتَ حكمُ النِّكاحِ في حقِّ المَرأةِ؛ بحيثُ لا يَحِلُّ لها أن تَنْكِحَ زَوجًا آخرَ.

فأمَّا إن جَهِلنا كَيفيَّةَ وُقوعِهما فالأَولى ألَّا يَجوزَ إقامةُ الجمُعةِ أيضًا؛ لأنَّ الظاهِرَ صحَّةُ إحداهُما؛ لأنَّ وُقوعَهما معًا بحيثُ لا يَسبِقُ إحرامُ إحداهُما إِحرامَ الأُخرى بَعيدٌ جِدًّا، وما كانَ في غايةِ النُّدرةِ فحكمُه حكمُ المَعدومِ؛ ولأنَّنا شَكَكنا في شَرطِ إقامةِ الجمُعةِ؛ فلم يَجزْ إِقامتُها مع الشَّكِّ في شَرطِها، ويُحتَملُ أنَّ لهم إِقامتَها؛ لأنَّنا لم نَتيقَّنِ المانِعَ مِنْ صحَّتِها، والأوَّلُ أَولى.

فَصلٌ: وإن أَحرمَ بالجمُعةِ فتَبيَّنَ في أَثناءِ الصَّلاةِ أنَّ الجمُعةَ قد أُقيمَت في المِصرِ، بطَلَت الجمُعةُ، ولزِمَهم استِئنافُ الظُّهرِ؛ لأنَّنا تَبيَّنا أنَّه أَحرمَ بها في وَقتٍ لا يَجوزُ فيه الإِحرامُ بالجمُعةِ؛ فلا تَصحُّ، فأشبَهَ ما لو تَبيَّنَ أنَّه أَحرمَ بها بعدَ دُخولِ وقتِ العَصرِ، وقالَ القاضي: يُستحبُّ أن يَستَأنفَ ظُهرًا، وهذا مِنْ قولِه يَدلُّ على أنَّ له إِتمامَها ظُهرًا قِياسًا على المَسبوقِ الذي أَدركَ دونَ الرَّكعةِ، وكما لو أَحرمَ بالجمُعةِ فانفَضَّ العددُ قبلَ إِتمامِها، والفَرقُ ظاهِرٌ؛ فإنَّ هذا أَحرمَ بها في وَقتٍ لا تَصحُّ الجمُعةُ فيه، ولا يَجوزُ الإِحرامُ بها، والأصلُ الذي قاسَ عليه بخِلافِ هذا (١).

(١) «المغني» (٣/ ٥٣، ٦٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل صلاة الجمعة

أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى الرُّجُوعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ إنْ ثَبَتَ نَصًّا لِكَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى إصْلَاحِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ وَالْحَاجَةُ هَهُنَا مُتَحَقِّقَةٌ فَيَجُوزُ وَقَوْلُهُ إنَّ بَيْنَ كَوْنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ تَابِعًا وَمَتْبُوعًا مُنَافَاةٌ قُلْنَا: فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مُسَلَّمٌ أَمَّا فِي شَيْئَيْنِ فَلَا وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ مُتَغَايِرَةٌ حَقِيقَةً فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ تَابِعًا فِي بَعْضِهَا وَمَتْبُوعًا فِي بَعْضٍ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ مُتَجَزِّئَةٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ مُتَغَايِرَةٌ إلَّا فِي حَقِّ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً فَارْتِفَاعُهُ يَكُونُ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ، وَفِي حَقِّ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ قَامَ الدَّلِيلُ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ فَغَيَّرَهَا فَلَمْ تَبْقَ مُتَبَعِّضَةً مُتَجَزِّئَةً فِي حَقِّهِمَا، فَأَمَّا فِي حَقِّ التَّبَعِيَّةِ وَالْمَتْبُوعِيَّةِ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْحَاجَةِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَفِي أَوَانِ الْحَاجَةِ لَا إجْمَاعَ، وَالْحَقَائِقُ تَتَبَدَّلُ بِقَدْرِ الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلتَّغَيُّرِ وَالتَّبَدُّلِ وَلَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ حَيْثُ جَوَّزَ الِاسْتِخْلَافَ فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ عِنْدَ الْحَاجَةِ جَائِزٌ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ مَرَّةً تَابِعًا وَمَرَّةً مَتْبُوعًا غَيْرُ مَانِعٍ، وَيُنْظَرُ إلَى الْحَاجَةِ لَا إلَى وُرُودِ الشَّرْعِ فِي…

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
كتاب صلاة الجمعة

كتابُ صلاةِ الجُمُعَةِ

الأصْلُ في فَرْضِ الجُمُعةِ الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكِتابُ فقولُه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} . فأمر بالسَّعْىِ، ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ولا يَجِبُ السُّعْىُ إلَّا إلى واجبٍ ، ونهى عن البَيْعِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ به عنها، فلو لم تكنْ وَاجِبَةً لما نَهَى عن البَيْعِ من أجْلِها، والمُرَادُ بالسَّعْيِ ها هُنا الذَّهَابُ إليها، لا الإِسْراعُ، فإنَّ السَّعْىَ في كِتابِ اللهِ لم يُرَدْ به العَدْوُ، قال اللهُ تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى} . وقال: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} . وقال: {سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} . وقال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} . وأَشْبَاهُ هذا لم يُردْ بشيءٍ منه العَدْوَ, وقد رُوىَ عن عمرَ أنَّه كان يَقْرَؤُها: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} . وأمَّا السُّنَةُ، فقولُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عن وَدْعِهِم الجُمُعَاتِ أوْ لَيَخْتمَنَّ اللهُ على قُلُوبِهِمْ، ثم ليَكُونُنَّ من الغَافِلينَ" . مُتَّفَقٌ عليه . وعن أبي

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الجمعة وغيرها من أمرها)
(مسألة)

(كتاب الجمعة وغيرها من أمرها)

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحْمَدٍ قَالَ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَطْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي وَائِلٍ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ

الْجُمُعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} الجمعة: ٩ . فَأَوْجَبَ السَّعْيَ إِلَيْهَا، وَأَوْجَبَ تَرْكَ الْبَيْعِ لِأَجْلِهَا ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الذَّمِّ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} الجمعة: ١١

وكان سبب ذلك ما وري أَنَّ رَبَاحَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ صَيْفِيٍّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ، قَالَ للنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْيَهُودِ يَوْمٌ، وَلِلنَّصَارَى يَوْمٌ، فَلَوْ كَانَ لَنَا يوم، فنزلت سورة الجمعة

وقال سبحانه على سبيل " القسم " فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} البروج: ٣ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الشَّاهِدُ: الْجُمُعَةُ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَطَاءٌ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 23 - 31

ارجع إلى صلاة الجمعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله