الإسلام > الصيام > صوم التطوع > حكم الشروع في صوم التطوع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوقال الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا يَومُ السَّبتِ فلم يَصحَّ فيه الحَديثُ، ولو صَحَّ لَكانَ معناه مُخالَفةَ أهلِ الكِتابِ (١).
وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا يَومُ السَّبتِ فالسَّببُ في اختِلافِهم فيه اختِلافُهم في تَصحيحِ ما رُوي عنه أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم» خَرَّجه أبو داودَ، قالوا: والحَديثُ مَنسوخٌ، نَسَخه حَديثُ جُوَيريةَ بِنتِ الحارِثِ، أنَّ النَّبيَّ عليه الصلاة والسلام دخَل عليها يَومَ الجُمُعةِ وهي صائِمةٌ فقال: «صُمتِ أمسِ؟» فقالت: لا، فقال: «تُريدينَ أنْ تَصومي غَدًا، قالت: لا، قال فأفطِري» (٢).
حُكمُ الشُّروعِ في صَومِ التَّطوُّعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ شَرَعَ في صَومِ تَطوُّعٍ هل يَلزَمُه بالشُّروعِ فيه أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ شرَع في صَومِ تَطوُّعٍ لَزمَه إتمامُه إذا بدأ فيه، ويَحرُمُ عليه إفسادُه لِغَيرِ عُذرٍ، ويَجِبُ عليه القَضاءُ إذا أفسَدَه؛ لأنَّ المُؤدَّى عِبادةٌ، وإبطالُ العِبادةِ حَرامٌ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ فما أدَّاه وجَب صيانَتُه وحِفظُه عن الإبطالِ؛ لأنَّ العَملَ صارَ حَقًّا للهِ تَعالى، ولا سَبيلَ إلى حِفظِه إلا بالتِزامِ الباقي، فوجَب الإتمامُ ضَرورةً.
(١) «القبس شرح الموطأ» ص (٥١٤).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٧).
واستدَلُّوا على ذلك أيضًا بما يلي:
١ - بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إذا دُعِي أحَدُكم فليُجِبْ؛ فإنْ كان صائِمًا فَلْيُصَلِّ، وإنْ كان مُفطِرًا فلَيَطْعَمْ» (١).
قَولُه: فليُصَلِّ: أي: فليَدْعُ.
قال الإمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: ثبَت هذا عنه عليه السلام، ولو كان الفِطرُ جائِزًا لَكانَ الأفضَلُ الفِطرَ لِإجابةِ الدَّعوةِ التي هي السُّنَّةُ (٢).
٢ - ولِما رُوي عن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: «كُنْتُ أنا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لنا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا منه، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْنِي إليه حَفْصَةُ، وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كنا صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لنا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا منه، قال: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ» (٣).
قال أبو عُمَرَ بنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ومِنْ حُجَّةِ مالِكٍ ومَن قال بقَولِه في إيجابِ القَضاءِ على المُتطوِّعِ إذا أفسَد صَومَه مع حَديثِ ابنِ شِهابٍ في قِصَّةِ عائِشةَ وحَفصةَ المَذكورِ في هذا البابِ قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾، وقَولُه تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وليس مَنْ أفطَر عامِدًا بعدَ دُخولِه في الصَّومِ مُعظِّمًا لِحُرمةِ
(١) رواه مسلم (١٤٣١).
(٢) نقله عنه الزيلعي في «تبيين الحقائق» (١/ ٣٣٧، ٣٣٨).
(٣) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه الترمذي (٧٣٥)، والنسائي في «الكبرى» (٣٢٩١)، وأحمد في «المسند» (٦/ ٢٦٣).
الصَّومِ، وقد أبطَل عَملَه الذي أمرَ اللهُ بتَمامِه ونَهاه عن إبطالِه، والنَّهيُ عن الشَّيءِ يَقتَضي الأمرَ بضِدِّه، وقد قال اللهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا يَقتَضي عُمومُه الفَرضَ والنَّفلَ كما قال ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وقد أجمَعوا على أنَّ المُفسِدَ لِحَجَّةِ التَّطوُّعِ أو عُمرَتِه عليه القَضاءُ، فالقياسُ على هذا الإجماعِ إيجابُ القَضاءِ على مُفسِدِ صَومِه عامِدًا قياسٌ صَحيحٌ، وقد ثبَت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا دُعِي أحَدُكم إلى طَعامٍ فليُجِبْ؛ فإنْ كان مُفطِرًا فليَأكُلْ» (١).
ورُوِي: «فإنْ شَاءَ أَكَلَ وإنْ كان صائِمًا فلْيَدْعُ».
ورُويَ: «فلْيُصَلِّ» يُريدُ فليَدْعُ، ورُوي في هذا الحَديثِ أيضًا: «وإنْ كان صائِمًا فلا يَأكُلْ».
فلو كان الفِطرُ في التَّطوُّعِ حَسنًا لَكانَ أفضَلُ ذلك وأحسَنُه إجابةَ الدَّعوةِ التي هي سُنَّةٌ مَسنونةٌ، فلَمَّا لم يَكُنْ ذلك كذلك عُلِمَ أنَّ الفِطرَ في التَّطوُّعِ لا يَجوزُ، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تَصومُ امرأةٌ زَوجُها شاهِدٌ يَومًا من غَيرِ شَهرِ رَمضانَ إلا بإذنِه» (٢).
وفي هذا ما يَدُلُّ على أنَّ المُتطوِّعَ لا يُفطِرُ ولا يُفطِرُ غَيرَه؛ لأنَّه لو كان لِلرَّجُلِ أنْ يُفسِدَ عليها لَما احتاجَت إلى إذنِه، ولو كان مُباحًا كان ذلك لا مَعنى له، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٤٥٩)، وابن حبان في «صحيحه» (٤/ ٣٥٤).
وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قُدِّم إليه سَمنٌ وتَمرٌ وهو صائِمٌ فقال: «رُدُّوا تَمرَكم في وِعَائِه ورُدُّوا سَمنَكم في سِقائِه؛ فإنَّي صائِمٌ» (١)، ولم يُفطِرْ، بل أتَمَّ صَومَه إلى اللَّيلِ على ظاهِرِ قَولِ اللهِ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولم يَخُصَّ فَرضًا من نافِلةٍ.
قال: «والاحتياطُ في أعمالِ البِرِّ أوْلَى ما قيلَ به في ذلك، وباللهِ التَّوفيقُ» (٢).
ثم إنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: إنْ خرَج منه -أي: الصَّومِ- بدونِ عُذرٍ لَزِمه القَضاءُ، وعليه الإثْمُ والعِقابُ على تَركِه، وإنْ خرَج منه لِعُذرٍ، لَزِمه القَضاءُ ولا إثْمَ عليه (٣).
وقال المالِكيَّةُ: إنْ خرَج منه بعُذرٍ فلا قَضاءَ عليه ولا إثْمَ، وإنْ خرَج بغَيرِ عُذرٍ فعليه القَضاءُ، وعليه الإثْمُ والعِقابُ على تَركِه (٤).
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ لُزومِ صَومِ التَّطوُّعِ بالشُّروعِ فيه، ولا يَجِبُ على الصائِمِ تَطوُّعًا إتمامُه إذا بَدأ فيه، وله قَطعُه في أيِّ وَقتٍ شاءَ، ولا يَحرُمُ عليه ذلك، سَواءٌ خرَج بعُذرٍ أو بغَيرِ عُذرٍ، إلا أنَّه يُكرَهُ له قَطعُه بلا عُذرٍ، ويُستحَبُّ إتمامُه لِظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾، ولِلخُروجِ من خِلافِ مَنْ أوجَبَ إتمامَه من العُلماءِ.
(١) رواه البخاري (١٨٨١).
(٢) «التمهيد» (١٢/ ٧٥، ٨١).
(٣) «البدائع» (٢/ ٦٥١)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٦٢)، و «المبسوط» (٣/ ٦٨، ٧٠)، و «تحفة الفقهاء» (١/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٣٣٧).
(٤) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٢٧)، و «الذخيرة» (٢/ ٥٢٨، ٥٢٩)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٢٦)، و «شرح الزرقاني» (١/ ٥٠٦).
واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
١ - عن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: قال رَسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يَومٍ: «يا عَائِشَةُ، هل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قالت: فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عِنْدَنَا شَيْءٌ، قال: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قالت: فَخَرَجَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَأُهْدِيَتْ لنا هَدِيَّةٌ، أو جَاءَنَا زَوْرٌ، قالت: فلَما رَجَعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَتْ لنا هَدِيَّةٌ، أو جَاءَنَا زَوْرٌ، وقد خَبَأْتُ لكَ شَيئًا، قال: ما هو؟ قُلتُ: حَيْسٌ، قال: «هَاتِيهِ، فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قال: قد كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» (١).
وفي لَفظٍ: «أَمَا إنِّي قد أَصْبَحْتُ وأنا صَائِمٌ، فَأَكَلَ منه، ثُمَّ قال: إنَّما مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ من مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فإنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» (٢).
٢ - عن أُمِّ هانِئٍ رضي الله عنها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دخَل عليها، فناوَلَتْه شَرابًا ثم ناوَلَها، فشَرِبت، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، كُنْتُ صائِمةً؟ فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ: إنْ شَاءَ صَامَ، وإنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (٣).
(١) رواه مسلم (١١٥٤).
(٢) أَخرَجه النسائي (٢٣٢٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ١١٤)، وقال الألباني في «الإرواء» (٤/ ١٣٦): إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (٦/ ٣٤١)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣٠٢).
٣ - عن أبي جُحَيفةَ رضي الله عنه قال: آخَى النَّبيُّ ﷺ بينَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فقال لها: ما شَأْنُكِ، قالت: أَخُوكَ أبو الدَّرْدَاءِ ليس له حَاجَةٌ في الدُّنْيَا، فَجَاءَ أبو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ له طَعَامًا، فقال: كُلْ، قال: فإنَّي صَائِمٌ، قال: ما أنا بِآكِلٍ حتى تَأْكُلَ، قال: فَأَكَلَ، فلَمَّا كان اللَّيْلُ ذَهَبَ أبو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قال: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فقال: نَمْ، فلَمَّا كان من آخِرِ اللَّيْلِ قال سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فقال له سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فذكَر ذلك له، فقال النَّبيُّ ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» (١).
وقال النَّوَويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا القياسُ على الحَجِّ والعُمرةِ فالفَرقُ أنَّ الحَجَّ لا يَخرُجُ منه بالإفسادِ لِتَأكُّدِ الدُّخولِ فيه بخِلافِ الصَّومِ. واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
(١) رواه البخاري (١٨٦٧).
(٢) «المجموع» (٧/ ٦٦٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٤٨)، و «المغني» (٤/ ٢١٥)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣٤٣)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٥٢)، و «الإفصاح» (١/ ٤٢٨).
كتاب الاعتِكافِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصوم
فصل حكم فساد الصوم
الشَّهْوَةَ» .
وَلَوْ عَالَجَ ذَكَرَهُ فَأَمْنَى اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَفْسُدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَفْسُدُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وَالْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ لِوُجُودِ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ بِفِعْلِهِ فَكَانَ جِمَاعًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي امْرَأَتِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ ثُمَّ خَشِيَ الصُّبْحَ فَانْتَزَعَ مِنْهَا فَأَمْنَى بَعْدَ الصُّبْحِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِلَامِ.
وَلَوْ جَامَعَ بَهِيمَةً فَأَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ الْجِمَاعُ صُورَةً وَمَعْنًى وَهُوَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْقُصُورِ لِسَعَةِ الْمَحَلِّ، وَلَوْ جَامَعَهَا وَلَمْ يُنْزِلْ لَا يَفْسُدُ.
وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ وَنَفِسَتْ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَسَدَ صَوْمُهَا لِأَنَّ الْحَيْضَ، وَالنِّفَاسَ مُنَافِيَانِ لِلصَّوْمِ لِمُنَافَاتِهِمَا أَهْلِيَّةَ الصَّوْمِ شَرْعًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ مَا إذَا جُنَّ إنْسَانٌ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ إنَّ صَوْمَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ جَائِزٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجُنُونَ، وَالْإِغْمَاءَ لَا يُنَافِيَانِ أَهْلِيَّةَ الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا يُنَافِيَانِ النِّيَّةَ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ حُكْمُ فَسَادِ الصَّوْمِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب النية في الصوم
باب النية في الصوم
قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَا يَجُوزُ لأحدٍ صِيَامُ فرضٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا نَذْرٍ وَلَا كَفَّارَةٍ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا صِيَامُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ إِجْمَاعًا فَأَمَّا صِيَامُ رَمَضَانَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ زفر بن الهذيل، أَنَّهُ قَالَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) {البقرة: ٨٥) فَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالنِّيَّةِ قَالَ: وَلِأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مُسْتَحَقُّ الصَّوْمِ يَمْنَعُ مِنْ إِيقَاعِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ كَالْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمَّا كَانَ الْفِطْرُ فِيهِمَا مُسْتَحَقًّا، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى) {الليل: ١٩، ٢٠) فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُجَازَاةَ لَا تَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ حَتَّى يَبْتَغِيَ بِهِ الْفَاعِلُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " فَنَفَى الْعَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا بِغَيْرِ نيةٍ " .
وَرَوَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ " .
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الاعتكاف
٥٢٧ - مسألة؛ قال: (ويجوز بلا صوم، إلا أن يقول فى نذره بصوم)
يَحْصُلُ فى الغَالِبِ إلَّا بعدَ كُلْفَةٍ عظيمةٍ ، ومَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وإنْفاقِ مالٍ كَثِيرٍ، ففى إبْطالِهما تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ، وإبْطالٌ لأعْمالِه الكَثِيرَةِ، وقد نُهِينَا عن إضاعَةِ المالِ، وإبْطالِ الأعْمالِ، وليس فى تَرْكِ الاعْتِكافِ بعد الشُّرُوعِ فيه مالٌ يَضِيعُ، ولا عَمَلٌ يَبْطُلُ، فإنَّ ما مَضَى من اعْتِكافِه، لا يَبْطُلُ بِتَرْكِ اعْتِكَافِ المُسْتَقْبَلِ، ولأنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِالمسجدِ الحَرامِ على الخُصُوصِ، والاعْتِكافُ بِخِلافِه.
٥٢٧ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ بِلَا صَوْمٍ، إلَّا أنْ يَقُولَ فِى نَذْرِهِ بِصَوْمٍ)
ارجع إلى صوم التطوع للاطلاع على جميع المسائل.