الإسلام > الصلاة > صلاة الكسوف > الخطبة في صلاة الكسوف
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 14 دقيقة قراءةلا تُصلَّى في الأَوقاتِ التي نَهى الشَّارِعُ عن الصَّلاةِ فيها، كسائرِ الصَّلواتِ، وإنَّما يَجعلُ المُصلِّي مَكانَ الصَّلاةِ تَسبيحًا وتَهليلًا واستِغفارًا.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لأنَّ هذه الصَّلاةَ إن كانَت نافِلةً فالنَّوافِلُ في هذه الأَوقاتِ مَكروهةٌ، وإن كانَت لها أسبابٌ عندَنا، كرَكعتَيِ التَّحيَّةِ، ورَكعتَيِ الطَّوافِ، وإن كانَت واجِبةً فأداءُ الواجِباتِ في هذه الأَوقاتِ مَكروهٌ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنهما إلى أنَّها تُصلَّى في كلِّ الأَوقاتِ، كسائرِ الصَّلواتِ التي لها سَببٌ مُتقدِّمٌ عنها، أو مُقارِنٌ، كالمَقضيَّةِ، وصَلاةِ الاستِسقاءِ ورَكعتَيِ الوُضوءِ وتَحيَّةِ المَسجدِ.
وعنِ الإمامِ مالِكٍ رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّها إذا طَلَعت مَكسوفةً يُصلَّى حالًا، وإذا دخَلَ العَصرُ مَكسوفةً، أو كسِفَت عندَهما، لم يُصلَّ لها (٢).
الخُطبةُ في صَلاةِ الكُسوفِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا يُسنُّ لها خُطبةٌ؛ لمَا رَوت عائشةُ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ انصَرفَ وقدِ انجَلَت الشَّمسُ، فخطَبَ النَّاسَ وحمِدَ اللهَ وأَثنى عليه، ثم قالَ: «إِنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنخَسفانِ لمَوتِ أَحدٍ ولا لحَياتِه، فإذا رَأَيتُم ذلك فَادعُوا اللهَ وكبِّرُوا وصَلُّوا وتَصدَّقُوا، ثم قالَ: يا أُمةَ مُحمَّدٍ، واللهِ ما مِنْ
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٢)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ١٨٤).
(٢) «الاستذكار» (٢/ ٤١٥)، و «إحكام الأحكام» (٢/ ١٤١)، و «عُمدة القاري» (٧/ ٧٩)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ٤٠٣)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٩٤)، و «شرح روض الطالب» (١/ ١٢٤)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٨٣)، و «المغني» (٣/ ١٦١).
أَحدٍ أَغيَرُ مِنْ اللهِ أَنْ يَزنِيَ عَبدُهُ أو تَزنِيَ أَمَتُه؛ يا أُمةَ مُحمَّدٍ، واللهِ لو تَعلَمونَ ما أَعلَمُ لضَحِكتُم قَلِيلًا وَلبكَيتُم كَثيرًا» (١).
قالوا: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَهم بالصَّلاةِ والدُّعاءِ والتَّكبيرِ والصَّدقةِ، ولم يَأمرْهم بخُطبةٍ، ولو كانَت سُنةً لَأمرَهم بها، ولأنَّها صَلاةٌ يَفعلُها المُنفرِدُ في بَيتِه، فلم يُشرعْ لها خُطبةٌ، وإنَّما خطَبَ النَّبيُّ ﷺ بعدَ الصَّلاةِ ليُعلِّمَهم حُكمَها، وهذا مُختَصٌّ به.
وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسنُّ أن يَخطُبَ الإمامُ لها خُطبَتينِ بعدَ الصَّلاةِ، وصِفَتُها كخُطبَتيِ الجمُعةِ في الأَركانِ والشُروطِ وغيرِها؛ لحَديثِ عائشةَ السابقِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُ العِلةِ التي مِنْ أجلِها خطَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ لمَّا انصَرفَ مِنْ صَلاةِ الكُسوفِ على ما في حَديثِ عائشةَ، وذلك أنَّها رَوت أنَّه لمَّا انصرَفَ مِنْ الصَّلاةِ وقد تَجلَّتِ الشَّمسُ، حمِدَ اللهَ وأَثنى عليه، ثم قالَ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيَتانِ من آياتِ اللهِ … » الحَديثَ. فزعَمَ الشافِعيُّ أنَّه إنَّما خطَبَ لأنَّ مِنْ سُنةِ هذه الصَّلاةِ الخُطبةَ، كالحالِ في صَلواتِ العِيدَينِ والاستِسقاءِ، وزعَمَ بعضُ من قالَ بقولِ أولئك أنَّ خُطبةَ النَّبيِّ ﷺ إنَّما كانَت يَومئذٍ لأنَّ النَّاسَ زَعَموا أنَّ الشَّمسَ إنَّما كَسفَت لمَوتِ إِبراهيمَ ابنِه عليه السلام (٢).
(١) رواه البخاري (٩٩٧)، ومسلم (٩٠٥).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٩٤، ٢٩٥)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٢)، و «الهداية» (٢/ ٩٠)، و «البناية» (٣/ ١٧١، ١٧٣)، و «الأمُّ» (١/ ٢٤٥)، و «حِلية العلماء» (٢/ ٢٦٩)، و «المجموع» (٦/ ١٢٠)، و «المغني» (٣/ ١٥٨)، و «الإفصاح» (١/ ٢٦٤)، و «المبدع» (٢/ ١٩٧)، و «الإنصاف» (٢/ ٤٤٨)، و «فتح الباري» (٢/ ٦٢٠، ٦٢١).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب صلاة الكسوف
بابُ صلاةِ الكُسُوفِ
الكُسُوفُ والخُسُوفُ شىْءٌ واحِدٌ، وكِلَاهُما قد وَرَدَتْ به الأخْبارُ، وجاءَ القُرْآنُ بِلَفْظِ الخُسُوفِ.
٣١٩ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ: (وَإذَا خسَفَتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ، إنْ أَحَبُّوا جَمَاعَةً، وإن أَحَبُّوا فُرَادَى)
صَلَاةُ الكُسُوفِ ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على ما سَنَذْكُرُه، ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ في مَشْرُوعِيَّتِها لِكُسُوفِ الشَّمْسِ خِلَافًا، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّها مَشْرُوعَةٌ لِخُسُوفِ القَمَرِ، فَعَلَه ابنُ عَبَّاسٍ. وبه قال عَطَاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ: ليسَ لِكُسُوفِ القَمَرِ سُنَّةٌ. وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ عنه، وعن أبي حنيفةَ أنَّهما قالا: يُصَلِّى النّاسُ لِخُسُوفِ القَمَرِ وُحْدَانًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ولا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً؛ لأنَّ في خُرُوجِهِمْ إليها مَشَقَّةٌ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّه، لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَيَاتِه، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا" . مُتَّفَقٌ عليه . فأمَرَ بالصلاةِ لهما أمْرًا واحدا. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه صَلَّى بأهلِ البَصْرَةِ في خُسُوفِ القَمَرِ رَكْعَتَيْنِ، وقال: إنَّما
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل صلاة الكسوف والخسوف
هَذَا التَّكْبِيرُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَهُ قَائِدُهُ يَوْمَ الْفِطْرِ فَسَمِعَ النَّاسَ يُكَبِّرُونَ فَقَالَ لِقَائِدِهِ: أَكَبَّرَ الْإِمَامُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَجُنَّ النَّاسُ؟ وَلَوْ كَانَ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ سُنَّةً لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْإِنْكَارِ مَعْنًى؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَذْكَارِ هُوَ الْإِخْفَاءُ إلَّا فِيمَا وَرَدَ التَّخْصِيصُ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي عِيدِ الْأَضْحَى فَبَقِيَ الْأَمْرُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ عَلَى الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ تَتَعَرَّضُ لِأَصْلِ التَّكْبِيرِ، وَكَلَامُنَا فِي وَصْفِ التَّكْبِيرِ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ، وَالْآيَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ ذَلِكَ، (وَمِنْهَا) أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعِيدِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَبْتٍ نَبَتَ، وَبِكُلِّ وَرَقَةٍ حَسَنَةً» .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصلاة الثاني
الباب السادس في صلاة الكسوف
الْبَابُ السَّادِسُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ
الْبَابُ السَّادِسُ
فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ سُنَّةٌ، وَأَنَّهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا، وَفِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَفِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا، وَهَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الْخُطْبَةُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ كُسُوفُ الْقَمَرِ فِي ذَلِكَ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ؟ فَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ أَصُولٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى ; ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَحْمَدُ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ.
ارجع إلى صلاة الكسوف للاطلاع على جميع المسائل.