الإسلام > الصلاة > صلاة الجمعة > الشرط الخامس: (السلامة)
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 12 دقيقة قراءةالشَّرطُ الخامِسُ: (السَّلامةُ): والمَقصودُ بها سَلامةُ المُصلِّي مِنْ العاهاتِ المُقعِدةِ أو المُتعِبةِ له في الخُروجِ إلى صَلاةِ الجمُعةِ؛ كالشَّيخوخةِ المُقعِدةِ، والعَمى، فإن وجَدَ الأعمَى قائِدًا، ولو بأُجرةٍ، أو مُتبَرِّعًا، وجَبَت عليه الجمُعةُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ والصَّاحبَينِ مِنْ الحَنفيةِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ رحمة الله عليه (١).
وكذلك أيضًا لا تَجبُ الجمُعةُ في حالةِ خَوفٍ مِنْ عَدوٍّ أو سبُعٍ أو لِصٍّ أو سُلطانٍ، ولا في حالةِ مَطرٍ شَديدٍ، أو وَحلٍ أو ثَلجٍ، يَتعثَّرُ معها الخُروجُ إليها؛ إذ لا تُعدُّ السَّلامةُ مُتوافِرةً في مِثلِ هذه الحالاتِ (٢).
النَّوعُ الثَّالثُ مِنْ الشُروطِ: شُروطُ الصِّحةِ فقط: وهي ثَلاثةُ شُروطٍ:
الأوَّلُ: الخُطبةُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ الجمُعةُ حتى يَتقدَّمَها خُطبَتانِ؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «صَلُّوا كما رَأيتمُونِي أُصلِّي» (٣). ولم يُصلِّ الجمُعةَ إلا بخُطبَتينِ، ورَوى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما قالَ: «كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَخطُبُ يومَ الجمُعةِ خُطبَتينِ، يَجلسُ بينَهما» (٤).
(١) «معاني الآثار» (٢/ ١٨٨)، و «الاختيار» (١/ ١٠١)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٥٥)، و «الإفصاح» (١/ ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٢/ ٢٣، ٢٤)، و «المجموع» (٥/ ٦٢٣).
(٢) المَصادِر السَّابِقة.
(٣) رواه البُخاري (٦٠٥).
(٤) رواه البُخاري (٨٨٦).
ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والذكرُ هو الخُطبةُ، ولأنَّ الخُطبَتينِ أُقيمَتا مَقامَ الرَّكعَتينِ، فكلُّ خُطبةٍ أُقيمَت مَكانَ رَكعةٍ، فالإِخلالُ بإحداهُما كالإِخلالِ بإحدى الرَّكعَتينِ (١).
وعَدَّ الشافِعيةُ للخُطبةِ أَركانًا خَمسةً لا بدَّ مِنْ تَوافُرِها، وهي: حَمدُ اللهِ، والصَّلاةُ على رَسولِه، والوَصيةُ بالتَّقوى، وهذه الأَركانُ الثَّلاثَةُ في كُلٍّ مِنْ الخُطبَتينِ.
والرابِعُ: قِراءةُ آيةٍ مِنْ القُرآنِ في إحداهُما.
والخامِسُ: ما يَقعُ عليه اسمُ الدُّعاءِ للمُؤمِنينَ في الخُطبةِ الثانيةِ.
واشتَرطَ الحَنابلَةُ مِنْ هذه الأَركانِ قِراءةَ آيةٍ مِنْ القُرآنِ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الخُطبةَ شَرطٌ، ولكن تُجزِئُ خُطبةٌ واحدةٌ، قالَ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: وتُسنُّ خُطبَتانِ بجَلسةٍ بينَهما، وبطَهارةٍ، قائِمًا. وهكذا ورَدَ النَّقلُ المُستَفيضُ عنه ﷺ، ولو خطَبَ خُطبةً واحدةً، أو لم يَجلسْ بينَهما، أو بغيرِ طَهارةٍ، أو غيرَ قائِمٍ، جازَت؛ لحُصولِ المَقصودِ وهو الذكرُ والوَعظُ، إلا أنَّه يُكرَهُ؛ لمُخالفَتِه التَّوارُثَ (٣).
(١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٨)، و «الذَّخيرة» (٢/ ٣٤١)، و «القوانين الفقهية» (٥٦)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٨٦)، و «المجموع» (٥/ ٦٧٠)، و «شرح المحلِّى على المنهاج» (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «المغني» (٣/ ١٥)، و «الإفصاح» (١/ ٢٣٦)، و «منهاج الطالبين» (١/ ٢٢).
(٢) المَصادِر السَّابِقة.
(٣) «تبيين الحقائق» (١/ ٢٢٠).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا كَيفيَّةُ الخُطبةِ ومِقدارُها، فقد قالَ أبو حَنيفةَ: إنَّ الشَّرطَ أن يَذكُرَ اللهَ تَعالى على قَصدِ الخُطبةِ، كذا نُقلَ عنه في «الأَمالي» مُفسَّرًا، قَلَّ الذِّكرُ أو كثُرَ، حتى لو سبَّحَ أو هلَّلَ أو حمِدَ اللهَ على قَصدِ الخُطبةِ، أجزَأَه.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: الشَّرطُ أن يَأتِيَ بكَلامٍ يُسمَّى خُطبةً في العُرفِ؛ لأنَّ المشُروطَ هو الخُطبةُ، والخُطبةُ في المُتعارَفِ اسمٌ لما يَشتمِلُ على تَحميدِ اللهِ تَعالَى، والثَّناءِ عليه، والصَّلاةِ على رَسولِه ﷺ، والدُّعاءِ للمُسلمِينَ، والوَعظِ والتَّذكِيرِ لهم؛ فيَنصرِفُ المُطلَقُ إلى المُتعارَفِ.
ولِأبي حَنيفةَ طَريقانِ: أحدُهما: أنَّ الواجِبَ هو مُطلَقُ ذكرِ اللهِ؛ لقولِه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وذكرُ اللهِ تَعالى مَعلومٌ لا جَهالةَ فيه، فلم يَكنْ مُجمَلًا؛ لأنَّه تَطاوُعُ العملِ مِنْ غيرِ بَيانٍ يَقتَرنُ به، فتَقييدُه بذِكرٍ يُسمَّى خُطبةً، أو بذِكرٍ طَويلٍ لا يَجوزُ إلا بدَليلٍ.
والآخَرُ: أن يُقيدَ ذكرُ اللهِ تَعالى بما يُسمَّى خُطبةً، لكنَّ اسمَ الخُطبةِ في حَقيقةِ اللُّغةِ يَقعُ على ما قُلنا؛ فإنَّه رُويَ عن عُثمانَ رضي الله عنه أنَّه لمَّا استُخلِفَ خطَبَ في أوَّلِ جمُعةٍ، فلمَّا قالَ: الحَمدُ للهِ، أُرتِجَ عليه، فقالَ: «أنتُم إلى إمامٍ فعَّالٍ أحوَجُ مِنكم إلى إمامٍ قوَّالٍ، وإنَّ أبا بَكرٍ وعمرَ كانا يُعِدَّانِ لِهذا المَكانِ مَقالًا، وستَأتيكمُ الخُطَبُ مِنْ بَعدُ، وأَستَغفرُ اللهَ لي ولكم». ونزَلَ وصلَّى بهمُ الجمُعةَ، وكانَ ذلك بمَحضَرٍ مِنْ المُهاجِرينَ والأَنصارِ، وصَلَّوا خلفَه، وما أَنكَروا عليه صَنيعَه، مع أنَّهم كانوا مَوصوفِينَ بالأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ، فكانَ هذا إِجماعًا مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل بيان ما يصير المسافر به مقيما
شَيْءٍ لَهُ أَثَرٌ فِي التَّطْهِيرِ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ أَوْ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الطُّهْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْإِجْمَاعَ وَمِثْلَ هَذَا الدَّلِيلِ الْمَعْقُولِ مُنْعَدِمَانِ وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ لَنَا أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسْتَقْصَى فِي كِتَابِ الْحَيْضِ وَهَلْ يُبَاحُ لِلزَّوْجِ قِرَانُهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ؟ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا؟ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ يُبَاحُ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يُبَاحُ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ، وَإِذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ لَا يُبَاحُ لِلزَّوْجِ قُرْبَانُهَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ خِلَافًا لِزُفَرَ عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
فَصْلٌ بَيَانُ مَا يَصِيرُ الْمُسَافِرُ بِهِ مُقِيمًا
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَصِيرُ الْمُسَافِرُ بِهِ مُقِيمًا: فَالْمُسَافِرُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِوُجُودِ الْإِقَامَةِ، وَالْإِقَامَةُ تَثْبُتُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: صَرِيحُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي مَكَان وَاحِدٍ صَالِحٍ لِلْإِقَامَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: نِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَنِيَّةُ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ، وَاتِّحَادُ الْمَكَانِ، وَصَلَاحِيَتُهُ لِلْإِقَامَةِ.
ارجع إلى صلاة الجمعة للاطلاع على جميع المسائل.