ثالثا: تبييت النية

الإسلام > الصيام > شروط صحة الصوم > ثالثا: تبييت النية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

ثالثا: تبييت النية - الأقوال والأدلة

وكلُّ يَومٍ مُعيَّنٌ لِلنَّفلِ، ما عدا رَمضانَ، والأيامَ المُحرَّمَ صَومُها، وما يُعيِّنُه المُكلَّفُ بنَفسِه، فكلُّ ذلك مُتعيَّنٌ ولا يَحتاجُ إلى التَّعيينِ.

والقِسمُ الثاني: يُشترَطُ فيه التَّعيينُ: وهو: قَضاءُ رَمضانَ، وقَضاءُ ما أفسَده من النَّفلِ، وصَومُ الكَفَّاراتِ بأنواعِها، والنَّذرُ المُطلَقُ عن التَّقييدِ بزَمانٍ، سَواءٌ كان مُعلَّقًا بشَرطٍ أو كان مُطلَقًا؛ لأنَّه ليس له وَقتٌ مُعيَّنٌ، فلم يَتأدَّ إلا بنيَّةٍ مَخصوصةٍ قَطعًا لِلمُزاحَمةِ (١).

ثالثًا: تَبييتُ النِّيَّةِ:

اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ ما يَثبُتُ في الذِّمَّةِ من الصَّومِ كقَضاءِ رَمضانَ، وكقَضاءِ النَّذرِ والكَفَّاراتِ لا يَجوزُ صَومُه إلا بنيَّةٍ من اللَّيلِ (٢).

واختَلفُوا في صَومِ رَمضانَ والنَّذرِ المُعيَّنِ هل يَصحُّ أنْ يَكونَ بنيَّةٍ من النَّهارِ أو يُشترَطُ أنْ تَكونَ النيَّةُ لَيلًا؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ تَبييتَ النيَّةِ في صَومِ رَمضانَ وغَيرِه من الصَّومِ الواجِبِ شَرطٌ في صِحَّةِ الصَّومِ، لِقَولِ النَّبيِّ في حَديثِ حَفصةَ: «مَنْ لم يُجْمِعِ الصِّيامَ قبلَ الْفَجْرِ فلا صِيَامَ له».

(١) «المبسوط» (٣/ ٦١)، (٤٢/ ١٤٣٢)، و «البدائع» (٢/ ٦٠٣، ٦٠٢)، و «الهداية» (٢/ ٢٣)، و «الدر المختار» (٢/ ٨٥)، و «الاختيار» (١/ ١٢٧)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ١٩٥، ١٩٦)، و «مراقي الفلاح» ص (٢٥٣).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٣٨٥)، و «فتح القدير» (٢/ ٣١١)، و «الإشراف» (١/ ١٩٤)، و «المجموع» (٧/ ٤٩٧)، و «المغني» (٤/ ١٢٦).

وفي لَفظٍ: «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ فلا صِيَامَ له» (١).

ولأنَّه صَومُ فَرضٍ افتَقَر إلى النيَّةِ من اللَّيلِ كالقَضاءِ والنُّذورِ، ولأنَّ النيَّةَ شَرطٌ في الصَّومِ الشَّرعيِّ، يَجِبُ ألَّا يُجزِئَ الصَّومُ متى مَضى بَعضُ اليَومِ عارِيًا منها، ولأنَّها عِبادةٌ تُؤدَّى وتُقضى وجَب أنْ يَستوفيَ فيها وَقتَ النيَّةِ في الأداءِ والقَضاءِ كالصَّلاةِ.

والتَّبييتُ: إيقاعُ النيَّةِ في اللَّيلِ، ما بينَ غُروبِ الشَّمسِ إلى طُلوعِ الفَجرِ، فلا تَكفي النيَّةُ قبلَ الغُروبِ عندَ الجميعِ، ولا بعدَ الفَجرِ؛ لأنَّ النيَّةَ القَصدُ، وقَصدُ الماضي مُحالٌ عَقلًا.

ولو قارَن الغُروبَ أو الفَجرَ، أو شَكَّ، لم يَصحَّ كما هو قَضيَّةُ التَّبييتِ.

وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ يَصحُّ لو قارَنتِ الفَجرَ، كما في تَكبيرةِ الإحرامِ؛ لأنَّ الأصلَ في النِّيَّةِ المُقارَنةُ لِلمَنويِّ (٢).

ولا تُجزِئُ بعدَ الفَجرِ، وتُجزِئُ مع طُلوعِ الفَجرِ إنِ اتَّفَق ذلك، وهو قَولُ عَبدِ الوَهَّابِ، وصَوَّبَه اللَّخميُّ وابنُ رُشدٍ من المالِكيَّةِ، وإنْ رَوى ابنُ عَبدِ الحَكَمِ أنَّها لا تُجزِئُ مع الفَجرِ، وكَلامُ القَرافيِّ وابنِ بَشيرٍ وابنِ الحاجِبِ يَدُلُّ على أنَّ المُقارَنةَ لِلفَجرِ هي الأصلُ، لكنْ رُخِّص تَقدُّمُها عليه لِلمَشقَّةِ في مُقارَنتِها له (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٤٥٤)، وأحمد (٦/ ٢٨٧)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣١، ٢٣٣٣).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٤٦)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٢٠)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٤٩).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥١٩، ٥٢٠).

والصَّحيحُ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: أنَّه لا يُشترَطُ في تَبييتِ النِّيَّةِ النِّصفُ الآخَرُ من اللَّيلِ، بل تَصحُّ في أيِّ جُزءٍ من اللَّيلِ، لِإطلاقِه في الحَديثِ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ» من غَيرِ تَفصيلٍ، ولأنَّه نَوى من اللَّيلِ فصَحَّ صَومُه، كما لو نَوى في النِّصفِ الأخيرِ.

ولأنَّ تَخصيصَ النِّيَّةِ بالنِّصفِ الأخيرِ من اللَّيلِ يَقضي إلى تَفويتِ الصَّومِ؛ لأنَّه وَقتُ النَّومِ وكَثيرٌ من الناسِ لا يَنتبِهُ فيه ولا يَذكُرُ الصَّومَ، والشارِعُ إنَّما رخَّص في تَقديمِ النيَّةِ على ابتدائِه، لِحَرجِ اعتبارِها عندَه، فلا يَخصُّها بمَحلٍّ لا تَندَفعُ المَشقَّةُ بتَخصيصِها به، ولأنَّ تَخصيصَها بالنِّصفِ الأخيرِ تَحكُّمٌ من غَيرِ دَليلٍ.

والصَّحيحُ أيضًا: أنَّه لا يَضُرُّ لو فعَل بعدَ النِّيَّةِ ما يُنافي الصَّومَ من الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ ما دام في اللَّيلِ؛ لأنَّه لم يَتلبَّسْ بالعِبادةِ.

والصَّحيحُ أيضًا: أنَّه لا يَجِبُ تَجديدُ النِّيَّةِ إذا نامَ بعدَها ثم انتَبه قبلَ الفَجرِ (١).

وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ تَبييتُ النيَّةِ في رَمضانَ ولا في النَّذرِ المُعيَّنِ ولا النَّفلِ؛ فلو لم يَنوِ باللَّيلِ حتى أصبَحَ أجزأتْه النِّيَّةُ ما بينَه وبينَ الزَّوالِ -نِصفَ النَّهارِ- فيَنوي قبلَ الزَّوالِ لِيَكونَ الأكثَرُ مَنويًّا، فيَكونَ

(١) «القوانين الفقهية» (٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٤٦)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٤٩)، و «المجموع» (٧/ ٤٧٩، ٤٨٤)، و «شرح المحلى على المنهاج» (٢/ ٥٢)، و «الإقناع» (٢/ ٣٢٦)، و «المغني» (٤/ ١٢٨، ١٢٩)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣١٥).

له حُكمُ الكُلِّ، فلو نَوى بعدَ ذلك لا يَجوزُ؛ لِخُلُوِّ الأكثَرِ من النيَّةِ، تَغليبًا لِلأكثَرِ.

إلا أنَّ الأفضَلَ أنْ يَصومَ بنيَّةٍ مُعيَّنةٍ مُبيَّتةٍ لِلخُروجِ من الخِلافِ (١).

واستَدَلَّ الحَنفيَّةُ على ما ذهَبوا إليه من عَدمِ اشتِراطِ تَبييتِ النيَّةِ وصِحَّتِها حتى إلى نِصفِ النَّهارِ بما يَلي:

١ - ما رَوى ابنُ عَباسٍ رضي الله عنه أنَّ الناسَ أصبَحوا يَومَ الشَّكِّ، فقَدِم أعرابيٌّ وشَهِد برُؤيةِ الهِلالِ، فقال عليه الصلاة والسلام: «أتَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ؟»، فقال: نَعَمْ، فقال : «اللهُ أكبَرُ، يَكفي المُسلِمين أحَدُهم، فصامَ وأمَرَ بالصِّيامِ، وأمَرَ مُنادِيًا فنادَى: ألَا مَنْ أكلَ فلا يأكُلْ بَقيَّةَ يَومِه، ومَن لم يَأكُلْ فليَصُمْ» (٢)؛ فقد أمَرَ بالصَّومِ وأنَّه يَقتَضي

(١) «الاختيار» (١/ ١٣٦)، و «البدائع» (٢/ ٦٠٦).
(٢) هذا الحَديثُ ذكَره المَوصليُّ في «الاختيارِ» (١/ ١٣٥) ولم يَعزُه إلى أحَدٍ، وقال الزَّيلَعيُّ في «نَصبِ الرايةِ» (٢/ ٤٣٥) قُلتُ: حَديثٌ غَريبٌ، وذكَره ابنُ الجَوزيِّ في التَّحقيقِ وقال: إنَّ هذا حَديثٌ لا يُعرَفُ، وإنَّما المَعروفُ أنَّه شَهِد عندَه برُؤيةِ الهِلالِ فأمَر أنْ يُناديَ في الناسِ أنْ تَصوموا غَدًا.
وقال الحافِظُ في «الدِّرايةِ» (١/ ٢٧٥): لم أجِدْه، وقِصَّةُ شَهادةِ الأعرابيِّ دونَ ما بعدَها عندَ الأربَعةِ عن ابنِ عباسٍ قال: «جاءَ أعرابيٌّ فقال: إنِّي رأيتُ الهِلالَ، فقال : أتَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ؟ قال: نَعَمْ، قال: يا بِلالُ، أذِّنْ في الناسِ فليَصوموا». وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ وسيأتي قَريبًا، وأَخرَجه الدارَقُطنيُّ بلَفظٍ يُغايِرُ التَّرجمةَ، وهو أنَّ أعرابيًّا جاءَ لَيلةَ شَهرِ رَمضانَ … الحَديثَ، وفيه عندَ أبي يَعلى أبصَرتُ الهِلالَ اللَّيلةَ، وفيه عندَهما: فأمَر أنْ يُنادَى في الناسِ أنْ يَصوموا غَدًا، وبَقيَّةُ الحَديثِ: إنَّما هو في قِصَّةِ عاشوراءَ. أَخرَجه الشَّيخان من حَديثِ سَلمةَ بنِ الأكوَعِ أنَّه أمَرَ رَجلًا من أسلَمَ أنْ أذِّنْ في الناسِ أنَّ مَنْ أكلَ فليَصُمْ بَقيَّةَ يَومِه، ومَن لم يَكُنْ أكَلَ فليَصُمْ فإنَّ اليَومَ يَومُ عاشوراءَ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب النية في الصوم

باب النية في الصوم

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَجُوزُ لأحدٍ صِيَامُ فرضٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا نَذْرٍ وَلَا كَفَّارَةٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا صِيَامُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ إِجْمَاعًا فَأَمَّا صِيَامُ رَمَضَانَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ زفر بن الهذيل، أَنَّهُ قَالَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) {البقرة: ٨٥) فَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالنِّيَّةِ قَالَ: وَلِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مُسْتَحَقُّ الصَّوْمِ يَمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ كَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمَّا كَانَ الْفِطْرُ فِيهِمَا مُسْتَحَقًّا، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى) {الليل: ١٩، ٢٠) فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُجَازَاةَ لَا تَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ الْفَاعِلُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " فَنَفَى الْعَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا بِغَيْرِ نيةٍ " .

وَرَوَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ " .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 450 - 453

ارجع إلى شروط صحة الصوم للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 34%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله